أوركسترا
عدنان حسين أحمد: نريد وطنًا.. الصورة الصادمة للطبقة السياسية الجديدة (2-2)
ينطوي هذا الفيلم على موقفين صادمين أفادت منهما المخرجة إيمان خضيّر ووظّفتهما ضمن البنية الفكرية التي تُعرّي شخصيتين سياسيتين برزا ضمن المشهد السياسي الجديد بعد عام 2003. وهاتان الشخصيتان الإشكاليتان اللتان تنتميان إلى مكوِّنين كبيرين في المجتمع العراق وهما عزت الشاهبندر ومحمود المشهداني، وكنت أتمنى على المخرجة لو اختارت بضع شخصيات إشكالية من المكوّنات الأخرى سواء القومية أو الدينية الموجودة ضمن فسيفساء المجتمع العراقي لتكبير الصورة وإظهار الطبقة السياسية الجديدة على حقيقتها المُروّعة التي تقشعر لها الأبدان.
ومع ذلك دعونا نتوقف عند لقاء تلفزيوني سابق لعزت الشاهبندر، وهو عضو برلماني سابق أثار جدلًا واسعًا في المشهد الإعلامي المرئي العراقي والعربي حيث قال بالحرف الواحد: (الشيعة خطيّة فرحوا أنه المرجعية مؤسسة مقدّسة لا يجوز المَساس بها، والمظاهر الحسينية حُرّة.. دُگوا، لُطموا، زنجيل، وقامات (سكاكين طويلة)، ومَشي من البصرة إلى كربلاء والنجف كلّش (جدًا) فرحانين همّه. أَمّا يجوعون مو (ليس) مهم، ما عدهم تعليم مو مهم، لا توجد مستشفيات.. مستشفياتنا مسالخ، مدارسنا أوكار للهزيمة والتخلّف، لا شارع، لا متنزّه، لا فرصة تعلّم في الخارج، لا فرصة عمل حقيقية، فرصة العمل بالنسبة إلنا البوگ (السرقة). تعرفين شنو فرصة العمل؟ إحنا هسّه (الآن) بهذه الفترة ليش (هل) سوينا مقاولين كبار يگدرون يسوون شركات تنهض بالبلد؟ لا. جبنا (جلبنا) أولاد شوارع عدهم علاقات بالوزارات يطوهم (يعطوهم) مقاولات كلها متلكئة لذلك وصل البلد إلى هذا المستوى). إنَّ هذه الاعترافات الصريحة بالتدجين والفشل والسرقة والمحسوبية كافية لأن تضع هذا البرلماني المتحدث خلف قضبان السجن وتُعرّضه للمساءلة القانونية والحساب العسير.
وهذا الأمر ينطبق على المتحدث الثاني محمود المشهداني، رئيس البرلمان السابق حيث قال من دون خوف أو خجل: (إحنا مقاولو تفليش. جاي آني دا أنتقم.. زين هو اللي ينتقم يبني دولة لو يريد بس يقتل الآخر. تهجّرَ العلماء، انقتل الطيارون، انهارت القوى الأمنية وإحنا كيّفنا (فرِحنا) لأن أجينا للسلطة. أخذ منا الإسرائيليون والأمريكان الدولة وأعطونا السلطة كيّفنا.. نقتل مِن يقول (لا)، ونُقصي مِن يقول (لا). ونفّسنا عن كل أحقادنا وآلامنا ومشاكلنا. شعدنا (ماذا لدينا من) عقدة بالسجن طلعناها.. الجوع نفّسنا عنه، الظلم اللي كنّا نعاني منه سوّينا (فعلنا) الأتعس منه.. ردود أفعال).
وثيقة صوتية وبَصَرية دامغة
إذا كان اعتراف عزت الشاهبندر يقوده إلى المساءلة القانونية والسجن فإن اعتراف محمود المشهداني يفضي به حتمًا إلى حبل المشنقة فقد وصف الطبقة السياسية الجديدة بمقاولي تفليش، وأنه جاء لكي يقتل الآخر، أو يقصيه في أضعف الأحوال، وأنه فرح لأنه أخذ السلطة فقط وفرّط بالدولة للإسرائيليين والأمريكان، ونفّس عن كل مشكلاته وعُقده وأحقاده وآلامه بواسطة ردود الأفعال السيئة وغير القانونية. وهذه الاعترافات الصريحة هي أدلة صوتية وبصرية دامغة لا ينقصها سوى تطبيق القانون الذي يحقق العدالة للشرائح المتضررة من الشعب العراقي الذي ضحّى بالغالي والنفيس من أجل الحرية والديمقراطية والعيش الكريم.
