المقدمة: ماريا توستي Maria Tosti شاعرة إيطالية تكتب الشعر بلغات أخرى مثل الإنجليزية والإسبانية والفرنسية كما هي شاعرة متميزة بكتابة الهايكو ولها مشاركات عديدة في المواقع والمجلات العالمية بالإضافة إلى ذلك تهتم بالأعمال الأدبية البصرية كالهايغا والتصوير الفوتوغرافي والرسم وصناعة الفيديوهات القصيرة الخاصة بالهايكو ومن أهم أعمالها ديوان شعر متعدد اللغات بعنوان «أصوات على تخوم الروح» (Voci ai confini dell’anima – Voices to the Boundaries of the Soul)، عام 2014 بنسختيه الورقية والإلكترونية، ويضم الديوان قصائد باللغات الإيطالية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية. تمارس عملها الوظيفي في المجال السياحي. كان لنا هذا الحوار معها لنتعرف على تجربتها الأدبية في مجال قصيدة الهايكو:
أسئلة المقابلة:
* اطلعت على بعض النصوص لك تحت عنوان: "Esoteriku". إنه مصطلح جديد: من الذي ابتكره، وفي أي شيء يتطابق مع الهايكو وفي أي شيء يختلف عنه، وما فلسفته؟ وأي الشعراء كتبوه في إيطاليا وفي بقية العالم؟
- الإيزوتيريكو (Esoteriku) شكل شعري معاصر ومحدود الانتشار، مصوغ على بنية الهايكو التقليدي، لكنه يركز بالكامل على موضوعات باطنية وسحرية وروحانية.
يجمع المصطلح بين كلمة esoteric (باطني جواني سحري) واللاحقة ku (المستعارة من نوع الهايكو الياباني). ابتكر هذا الفن وقدمه أول مرة الشاعرة والكاتبة كيلي سوفاج مويير (Kelly Sauvage Moyer)، وهي التي صاغت المصطلح رسميًا وقدمت هذا النوع الأدبي في مجلة أدبية (فانزين) أسستها بنفسها بعنوان «Circle of Salt». يتبع إيجاز الهايكو أو المونوكو (تmonoku) المعتاد، وغالبًا ما يُختزل في ثلاثة أسطر قصيرة أو في سطر واحد مؤثر. على عكس الهايكو الكلاسيكي الذي يتمحور حول الطبيعة والفصول، يركز الإيزوتيريكو على الطقوس والتصوف والسحر والأبعاد الروحية الخفية.
هل لمصطلح Esoteriku أتباع بين الشعراء، أم أنه، بوصفه مصطلحًا حديث الابتكار، يفتقر إلى تأثير يُذكر في كتابة الهايكو؟
كان له تأثير منذ بضع سنوات، ويعود الفضل في ذلك أيضًا إلى الشاعرة التي ابتكرته. أنا لم أكتشفه إلا منذ وقت قصير.
