عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقاربات فنية وحضارية

احمد عابر: أيوب تعذبه الأرواح الشريرة.. بين وعد المعنى وسؤال الألم

فسجد وقال: يا رب المحبة والود،

ما كنت لأدرك ما وراء أقدارك من حكمة.

فكل بلاء يأتي من عندك هو في حقيقته رحمة،

وكل فقر تقضي يكون عين الغنى والنعمة.

الشاعرة بروين اعتصامي - الشعر مترجم من الفارسية

***

هكذا تضع الشاعرة على لسان بطل قصيدتها اعترافا روحيا عميقا يرى في البلاء وجها خفيا للعطاء وفي المحنة ستارا يخفي وراءه وعدا بالنور.

لكننا حين نرفع أعيننا من هذه الأبيات لنحدق في لوحة الفنان الهولندي كورنيليس سافتليفن (أيوب تعذبه الأرواح الشريرة) والمرسومة عام ١٦٣١... نجد أنفسنا أمام مشهد يكاد يقف على الضد من هذا الابيات. فما تقوله الكلمات بلغة يبدو أن الرسام يتحداه بلغة الجسد المنهك والعالم المحترق. هنا لا نرى أيوب الساجد المطمأن بل نرى جسدا بشريا مطحونا تحت وطأة كائنات لا ترحم. لكن هل الأمر حقا بهذه البساطة؟

هل اللوحة هي نفي للشعر أم أن ثمة حوارا أعمق وأكثر توترا يجري بينهما؟ هذا هو السؤال الذي يفتح لنا باب فهم اللوحة و ربما ما قالته بروين.

في قلب اللوحة يستلقي أيوب جسدا شبه عار لا يغطيه سوى مئزر أبيض بسيط. يترنح جسده المنهك على كومة من القش في وضعية التواء مؤلمة توحي بالضعف الشديد والاستسلام لقوى الطبيعة و ما وراءها...يبدو ضعفه ان لا قبل له بكل هذه المحن. هذا الجسد ليس مجرد جسد مريض بل يتحول إلى ما يشبه ميدان معركة. تحيط به وتتكوم فوقه جحافل من الكائنات الشيطانية التي تزحف وتطير وتتكالب عليه في مشهد من الفوضى العارمة. شيطان ضخم بوجهه البشع وأجنحته الجلدية يسيطر على المشهد حاملا أداة حادة فوق رأس أيوب بينما يشد كائن زاحف أخضر شعره من الخلف.2840 ahmad

الأرض جرداء قاحلة تتناثر عليها شظايا فخار محطمة وأشواك حادة وفي أقصى اليمين تتقد مدينة بأكملها بألسنة لهب برتقالية متوهجة تحت سماء معتمة قاتمة. يمكن النظر إلى هذه الخلفية الملتهبة بوصفها امتدادا بصريا لانهيار عالم أيوب المادي وكأن المأساة الشخصية تنعكس في فضاء كوني يحترق.

ينتمي سافتليفن إلى المدرسة الباروكية الهولندية لكنه يقف على هامش تيارها الرئيسي الذي انشغل برسم اللحظات اليومية الهادئة. لقد اختار السير في درب معتم متأثراً بإرث بعض اسلافه في خلق عوالم جهنمية مكتظة بالمخلوقات الهجينة. لكن هذه اللوحة ليست مجرد استمرار لتقليد فني بل هي ابنة سياقها الفكري والتاريخي. إنها نتاج تقليد بروتستانتي في القرن السابع عشر كان مشغولا بإشكالية الشر والابتلاء واختبار الإيمان. هنا قد لا يكون أيوب مجرد أيقونة للصبر بل قد يكون تجسيدا لسؤال إنساني مؤرق.

 كيف نحافظ على إنسانيتنا وإيماننا في مواجهة معاناة تبدو بلا معنى؟ وهنا بالضبط يكمن التوتر الذي قد لا تحسمه اللوحة بل تتركه معلقا. فقصة أيوب تزخر بالصراخ والحيرة والاحتجاج.

