أوركسترا

توفيق رفيق آلتونچي: حين يتوقف الزمن على اقطاف مدينة آورا الأندلسية AORA

التجول في مدينة تقع على ظهر جبل شبيه بسفر عبر الزمن تقع مدينة ألورا الاسبانية في قلب وادي نهر گوادالهورس، وهي مدينة ذات تراث تاريخي غني وتقام فيها أنشطة لا تنتهي من ثقافية وسياحية. ازدهرت في هذه الأراضي العديد من الحضارات، بما في ذلك الفينيقيون والرومان والقوط الغربيون والعرب حيث يعتقد بانها كانت تسمىً (نقحره) والتي تعني عملية النسخ وتستخدم اليوم بكثرة في كتابة الكلمات الاجنبية بحروف عربية وحتى استعمالها في الحياة اليومية كاستخدام مصطلحات المعلوماتية والكومبيوتر والتلفون والخلوي (الموبايل) ونطقها بالعربية وهي اليوم بلدية تابعة لمدينة ملقا. السفر بالقطار إلى هذه المنطقة سفر في إسبانيا القديمة بازقتها وبيوتها التراثية القديمة وهي سفرة في ريف الأندلس وبين غابات اشجار البرتقال والليمون على جهتي قضبان السكك الحديدية لمسير القطار.

مارس سكان المنطقة زراعةً أشجار الحمضيات والزيتون لخصوبة أراضي الوادي الزراعة ومنذ القدم. صنف ألورينا كزيتون مائدة، فإن تقليد تحضير الزيتون وتتبيله يعود إلى أجيال، وينتقل من الآباء إلى الأطفال الذين يواصلون تتبيله بالزعتر والشمر والفلفل الأحمر والثوم والملح وغيرها من النباتات العطرية التي تجعل زيتون ألورينا منتجًا فريدًا وتقليديًا. ولكن لم يرتبط المدينة هذا الارتباط الوثيق بإدارة المياه إلا مع وصول المسلمين، حيث لا تزال تقنيات الري تلك مستخدمة حتى اليوم. وقد ورثت المنطقة ممارسات ري مبتكرة لا تزال تستخدم في بساتين الحمضيات، مثل قنوات الري، والدواليب المائية، والخزانات، وغيرها من الوسائل الهندسية لتخزين المياه وتوزيعها، والتي تُعد جزءًا من التراث المائي للمنطقة. وقد تحقق ذلك بفضل الظروف المناخية الملائمة، ووفرة المياه، وخصوبة التربة. كان يقع في المدينة مصنع للعطور، بناه ورثة ديونيسيو سايس عام 1930. وقد استمر المصنع في العمل حتى سبعينيات القرن الماضي حين توقف عن العمل في هذا المصنع. حيث هناكً العديد من القرى وبلدات بأسماء عربية ولكن المدينة باكملها بنيت على جبل وعلى المسافر انتظار الباص بعد وصوله لآخر محطة للقطار ويقلها إلى قمة الجبل حيث المدينة الشبيه بما شاهدته في جبل طارق ولا يوجد في الوقت الحاضر ممشى للسائلة للصعود إلى المدينة والى الحصن. الممشى الرصيف من الوادي إلى المدينة على قمة الجبل يتم اليوم بناءه وتبليط ومن ثم تحويله إلى ممشى خشبي بتمويل من الاتحاد الأوربي.2322 andolos

وصلنا للمدينة مع عائلة عراقية من أصدقائي والذين التقي بهم في رحلتيّ الشتائية كل عام هنا في الأندلس، أقول وصلنا منتصف النهار إلى محطة المدينة وبعد دقائق استقلنا الباص الذي سار بنى في طرق ملتوية وصولا إلى قمة الجبل حيث المدينة بأزقتها الضيقة ( درابزين) ومشينا صعودا ونزولا إلى ان وصلنا إلى قمة الجبل حيث الحصن العسكري الكبير . في مدخل الحصن نقف وجها لوجه مع لوحة من الموزايك الأندلسي الجميل (الصورة اعلاه) الذي يشتهر به وهي من بقايا الارث الثقافي لشعوب البحر الأبيض المتوسط من الفينيقيين والعرب والمسلمين الذين اخذوا معهم الصناع من الفنانين الشاميين وادخلوا العديد من فنون العمارة إلى شبه الجزيرة الايبيرية.

تسمى قلعة المدينة ب "القلعة العربية" تعود تاريخها إلى القرن العاشر الميلادي، حيث تتميز محيطها بالتحصين والأسوار من الفترة الإسلامية. ومن أبرز معالمها في الجزء العلوي من السور القلعة وقوس بوابة الدخول، وهما فريدان من نوعهما في العمارةً الغربية، بينما يرتفع برج المراقبة الرشيق في الجزء الخارجي. وقد تم اعتبار المجمع بأكمله نصبًا تذكاريًا وطنيًا عام 1931. الذي بني في قمة الجبل بكنيسة صغيرة وهي أبرشية القديسة مريم العذراء المتجسدة بعد غزو الملوك الكاثوليك للمدينة عام ١٤٨٤، شُيّدت هذه الكنيسة في أواخر القرن الخامس عشر على موقع المسجد الإسلامي السابق. وما تبقى منها اليوم هو بعض القبور والمذبح الرئيسي، المصمم على الطراز القوطي المتأخر، ويتجلى ذلك في قبته النجمية الشكل وأعمدته المزخرفة بالقصب. وهنا، يُمكن مشاهدة تمثالا  لنبينا عيسى بن مريم والعذراء ، من إبداع النحات المحلي خوسيه نافاس باريخو. ما تبقىً من الحصن ، القلعة الذي يمكن الوصول اليه مشيا بينً ازقة المدينة صعودا لم يبقى الكثير منه ولكنه يشرف على المدينة والوادي من جميع الاتجاهات حيث يمكن روية الوادي بدرجة دوران ٣٦٠ من برج المراقبة واذا كان عيونك حادة كما كانت لزرقاء اليمامة تستطيع روية مدينة ملقا والبحر الأبيض المتوسط كذلك.2321 andolos

كتب أبو بكر محمد بن عبد الملك الشنتريني الأندلسي المعروف بـابن السّرّاج الشَنتريني (549 هـ/ 1154 م) وهو لغوي وأديب أندلسي من أهل القرن الثاني عشر الميلادي/ السادس الهجري. ولد في شنترين وسكن إشبيلية وأخذ عن علمائها. رحل إلى المشرق في 1121 فنزل في مصر وقام بالتدريس، كتب ما يلي في بوابة القلعة؛

"ولدت في غرناطة، ونشأت في كارتاما، وعشت الحب في كوين، على حدود مدينة ألورا. عندما وصلت، كان رودريغو يغني أنني ألفت ذلك إلى لتر، ولحسن حظي، استطاع أهلي المباركون ذلك.قاومتُ قدر استطاعتي، لكن المقاومة لا تجدي نفعاً أمام تقلبات القدر. أنا أسير، وجريفا تنتظرني. دون رودريغو دي نارفايز، هذا ما يُدعى به مدير السجن، ألقى القبض عليّ واقتادني إلى ألورا. ماذا فعل بي المسيحي؟ أهذا اللطف الغريب، المبني فقط على قسمي، لأنني أعطيته كلمتي؟ وأنه في اليوم الثالث سيعود إلى ألورا بلا شك، أسيراً ومأسوراً."

***

تقرير وصور: توفيق رفيق آلتونچي

- الاندلس   2026

في المثقف اليوم