أمّا الشخص الرابع والأخير فهو الدكتور حيدر سعيد الذي يكتب في النقد والسياسة والفكر فقد قال: (إنَّ المكان الذن يحتضن الاحتجاجات والمظاهرات ببغداد هو شارع الرشيد، وأنَّ الساحات التي بنتها الأنظمة التي صعدت إلى السلطة بسبب الانقلابات العسكرية للتعبئة الجماهيرية في لحظة ما لم تكن تُدرِك أنَّ هذه الساحات سوف تُصبح مكانًا للتعبئة الجماهيرية الواسعة. لم تكن التعبئة تحدث من خلال تنظيمات حزبية مركزية تُبلِّغ أعضاءها بالخروج إلى الشوارع بل من خلال الميديا والميديا الجديدة التي شاعت وغزت العالم وبالتالي لم يعد الاحتجاج عبارة عن وجود في الشارع وإنما أصبح صورة أيضًا. فالحركات الاحتجاجية وثورات الربيع العربي ومنها احتجاجات تشرين استعملت هذه الأماكن العامة بسبب قدرتها على التعبئة الواسعة ونقل صورتها بشكل واسع). وأضاف الدكتور حيدر سعيد: (أنَّ الحركة الاحتجاجية منذ بدايتها في 2011، وفي مفصل أساسي منها في 2015 وصولًا إلى تشرين في 2019 كان مركزها الأساسي هو أكبر مكان ببغداد قادر على الحشد هو ساحة التحرير يُضاف إلى ذلك رمزية (نصب الحرية) الذي بُني أساسًا لتمجيد ثورة تموز 1958 وبغض النظر عن سياقه السياسي أو المرحلي فقد أصبح بمثابة إعلان عن الرغبة أو الطموح الدائم للحرية).
استنطاق الماضي التليد
لا بد من الإشارة إلى أنَّ الشخصيات الأخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها الأربع التي توقفنا عندها طويلًا للكشف عن البنى الثقافية والفكرية والنفسية للطبقة السياسية الجديدة التي يرصدها المثقف العراقي اليساري أو الوطني بشكل عام. فالمتظاهر، وسائق التكتك، والممرضة، والطاهية، وعامل النظافة، والفنان التشكيلي يؤدون ما عليهم من واجبات وطنية في ساحة التحرير أو في نفقها أو في بناية المطعم التركي التي أصبحت رمزًا للمقاومة يُحيل إلى (جبل أُحد) مُستنطِقًا الماضي التليد بكل أبعاده الوطنية النبيلة.
ولو تأملنا غالبية اللقاءات التي أجرتها المخرجة مع المتظاهرين والعناصر المؤازرة لهم لوجدناها تنطوي على قصص متفرقة يجمعها قاسم مشترك هو حُب الوطن. فثمة امرأة فقدت زوجها في تظاهرة احتجاجية سابقة خرجت إلى هذه التظاهرة من تلقاء نفسها وأوضحت بأنّ غيرتها هي التي دفعتها لمؤازرة المتظاهرين في طهي الطعام مع أنها لا تملك بيتًا وليس لديها راتب شهري لكنها مُصرة على إسقاط حكومة عادل عبدالمهدي التي أمعنت في قتل مئات المتظاهرين وجرح الألوف منهم في رابعة النهار.
شاب آخر عاطل عن العمل استشهد والده في الحشد الشعبي ولا يمتلك، هو الآخر قطعة أرض أو راتبًا شهريًا، ويجد صعوبة بالغة في شراء أدوية الضغط لوالدته المريضة ومع ذلك فقد لبّى نداء الانتفاضة وكرّس حياته لخدمة المتظاهرين.
حلّاق قَدِم من محافظة واسط لكي يُقدِّم خدماته المجانية للمتظاهرين بينما يطالب شباب آخر بمحاكمة قتلة المتظاهرين وإنزال القصاص العادل بهم بدءًا من عادل عبد المهدي، مرورًا بعناصر الشغب، وانتهاءً بالطرف الثالث.
ثمة فنانة تشكيلية جاءت لترسم على جدران نفق التحرير وكانت تحثُّ المخرجة على أن تلتقي بأناس يقفون على خط النار وقد تعرض أحدهم للإصابة بقنبلة دخانية في ظهره. وتعتقد هذه الفنانة أنَّ هذه الانتفاضة هي ثورة وعي أكثرَ منها ثورة تغيير، وأنَّ هذا المكان يجب أن يكون مَسلةً أو صرحًا كبيرًا يحتضن هذه الرسومات والجداريات العفوية التي رُسمت من دون تخطيط مسبَق.