وسط هذا المشهد القاتم يمكننا أن نستدعي صوتا من عالمنا المعاصر هو عبد الجبار الرفاعي الذي يقول في كتابه دروب المعنى...

 الوجع يوقظ الروح من سباتها ويخرج الذات من دائرة الغفلة.

 إنها رؤية تمنح الألم معنى وتقترح أن في المعاناة إمكانية للتحول لا للعدم. ولكن هل هذا هو التفسير الوحيد الممكن لما نراه؟ تأمل تلك الشظايا الفخارية تحت جسد أيوب إنها ربما تجسيد للانهيار الكامل... الجسد والعائلة والثروة لم تعد سوى حفنة من الخزف المكسور. من منظور الرفاعي قد يكون هذا التعري المطلق لحظة إيقاظ دعوة لرؤية الذات مجردة من كل أوهامها.

لكن وبقدر ما تحمله هذه القراءة من عمق تظل مجرد إمكانية تأويلية واحدة. يمكن لقارئ آخر أن يرى في الشظايا ذاتها لا معنى ولا حكمة بل العبث المطلق. اللوحة لا تؤكد أيا من التأويلين بل تحتضنهما معا. إن قوة الصورة الفنية هنا أنها تتسع للاحتمالين... الوجع الذي يوقظ والوجع الذي يسحق.

وكما يستدعي ظلام اللوحة نور المعنى عند البعض فقد يستدعي أيضا سؤال النور ذاته. يكتب أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين:

وكما أنه لا يستبين نور النهار إلا مع الظلمة فكذلك لا يستبين نور المعرفة إلا مع الفقر.

إنها فكرة آسرة وجميلة وبالنظر إلى مشهد اللوحة كاملا قد يجد المرء صدى بصريا لها... ففي الخلفية تشتعل بيوت بالكامل بدخانها المتصاعد وفي المقدمة جسد أيوب المنهك. ثمة ظلمة مادية وروحية تخيم على المشهد كله. تمنحنا كلمات الغزالي ربما مفتاحا لقراءة هذه الظلمة بوصفها خلفية ضرورية لظهور ما يصفه بنور المعرفة. لكن مرة أخرى تمنحنا اللوحة نفسها مساحة للمقاومة. قد يسأل مشاهد آخر... أليس هذا المخلوق ذا الأجنحة الجلدية الذي يهم بضرب جمجمة أيوب هو وجه الشر العبثي الذي يرفض أن يتحول إلى نور؟ ألا توحي هذه الشياطين المتكاثرة بأن ثمة قوى لا يمكن استيعابها في معادلة البلاء-الرحمة؟

تكمن عبقرية سافتليفن في أنه لا يقدم إجابة. إنه يخلق مسرحا تتصارع عليه هذه الرؤى ويتركنا في قلب العاصفة.

عند العودة لبروين فنجد انها منحتنا وعدا بأن الله يدخل عبده في ظلمات المحنة ليشهد بعد ذلك إشراق وجه الهداية والنور. ومنحتنا لوحة سافتليفن صورة لا تشرق بسهولة بل تبقى غارقة في تلك الظلمات. هنا وفي هذا التقاطع بين الشعر الفارسي و الفكر الاسلامي والرسم الهولندي ربما لا نجد جوابا واحدا بل نكتشف أن اللوحة هي سؤال مفتوح يطرح عليك أيها القارئ حين تتأمل اللوحة. إنها تدعوك لا لاعتناق فكرةثنائية البلاء-الرحمة أو رفضها بل للبقاء في قلب التوتر الوجودي بينهما. تبقى اللوحة معلقة و قابلة للتأويل...ربما لأن وظيفتها أن تجبرنا على أن نسكن هذا الفراغ بين الاحتمالين أن نسأل ولا نجد إجابة سهلة وأن نواجه في النهاية فقط ذواتنا.

***

د احمد عابر