عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقاربات فنية وحضارية

احمد عابر: موت سقراط.. أن تموت على ما تحب

(يقول بعضهم إن فرسانا او مشاة او اسطولا من السفن، هو اجمل ما على وجه الارض السوداء

اما انا فاقول: انما الاجمل هو ما يحبه المرء)... صافو

هذه الكلمات خرجت من شاعرة عاشت في جزيرة ليسبوس الاغريقية حوالي عام ٦٠٠ قبل الميلاد، اسمها صافو.

لم تكن صافو فيلسوفة ولا قائدة عسكرية، بل كانت صوتا غنائيا فريدا يصدح بالحب في زمن احتفت فيه الثقافة اليونانية بالملاحم والمعارك والبطولات.

حين كان المجتمع ينظر الى الاساطيل والجيوش باعتبارها ذروة المجد والجمال، جاءت صافو لتعلن ان المعيار مختلف تماما.

 ان الجمال لا يقيم في مظاهر الهيبة ولا في ادوات السيطرة، بل في ذلك الشيء الخفي الذي ينجذب اليه القلب دون حساب.

ما نحبه هو ما نراه جميلا، لا لانه كذلك في ذاته، بل لان ارواحنا قد اختارته. ومن هنا يصبح الحب معيارا للحقيقة بقدر ما هو معيار للجمال و تغدو الخيارات الكبرى في حياة الانسان انعكاسا لما يسكن اعماقه لا لما يفرضه عليه العالم.

بعد ما يقرب من قرنين، وفي مدينة اثينا، وجد سقراط نفسه امام اختبار لا يقل جذرية عن رؤية صافو.

كان سقراط رجلا يسير في الاسواق ويسأل الناس اسئلة بسيطة عن الشجاعة والعدالة فيكشف بهدوء ان اكثرهم لا يعرفون شيئا عما يظنون انهم يعرفونه.

احبه الشباب وتبعه التلاميذ لكن هذه الطريقة اثارت غضب ذوي النفوذ في المدينة.

بعد هزيمة اثينا امام اسبرطة في الحرب البيلوبونيسية وجدت المدينة نفسها تبحث عن سبب لانهيار هيبتها، فتحول سقراط الى كبش فداء.

اتهم رسميا باهمال الهة الدولة وادخال الهة جديدة وبافساد عقول الشباب.

حوكم امام محكمة مكونة من مئات المواطنين وبدلا من ان يتوسل اليهم او يستدر عطفهم تحدث اليهم كما لو كان هو الذي يحاكمهم. قال لهم بهدوء كلمته الشهيرة

 "الحياة التي لا تخضع للفحص لا تستحق ان تعاش"

ثم اضاف انه لو عرضوا عليه ان يطلقوا سراحه شرط ان يتوقف عن الفلسفة لاجابهم

"ايها الاثينيون، انا احبكم واعزكم، لكنني ساطيع الاله اكثر مما اطيعكم، وطالما بي نفس وقدرة فلن اتوقف عن ممارسة الفلسفة".

حكم عليه بتهمة هزيلة، لكن الطريقة التي واجه بها الحكم هي التي حولت القصة من مجرد ظلم تاريخي الى اسطورة اخلاقية.

في لوحة موت سقراط التي رسمها جاك لوي دافيد عام ١٧٨٧ لا نجد موتا بقدر ما نجد لحظة مكثفة من الوعي. المكان زنزانة حجرية باردة جدرانها عارية يتسلل منها ضوء خافت يتركز في قلب المشهد.... حيث يجلس سقراط على سرير بسيط، جسده منتصب، وملامحه هادئة على نحو يكاد يكون مفارقا لما يحيط به.

بيده اليسرى يمتد نحو كاس السم، بينما ترتفع يده اليمنى في اشارة تعليمية كأن لحظة الموت لم تقطع خيط الفكر بل زادته وضوحا.

حوله تتوزع الشخصيات في تكوين مدروس: اجساد تنحني....وجوه تختبئ خلف الايدي... وحركة مضطربة توحي بان الزمن نفسه يتعثر.