تلتقط عين المخرجة كلمات وعبارات وجُمَل شديدة الدلالة أبرزها (بغداد شاخت من الأسى). كما نقرأ على جدار النفق لائحة طويلة بأسماء الشهداء.
بنية الأنشودة الوطنية
تنطوي أنشودة (نازلين نجيب حگنه) كلمات وهندسة وتوزيع ومُونتاج أحمد الدرّاجي وألحان أحمد القصّاب وأداء حيدر الطيّب وعلي المهندس على بنية رصينة لا تقلّ أهمية عن بنيتيّ (التعليقات الصوتية) و (الرؤوس المتكلمة) فثيمة الأنشودة ومضامينها الفرعية تؤكد على هذه البنية القوية المتماسكة التي يمكن تتبعها في المقاطع الخمسة التي تهيمن على ذهن السامع وتأخذ بتلابيبه حيث يكشف كل مقطع على جانب مهم من القصة الرئيسة التي تسلّط الضوء على سبب نزول العراقيين إلى التظاهر والاحتجاج في الانتفاضة التشرينية الخالدة حيث يقول المقطع الأول: (نازلين نجيب حگنه / نحاسب الباگو بلدنا / يا علي تمادوا علينه /.. أنتَ ما ترضاها لينه / اليتامى بالشوارع نايمين / نازلين.. نازلين). فثمة حق مُضاع، ولصوص سرقوا البلد فلا غرابة أن يخاطبوا الإمام علي بن أبي طالب (رض) ويحيطونه علمًا بأنّ السلطة الجديدة قد تمادت عليهم وسرقت أموال اليتامى الذين يفترشون شوارع العراق.
أمّا المقطع الثاني فيقول: (إحنه صوت الله ونزلزل گاعهم / إحنه ما عدنا سلاح سلاحهم / إحنه طرگ صدورنا.. والوطن بعيونه / بس عَلَم الله وأكبر شايلين / نازلين.. نازلين). لا ينسى كاتب الأنشودة أحمد الدراجي أن يُذكِّر هذه السلطة الغاشمة في هذا المقطع بأنَّ المنتفضين يمثلون صوت الله الذي سيزلزل الأرض تحت أقدامهم رغم أنهم لا يمتلكون السلاح الذي تمتلكه السلطة المُتجبرة، وهم يواجهون ظلمها وعَسَفها بصدور عارية لأنهم يضعون وطنهم في حدقات العيون ولا يحملون سوى علم العراق المرصّع بعبارة (الله وأكبر).
يوضِّح كاتب الأنشودة في المقطع الثالث واقع الحال المُزري الذي يعيشه غالبية العراقيون باستثناء الطبقة السياسية الجديدة وأحزابها المنتفعة من التغيير الذي أحدثته القوات الأنگلو – أمريكية حيث نسمع في المقطع الثالث ما يهزّ المشاعر الإنسانية حينما يقول: (إحنه أجيال إنظلمنه بجالكم / إحنه ما عشناها مثل أولادكم / طِلْ جاءت نتيجة البحث والاستقصاءعوا من هاي البلاد.. كافي ملّينا الفساد / وين لاگيها شعب ساكت حزين / نازلين.. نازلين) لم تأخذ السلطة وقتًا طويلًا لكي تمارس قمعها وتصادر حقوق الناس وحرياتهم الشخصية والعامة فلا غرابة أن يطالبوا بمغادرتهم هذا البلد بعد أن ملّوا من الفساد السياسي والإداري والمالي مستغلّين الشعب العراقي (الصامت والحزين).
لا يمكن للشعب العراقي أن يتحمّل الإحن والمِحن الكثيرة ولا بدّ أن يثور على كل أشكال الظلم والتعسّف والفساد حيث يقول كاتب الأنشودة: ( نازلين نسوّي ظلمتنا شمس / نازلين الثورة سلميّة وعِرس / مو لعبتوا بحالنا.. رَجعوا كل أموالنا / هذا إنذار الشباب الثائرين / نازلين.. نازلين). يكشف هذا المقطع بشكل صريح بأنّ الليل مهما ازداد حلكة فلا بدّ أن يعقبه فجر قريب رغم أنّ الانتفاضة سلمية ولم تتخذ من العنف سبيلًا فهي أشبه بالعُرس الجماعي الذي يُفرح الغالبية العظمى من الشعب العراقي المحروم من خيرات هذا البلد المعطاء.
