في تجارب الفنّانين، ثمّة محطّات لا تُقرأ بوصفها منعطفات تقنية فحسب، بل بوصفها أسئلة وجودية عن المصير والاختيار. من هذا القبيل تأتي حكاية النحات العراقي علوان العلوان حكايةٌ تبدو في ظاهرها مصادفةً طبية، لكنها في جوهرها امتحان عميق لمعنى الإبداع وحدوده
في الفنّ، ليست الهزيمة دائماً نهاية الطريق، بل قد تكون بدايته الحقيقية. هناك فنانون يصلون إلى أساليبهم عبر التدريب والدراسة الأكاديمية، وآخرون تقودهم المصادفات القاسية إلى قدرهم الجمالي. وتجربة النحّات العراقي علوان العلوان تنتمي إلى النمط النادر من التجارب الفنية التي تبدو كأنها مكتوبة بيد خفية، لا تولد في المشاغل الهادئة المريحة، يد تجمع بين الحرمان والمكاشفة، بين الخسارة والنجاة.
كأن الفن نفسه ينتشلهم من هاوية لا تخصّهم وحدهم، بل تخص زمناً كاملاً. ومن بين هذه التجارب تقف تجربة النحات العراقي علوان العلوان بوصفها واحدة من أكثر الحكايات التشكيلية العراقية إثارةً وتأملاً، لأنها لا تتحدث عن فنانٍ اختار النحت، بل عن "نحت" اختار صاحبه بعد سلسلة من الانكسارات والمفارقات.
ينتمي علوان إلى عائلة فلاحية مهتّمة بالزراعة، لم يسبق لأحد أفرادها دخول المدرسة، أو تعلّم القراءة والكتابة. كان أول من خرج من عتمة الأمية إلى ضوء المعرفة، وأول من حمل حلماً شخصياً داخل بيئة منشغلة بقسوة العيش اليومي. غير أن الفن بالنسبة إليه لم يكن ترفاً، بل تمرّد مبكر على المصير الاجتماعي المغلق.
في سنوات دراسته الأولى، كان الرسم شغفه العنيف. يرسم كما لو أنه يطارد شيئاً ينفلت منه. لم يكن معنياً بالشروط الأكاديمية، بقدر ما كان مأخوذاً بطاقة الشكل الحر وانفلات اللون. قرأ عن المدارس الحديثة، قبل أن يدرس الفن في معهد أو أكاديمية. تأثر مبكراً بالدادائية، تلك الحركة التي جاءت من قلب الخراب الأوروبي لتعلن الشك في كل يقين جمالي جاهز. ولعل علوان وجد فيها ما يشبه حياته الداخلية: احتجاجاً على النظام، وعلى القوالب، وعلى المعنى الواحد.
تقدّم إلى معهد الفنون الجميلة، ولم ينجح في الاختبار، يومها، لم يتعامل مع الرفض بوصفه نهاية، بل بوصفه تحدياً شخصياً: أن يكون فناناً رغم كل شيء.
كان يحمل رسوماته إلى الفنان الكبير رافع الناصري، يرسم بشراهةٍ داخلية، كما لو أن الرسم وسيلته الوحيدة لفهم العالم. متمرداً على الأنماط المستقرة، صار ينجز رسوماً خارجة عن المألوف، أقرب إلى تداعيات حلمٍ لا يعترف بالقواعد الأكاديمية. كان يقف الناصري أمامها مذهولاً. لم يكن يرى رساماً عادياً، بل طاقةً فنية مضطربة ومتفجرة في آن.
أمام تلك الأوراق المفعمة بالفوضى اللونية، وقف الناصري مذهولاً. أمام موهبة تتصارع مع شيءٍ غامض. خاطبه مرةً بدهشة: " أنت رجل مجنون ...ماذا ترسم؟"
لكن تلك "الجنونية" كانت تخفي "مرضاً عضوياً" لم يكن علوان نفسه يعرفه. نصحه الناصري بمراجعة طبيب عيون، وهناك اكتشف إصابته بعمى الألوان.
كانت لحظةً صادمة لرسام عاشق للألوان. كأن أحدهم أخبر عازف بيانو بأن أذنه تخونه. غير أن الناصري، بحسّه الإنساني العميق، لم يترك العلوان يسقط في اليأس، بل اقترح عليه أن يتّجه إلى النحت. وهكذا حدث التحول الكبير: من اللون إلى الكتلة، من العين إلى اليد، من الرسم إلى النحت.