الرجل الذي يقدم الكاس يدير وجهه بعيدا، عاجزا عن مواجهة ما يفعل.

كريتو، التلميذ الاقرب يتمسك بركبة معلمه في حركة تجمع بين الحب واليأس.

وفي طرف السرير يجلس افلاطون شيخا، غارقا في صمته، كأنه يستعيد المشهد من ذاكرة بعيدة لا من حاضر مباشر.

وخلف القوس الحجري، تنسحب زانثيبي زوجة سقراط في صمت تنظر نظرة اخيرة قبل ان تختفي، وكأن العالم الخارجي يغادر المكان تاركا الفيلسوف وحده مع قراره.

الضوء في اللوحة ليس مجرد عنصر بصري بل موقف. فهو ينساب على جسد سقراط فيمنحه صفاء باردا، يميزه عن بقية المشهد، بينما تغرق الاطراف في ظلال كثيفة. الالوان الحمراء تتجمع حول مركز الحدث وتبلغ ذروتها في ثوب الرجل الذي يحمل الكاس وكأنها تشير الى لحظة الاختيار لا الى العنف ذاته. كل شيء في التكوين يقود العين الى سقراط لا بوصفه ضحية بل بوصفه مركزا للمعنى، نقطة توازن وسط عالم ينهار عاطفيا.

في هذه اللوحة اخفى دافيد توقيعه مرتين وكأنه اراد ان يهمس للمشاهد برسالة لا تقال بصوت عال.

وقع توقيعه الكامل تحت قدمي كريتو، الشاب الذي يتشبث بركبة معلمه في ياس، وفي كريتو وجد دافيد انعكاسا لنفسه، ذلك التلميذ المتعلق العنيد بقيم استاذه والمتشبث بها في وجه الانهيار. اما التوقيع الثاني حرفا اسمه الأولان، فقد اخفاهما على المقعد الحجري حيث يجلس افلاطون وكأنما يشير باصبعه الى المصدر الحقيقي للقصة ذلك الرجل الصامت في طرف السرير الذي نقل لنا كل ما نعرفه عن هذه اللحظة. هكذا صار التوقيع اعترافا مزدوجا: انتماء روحي لتعاليم سقراط، وامتنان فكري لافلاطون.

ولكن اكثر ما يلفت في هذه اللوحة هو ان دافيد اختار ان يستند في رؤيته على نص فيدون لافلاطون، حيث المشهد لا يوصف كنهاية بل كانطلاق. يقول افلاطون على لسان فيدون واصفا لحظة احتساء السم:

"شرب السم بكل سهولة وهدوء، من دون اي خوف، ولم يتغير لونه ولا ملامحه".

ويضيف في موضع اخر:

"وبينما كنا نحن في حال من البكاء والعويل، كان هو الشخص الوحيد الذي حافظ على هدوئه وقال: ايها القوم، لقد ابعدت النساء تحديدا لكي لا يحدث مثل هذا، فقد سمعت ان على المرء ان يموت في سلام. اهدأوا اذن واصبروا".

ثم ياتي الوصف الاكثر تجسيدا للموت حين يتابع الراوي:

 وفي لحظته الاخيرة، يكشف افلاطون عن كلمات سقراط الاخيرة:

"يا كريتو، انا مدين بديك لاسكليبيوس، فهل تتذكر ان تسدد الدين؟".

في هذا المشهد الافلاطوني، لا يبدو الموت عدوا ولا قدرا اعمى بل خاتمة يتحكم بها الفيلسوف تحكما غريبا. جسد يبرد تدريجيا من القدمين نحو القلب، بينما يظل العقل متقدا حتى اللحظة الاخيرة.

يقترح سقراط على اتباعه تفسيرا بسيطا للموت:

 "اما ان يكون الموت نوما بلا احلام، وهذا مكسب لا يوصف، واما ان يكون رحلة الى عالم اخر حيث يمكن للمرء ان يتحدث مع اورفيوس وهوميروس".

