عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقاربات فنية وحضارية

جمال العتابي: إطار اللوحة.. ضرورة تقنية أم بقايا تقليد يمكن الاستغناء عنه؟

يبدو الإطار للوهلة الأولى عنصراً ثانوياً في اللوحة التشكيلية، وكأنه مجرد إضافة مادية خارجية تحيط بالعمل الفني وتفصله عن محيطه. غير أن النظر المتأني في تاريخ الفن يكشف أن الإطار لم يكن دائماً مجرد عنصر زخرفي أو عملي، بل كان في كثير من الأحيان جزءاً من بنية العمل نفسه، وعنصراً من عناصر لغته البصرية.

ارتبطت اللوحة، منذ نشأتها في سياقها الجدارّي أو المعماري، بحدود مادية تفصلها عن الفضاء المحيط بها. هذه الحدود قد تكون الجدار نفسه، أو مساحة محددة ضمن عمارة أو قصر. ومع تطور اللوحة المحمولة على القماش أو الخشب، أصبح الإطار الوسيط الذي يحدد هذا المجال البصري ويعزله عن العالم الخارجي.

غير أن هذا التحديد لا يخلو من إشكالية فنية وفلسفية. فالإطار، من جهة، يمنح اللوحة استقلالها ويؤكد هويتها بوصفها عالماً بصرياً قائماً بذاته. لكنه من جهة أخرى قد يتحول إلى قيد يحدّ من حرية العمل ويحبسه داخل حدود صارمة.

في الفن الكلاسيكي، كان الإطار جزءاً من تقاليد العرض الجمالي، وغالباً ما كان يتخذ طابعاً زخرفياً متناسقاً مع موضوع اللوحة. أما في الفن الحديث، فقد بدأ الفنانون يعيدون النظر في وظيفة الإطار ومكانته. بعضهم رفضه تماماً، معتبراً أن العمل الفني ينبغي أن يتصل مباشرة بالفضاء المحيط دون وسيط.

كانت البيئة الزاهية في القصور الملكية الأوربية قد لعبت دوراً أساسياً في نشوء ما يسمى بـ " فن الحامل" وهو الفن التقليدي للوحة الأوربية، هذه اللوحة التي لا يمكن تخيلها منذ عصر النهضة إلا مؤطرة ومعلقة على جدار احتفائي. لذا يسميها البعض بفن "الأروقة". كانت اللوحات عبر هذه القرون تؤطر بعناية وتعلّق ضمن صفّ متطاول أفقياً على جدران صالات ممتدة في القصور تمكّن الملوك وحاشيتهم المرور من أمامها. وفي كثير من الأحيان كان الإطار يمثل درجة الحفاوة بهذه الطبقة، ما يستلزم دقّة الاختيار وحسن الحفر والتوريق الفخم بما يناسب مقام المشاهدين. تزداد هذه الحفاوة إذا كانت اللوحة تمثّل رسماً شخصياً (بورتريه) لأحد المسؤولين.

بالغ البعض في العناية في الإطار أكثر من الاهتمام باللوحة، ضمن المزاج العام في ذوق المتلقي الغربي، والدليل هو أن تقاليد صناعة الإطارات ما تزال قائمة كحرفة، بتلوينات وطرز متعددة لم يصبها التراجع مع أفول الاتجاه الذي أدّى إلى ظهورها. وأصبحت مع الاستمرار جزءاً من التقاليد المهنية والحرفية الشعبية المرتبطة على الأغلب بالحفر على الخشب والموبيليا بشكل عام.

لقد أدت التجارب الحديثة في الرسم، ولا سيما منذ بدايات القرن العشرين، إلى زعزعة الحدود التقليدية بين اللوحة والإطار. ففي بعض الاتجاهات التجريدية، لم يعد الإطار ضرورياً، بل أصبح وجوده أحياناً عائقاً أمام التفاعل الحر بين اللوحة والجدار الذي تعلق عليه.

ومع ذلك، فإن حذف الإطار لا يعني بالضرورة إلغاء فكرة الحدود. فاللوحة نفسها، حتى في أكثر أشكالها تحرراً، تظلّ محكومة بإطارها الداخلي، أي بالبنية التكوينية التي تحدد مجالها البصري. إن الحدود هنا تنتقل من عنصر مادي خارجي إلى عنصر بنائي داخل العمل نفسه. إنه ليس مجرد قطعة خشبية تحيط باللوحة، بل هو مفهوم جمالي يرتبط بفكرة الفصل بين عالمين: عالم الفن وعالم الواقع. فعندما ننظر إلى لوحة مؤطّرَة، فإننا ندرك تلقائياً أننا أمام فضاء مختلف، فضاء يخضع لقوانين التكوين والإيقاع واللون.

وقد حاول بعض الفنانين المعاصرين تجاوز هذه الثنائية، فدمجوا الإطار في اللوحة نفسها، أو جعلوه امتداداً لسطحها، أو حتى عنصراً تشكيلياً داخل التكوين. وفي هذه الحالات لم يعد الإطار حدوداً فاصلة، بل تحوّل إلى جزء من التجربة البصرية.

إن السؤال الذي يطرحه الإطار اليوم لا يتعلق بوظيفته المادية فحسب، بل بمكانته الرمزية أيضاً. هل هو ضرورة تقنية لتنظيم العرض البصري؟ أم أنه بقايا تقليد تاريخي لم يعد ملائماً للفن الحديث يمكن الاستغناء عنه؟

الإجابة عن هذه الأسئلة لا تدعو إلى التسرّع، خاصة وأن كثيراً ما تواجهنا أعمال الرسامين على جدران صالات الفن التشكيلي وهي خالية من إطاراتها. لأن الإطار في النتيجة ما هو إلا حدود للفراغ. فهو أداة يمكن أن تضيف إلى العمل الفني عمقاً وتنظيماً، كما يمكن أن تتحول إلى قيد يحد من طاقته التعبيرية. والفيصل في ذلك هو كيفية توظيفه داخل الرؤية الجمالية للفنان.

إن اللوحة، في نهاية الأمر، ليست مجرد سطح ملون، بل هي فضاء رمزي يخلق عالماً خاصاً. والإطار، سواء كان مادياً أو ضمنياً، هو العتبة التي نعبرها للدخول إلى هذا العالم.

***

د. جمال العتّابي

في المثقف اليوم