في إحدى مقابلاتك السابقة، عبّرتِ عن تفضيلك للعروض باللغة الإيطالية في تأليف الهايكو، بالتوازي مع محاولة تكييف العروض الإنجليزي؛ فكيف توفّقين بين الطبيعة الإيقاعية لهذين النظامين وبين التقطيع المقطعي الياباني الكلاسيكي (حساب الموراه 5 7 5)؟ وأين تقع نصوصك اليوم: في صرامة هذه البنى الوزنية أم في حرية الهايكو ذي الشعر الحر؟
عندما بدأت أتعمق في دراسة الهايكو، كان عليّ أن أبدأ من عروض لغتي الأم. ففي الإيطالية تُكتب قصائد الهايكو وفق النمط المقطعي 5 7 5. أما في الإنجليزية فهناك خياران: النمط 5 7 5 أو الشعر الحر. والسبب أن الإنجليزية تحتاج أحيانًا إلى مقاطع أكثر بكثير للتعبير عن فكرة أو جملة، ولذلك ابتكر العالم الناطق بالإنجليزية، بمعنى ما، الهايكو بالشعر الحر. أستخدم الطريقتين في الإنجليزية، أما في الإيطالية فألتزم بالنمط الكلاسيكي 5 7 5. وأحيانًا لا يكون التوفيق بينهما سهلًا. فإذا كتبت هايكو بالإيطالية ثم ترجمته إلى الإنجليزية، فمن البديهي أنه سيأتي بالشعر الحر في الإنجليزية. وإذا كتبت هايكو بالإنجليزية، فإنني أقرر في اللحظة نفسها، بحسب المشهد الذي أريد وصفه، هل يمكن أن يأتي على نمط 5 7 5 أم بالشعر الحر. وهناك أيضًا الجمهور الذي يتوجه إليه الهايكو. فإذا كنت أنوي تقديمه للنظر فيه، مثلًا إلى مجلة أدبية أجنبية لا تقبل إلا النمط الكلاسيكي 5 7 5، فعليّ أن أكتبه مع الالتزام بعدد المقاطع. فالأمر يتوقف على ما أريد إيصاله في الهايكو، وعدد المقاطع التي أحتاجها لوصف مشهد معين، والجهة التي أريد أن أرسله إليها.
* ما نوع الطعام الذي تفضلينه، وهل له صلة بالهايكو والقصائد التي تكتبينها؟
- لم أفكر قط في الطعام بوصفه مرتبطًا بالهايكو، مع أنني كتبت ذات مرة، حين شاركت في تحدٍّ بعنوان «الطفولة» ضمن عمود «Haiku Dialogue» في «The Haiku Foundation»، هايكو يستعيد ذكرى من أيام طفولتي.
أولى البسكويتات –
في عيد ميلادي التاسع
كتاب طبخ
(21 ديسمبر 2022)
ليس لدي أطعمة مفضلة بعينها، لنقل إنني أحب الأطباق الإيطالية التقليدية عمومًا، وبخاصة أطباق منطقتي.
كلما تناولت البيتزا، يخطر ببالي إيطاليا وبود سبنسر وصديقه ترانس هيل و صوفيا لورين، وأومبرتو إيكو.
رائع! أظن أنه لا أحد في العالم يستطيع الاستغناء عن البيتزا!
والآن، وقد جعلتني أفكر في الأمر، فقد كتبتُ شيئًا عن البيتزا أيضًا في هايغا (صورة + قصيدة):
وقت البيتزا فحسب – كيف
أصالح نفسي مع
بقية العالم
كيف تقيّمين مسار التمايز بين التجربة اليابانية للهايكو (بين التقليد والحداثة) والتجربة الغربية عمومًا، والإيطالية خصوصًا؟ وأين يتجلى، في الهايكو الإيطالي، القطيعة أو بالأحرى الاستمرارية مع تلك الجذور؟
نشأ الهايكو في اليابان بوصفه «صورة فوتوغرافية بالكلمات»: ثلاثة أسطر قصيرة تصف لحظة في الطبيعة. وفي اليابان، حتى في العالم الحديث، يجتهد الشعراء في اتباع القواعد القديمة. فهم يعتمدون إيقاعًا دقيقًا (5 7 5 مقاطع) ويضمّنون دائمًا كيغو (kigo)، أي إشارة إلى فصل من الفصول.
وعندما وصل هذا الأسلوب إلى الغرب (أمريكا وأوروبا)، حوّله الشعراء. فاللغات الغربية (الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية وغيرها) أطول أصواتًا وكلماتٍ بكثير من اليابانية، وأحيانًا يصبح الهايكو إذا التُزم حرفيًا بنمط 5 7 5 مقاطع، متكلفًا بعض الشيء. ولهذا السبب تخلى معظم الشعراء في الغرب عن الوزن الثابت لصالح الشعر الحر.
والهايكو الياباني الكلاسيكي غير شخصي: فالشاعر يتنحى جانبًا ولا يكشف إلا الطبيعة. أما الشعراء الغربيون فيجدون أحيانًا صعوبة في ألا يتحدثوا عن أنفسهم، فيملؤون الهايكو بمشاعرهم وأفكارهم وانفعالاتهم الشخصية. لكن الغرب حافظ على فكرة «هنا والآن» سليمة. فالهايكو الغربي ما زال يعمل بوصفه لقطة: يلتقط لحظة محددة من الزمن قبل أن تفلت.