بهذه الكلمات، حول سقراط كأس السم الى تمرين فلسفي.

كان سقراط قد رفض النفي بشكل قاطع. عرض عليه تلاميذه وفي مقدمتهم كريتو ان يهربوه من السجن لقاء رشوة صغيرة وكان الطريق الى المنفى مفتوحا.

لكنه رفض. في حوار كريتو، يشرح سقراط قراره بدقة باردة:

الدولة هي التي رعته وحمته منذ طفولته وهو الذي اختار ان يعيش في اثينا طوال حياته وقد قبل قوانينها بمحض ارادته فهل يليق به الان ان ينقض هذا العقد لان حكما واحدا لم يعجبه؟

كان يرى ان الفرار سيكون خيانة لكل ما دافع عنه طوال حياته. الفلسفة علمته ان الظلم شر مطلق، وان رد الظلم بالظلم لا يقل سوءا عن الظلم نفسه. لو هرب لبدا وكأنه يثبت لمحاكميه انهم كانوا على حق وان تعاليمه ما كانت سوى كلمات فارغة. اما بقبوله الموت، فقد حول الحكم عليه الى حكم على اثينا نفسها وحول هزيمته الظاهرية الى انتصار للفكرة على القوة.

ولعل سقراط لم يكتشف الحق مع الموت وحده بل كان يعرفه من قبل.

هناك جانب اخر من شخصيته لا يقل اهمية عن الفيلسوف، وهو صلته الخفية بالشعر. في محاورة فيدون، يذكر افلاطون ان سقراط خلال ايامه الأخيرة في السجن قضى وقتا طويلا في نظم الشعر.

كان حلما يتكرر عليه منذ شبابه، يراه في صور مختلفة لكن الرسالة واحدة: "يا سقراط، مارس الموسيقى واعمل بها". طوال حياته كان يظن ان الفلسفة هي اعلى انواع الموسيقى، فلم يفعل شيئا سوى ان واصل التفلسف.

لكنه في السجن قرر ان يطيع الحلم حرفيا. نظم ترنيمة للاله ابولو، الاله الذي يرتبط بالفلسفة والشعر معا، وحول بعض اساطير ايسوب الى قصائد شعرية. يروي لهذا التغيير تفسيرا بسيطا:

"اردت ان اختبر معنى بعض الاحلام وان أطهر نفسي في حال كانت تامرني حقا بممارسة هذا النوع من الفن".

وهنا تبرز صلة سقراط بصافو. يذكر كزينوفون تلميذه الاخر ان سقراط كان معجبا بشعرها وكان يسميها في مجالسه "صافو الجميلة".

وفي حوار اخر حين سمع احد تلامذته يقرا شيئا من اشعارها توقف سقراط طويلا ثم قال: "هذه المرأة عرفت كيف تسمي الاشياء باسمائها الحقيقية". لقد وجد سقراط في شعر صافو شيئا قريبا من منهجه: تلك الشجاعة النادرة في تسمية ما يحبه المرء دون مواربة ولا خوف. فصافو لم تكن تعرف سوى قانون واحد: ان الاجمل هو ما يحبه المرء وهو القانون الذي سيطبقه سقراط نفسه بعد عقود.

كان سقراط قد فهم ان الجمال ليس في النجاة بل في ان يموت المرء على ما يؤمن به. وهكذا تحول موته من فاجعة خاصة الى مثال عام ومن موت جسد الى انتصار دائم للفكرة.

نحن الان امام مرايا متقابلة: صافو تقول ان الاجمل هو ما يحبه المرء وسقراط يثبت انه حتى الموت يمكن ان يكون جميلا اذا كان تجسيدا لهذا الحب الحقيقي ودافيد يرسم هذا كله في لوحة لا تقدم الموت بل تقدم سقراط يموت من اجل الحق.

لعل السؤال الذي تركته صافو لم يكن عن الجمال بل عن الشجاعة.. ماذا نحب وهل نملك الجرأة ان ندفع ثمنه؟

***

د احمد عابر