لا تكتفي الأنشودة بعرض حال العراقيين وما سبّبتهُ الطبقة السياسية الجديدة التي نهبت ثروات البلد وهرست أعصاب العراقيين على مدى 16 عامًا وهم يقدِّمون الضحايا والقرابين من أجل الوطن المُبتلى فلا غرابة أن يخلص كاتب الأنشودة إلى القول بأنّ المتظاهرين لا ينامون على الذل وهذا الليل الدامس لا بدّ أن ينجلي وأن النساء الثكلاوات لا بد أن ينمْنَ قريرات العيون احتفاء بنصر الثائرين حيث يقول: (يا أم شهيد وداعتچ نامي رغد / موش بينه اللي عله الذلة گعد / مِسْحي دمعچ هلهلي.. لازم الهم ينجلي / كلنه ولدچ وحگ رب العالمين / نازلين.. نازلين).
رَهافة وحِرَفية وإبداع
لقد تآزرت هذه البنى الرصينة الثلاث على تقديم الثيمات الرئيسة والفرعية بطريقة مُحكّمة قالت فيها أشياء كثيرة كذّبت فيها إدّعاءات السلطة الفاسدة ووضعتها على المحكّ وذكّرتهم بأنّ نهايتهم المُفجعة قادمة لا محالة وإن طال الزمن على العراقيين قليلًا ولعلنا نجد في قول الشاعر الجاهلي قراد ابن أجدع بعض العزاء فهو الذي قال: (فَإِنْ يَكُ صَدْرُ هَذا الْيَوْمِ وَلَّى / فَإِنَّ غَدًا لِناظِرِهِ قَرِيبُ).
تختم المخرجة إيمان خضيّر فيلمها المؤثر باستقالة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي التي قال فيها: (بالنظر للظروف الصعبة التي تمرّ بها البلاد ولتوفير شروط أفضل لتهدئة الأوضاع ولفتح المجال أمام مجلس النواب الموقر لدراسة خيارات جديدة أرجو من مجلسكم الموقر قبول استقالتي من رئاسة مجلس الوزراء والتي تعني بالتالي استقالة الحكومة بمجملها.. ). كما نقرأ (تشرين تأجلت لكنها لم تمت). ثم تُقدم المخرجة خلاصة لأربعة مؤشرات مهمة جاءت نتيجة البحث والدراسة والاستقصاء وهي على التوالي:
1- أسقطت التظاهرات رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي في نهاية تشرين الأول 2019 الذي قُتلت على يد قواته وبأوامر منه حوالي 600 محتج، وجُرح قرابة 23000 متظاهر وأُعتُقل نحو 1800 مُنتفض في سجون خفيّة.
2- وصل مُعدل الفقر حسب إحصائيات وزارة التخطيط العراقية لعام 2018 إلى 25% في بعض المحافظات.
3- تُشير التقديرات الرسمية إلى فقدان أكثر من 450 مليار دولار أمريكي خلال 16 عامًا من الفساد.
4- (تشرين) هي أول انتفاضة وعي في تاريخ العراق.
إنَّ مِن يتأمل هذا الفيلم جيدًا سيكتشف من دون عناء حجم الجهد الكبير الذي بذلته المخرجة إيمان خضيّر في معالجة ثيمات الفيلم وإظهار أفكاره الكامنة في الخطاب البصري الذي بلغت مدته 50 دقيقة لم يتسلل في أثنائها الملل إلى المتلقّي، بل أنه على العكس من ذلك كان ينتظر المزيد من الصور والأحداث والأفكار الوطنية الكامنة في هذا الشريط الوثائقي الأكثر تميزًا في السينما الوثائقية العراقية لما تتوفر عليه المخرجة إيمان خضيّر من رهافة وحِرَفية وموضوعية وإبداع. ولا تقتصر هذه الصفات والمميزات على هذا الفيلم فقط وإنما تمتد إلى غالبية الأفلام الوثائقية والدكيودرامية التي أنجزتها إن لم أقُل كلها على الإطلاق.
بقي أن نقول بأنّ المخرجة إيمان خضيّر قد أنجزت عشرة أفلام وثائقية ودكيودرامية وفيلم قصير واحد وهي على التوالي: ( الملك فيصل الاول)، (د. أنيس الصائغ)، (تاريخ طوابع فلسطين)، (ظل الكونكريت)، (عاملات الطابوق)،(مقاهي بغداد الادبية)، (صفر)، (جدارية المطر)، (جواد سليم وسمفونية البرونز) و (نريد وطنًا).
***
لندن: عدنان حسين أحمد