في الظاهر، بدا الأمر تعويضاً ناقصاً، لكن الحقيقة أن النحت منح علوان ما لم يكن الرسم قادراً على منحه: لغةً وجودية أكثر التصاقاً بجسده وذاكرته. لم يعد اللون مركز التعبير، بل الإيقاع، والملمس، والفراغ، والعلاقة الحسيّة المباشرة مع المادة.
ثمة صدمة ثانية في حياة العلوان واجهها بجزع، هي عدم قبوله في أكاديمية الفنون الجميلة بسبب الاشتراطات الحزبية السائدة آنذاك، فأمضى خدمته العسكرية ـ بعد أن تخرج من كلية الإدارة ـ بين الخنادق والموت اليومي في جبهات الحرب العراقية ـ الإيرانية، لغاية تسريحه عام 1988، فسنحت له الفرصة في الالتحاق بالأكاديمية ـ القسم المسائي ـ كما لو أنه يعود متأخراً إلى قدره.
هذه الخلفية تفسّر الكثير من ملامح أعماله النحتية. ثمة نزوع واضح نحو الاختزال والتجريد التعبيري. فيها لا نعثر على الجسد بوصفه كياناً مكتمل التكوين، بل كائناً هشّاً، مستنزفاً، متطاولاً كصرخةٍ صامتة. الشخصيات تبدو معلّقة بين الأرض والغياب، بين الرغبة في الطيران وثقل الخراب الداخلي. إنّها أجساد خرجت من الحرب، ومن الريف، ومن ذاكرة الحرمان، لذلك تبدو خفيفة ومثقَلة في آن.
في إحدى منحوتاته، يقف الجسد فاتحاً ذراعيه كجناحين فوق كتلتين منفصلتين. العمل لا يقدّم صورةً عن طيران فعلي، بل عن توقٍ إنساني للتحرر. الكتلتان السفليتان تبدوان مثل هاويتين، بينما الجسد يحاول أن يتوازن فوقهما بعناد هشّ. هنا تتحول الكتلة إلى استعارة نفسية عن الإنسان العراقي الذي عاش معلقاً بين الفقد والأمل.
في عمل آخر، يظهر إنسان نحيل يمتطي حيواناً، في تذكيرٍ خفي بجذوره الأولى. ثمة حنين ريفي متخفٍ داخل العمل، لكنه حنين مشوب بالتعب لا بالبراءة.
الطيور التي تتكرر في أعماله تكشف عن اقتصاد شديد في الكتلة، تحمل معنى الحرية المؤجلة أكثر من كونها عناصر زخرفية..
خطوطها ملساء ومختزلة، الطائر عند علوان لا يطير بقدر ما يحلم بالطيران، وكأن الفنان يسقط رغباته الشخصية في هذه الكائنات النحيلة التي تبحث عن فضاء أرحب من العالم.
تبدو بعض أعماله شديدة التأثر بأعمال النحات العالمي "البرتو جياكوميتي"، لكن من دون استنساخ أو تأثر مباشر. فالأجساد المتطاولة الهشّة عند علوان، بدت كأنها خارجة من سنوات الحرب والجوع. تشبه الناجين من كارثة حقيقية، هي ليست نتاج فلسفة أوروبية خالصة، بل نتاج ذاكرة عراقية مثقلة بالعزلة والانكسارات.
لهذا تبدو منحوتاته اليوم كما لو أنها تمشي على حافة الهاوية، لكنها لا تسقط. كائنات نحيلة، متعبة، قليلة الكلام، لكنها تحمل في صمتها تاريخاً كاملاً من الألم العراقي… ومن النجاة أيضاً. الحرب لم تكسر الفنان، بل جعلت أشكاله أكثر إنسانية.
أشخاصه متجاورون لكنهم منفصلون داخلياً. الأجساد متقشفة، والرؤوس صغيرة، والأقدام طويلة كجذور متعبة. هنا لا ينحت علوان الشكل، بل ينحت الإحساس بالضعف الإنساني.
العلوان.. اسم مهم في مشهد النحت العراقي، شارك في معارض عديدة ونال جوائز مختلفة. غير أن الجائزة الأقرب إلى قلبه ليست ميداليةً أو شهادةً تقديرية، بل لحظة شخصية حميمة: أن يختار رافع الناصري إحدى منحوتاته لتزيّن مكتبه الخاص. وربما أجمل ما في هذه التجربة أن الفنان ما زال يحتفظ بامتنانٍ عميق لأستاذه رافع الناصري. على الرغم من الجوائز التي نالها، والمعارض والمشاركات المهمة التي حققها.
هنا تكتمل الدائرة، الأستاذ الذي دهشته "فوضى الألوان" عند تلميذه، صار يحتفظ بثمرة التحوّل النهائي لذلك الجنون.
***
د. جمال العتابي