كما بقي الذوق للإيجاز الشديد: قول الكثير بكلمات قليلة جدًا، وترك الصمت المحيط بالهايكو يدفع القارئ إلى التأمل. وخلاصة القول إن الهايكو في اليابان تمرين على الدقة والروحانية. فالمرء يرقب الطبيعة دون أن يحكم عليها، ويتبع قواعد التقليد. أما في الغرب فقد أصبح الهايكو شكلًا حرًا من الشعر. فالفرق إذن أنه في الغرب كثيرًا ما تُستخدم الاستعارات، وتُوصف حياة المدينة، وتُعبَّر المشاعر الشخصية، مع تنحية عدد المقاطع والارتباط الإلزامي بالفصول. أما الاستمرارية فتكمن في احترام عميق للإيجاز.
* وأنتِ أي اتجاه تفضلين؟
- كليهما، بحسب المشهد الذي أنوي تمثيله، وبحسب عدد الكلمات والمقاطع التي تتطلبها الأسطر. ويتوقف ذلك أيضًا على ما إذا كنت أكتب بالإيطالية أم بالإنجليزية. في الهايكو الكلاسيكي يُحفظ الصمت عبر تقنية التجاور (الكيريجي kireji)، إذ يتيح الفاصل بين عنصري النص خلق مساحة للتأويل. وعندما نجمع الهايكو مع رسم (هايغا haiga)، أو صورة (شاهاي shahai)، أو فيديو (الشعر المرئي videopoetry)، فلا توجد قاعدة ثابتة واحدة. ويتبع أساتذة اليابان في المقام الأول نهجين مختلفين: (إيتشيبوتسو جيتاتي Ichibutsu jitate) كتابة قصيدة الهايكو بالتركيز على مشهد أو عنصر بصري واحد واستغراقه بالكامل عبر الأسطر الثلاثة، دون استخدام تقنية التجاور. أحيانًا تختار الصورة والقصيدة الاتجاه نفسه تمامًا. فإذا كان الهايكو عن ورقة تتساقط، يُظهر الرسم أو الفيديو ورقة تتساقط بالضبط.
وهذا ليس خطأً، ولا يحدّ بالضرورة من حرية المشاهد: فهو يخدم إحداث أثر قوي جدًا ومركّز ومباشر على تفصيل واحد من الطبيعة. كأن الصورة تقول: «انظر هنا، في هذه اللحظة بالذات، ولا تشتّت انتباهك. اما تقنية (توريواسي Toriwase(الهايكو بصورتين) وهو النهج المعاكس. تسلك الكلمات والصور طريقين مختلفين ثم تلتقيان في منتصف الطريق. فإذا كانت القصيدة تتحدث عن برد الشتاء، فقد يعرض الفيديو كوب شاي يدفأ. فهما لا ينسخ أحدهما الآخر، لكنهما معًا يخلقان انفعالًا ثالثًا في ذهن المشاهد. ويرث الشعر المرئي الآليات الذهنية والبصرية نفسها التي في الهايغا، لكنه يستخدم الحركة والزمن بدل الحبر. وباختصار، ليس الشعر المرئي سوى هايغا حديثة. فصانع الفيديو يختار بين أن يقدم القصيدة مباشرة، ليستحوذ فورًا على انتباه المشاهد، أو أن يقدم المحتوى بصورة أكثر تباعدًا، تاركًا المشاهد حرًّا في أن يجعل ذهنه يهيم. وكلا النهجين يُبقي العمل حيًّا وعميقًا.
* هل تعملين على أي مشروع في الوقت الحاضر؟
- لدي مشاريع منذ مدة، لكن ليس لدي وقت لتنفيذها.
***
أدار الحوار: عباس محمد عمارة








