أوركسترا
عدنان حسين أحمد: سليمان البكري.. مُعلَّم الأجيال ورائد التجديد النقدي
يجمع فيلم (مُعلِّم الأجيال) للمُخرج مصطفى الهود بين الفيلم الوثائقي التقليدي القائم على تقنية الـ Q&A وبين بعض اللمسات الدكيودرامية التي توظِّف الصور والمَشاهد التي انطوت عليها أحداث الفيلم من دون اللجوء إلى إعادة تمثيل بعض المَشاهد الحربية المُتعلقة بثورة العشرين على وجه التحديد.
يعتمد مُخرج الفيلم على تقنية الڤويس أوڤر Voiceover لثلاث مرات لأنّ مدة الفيلم التي بلغت 34 دقيقة لا تسمح بأكثر من هذا العدد من التعليقات الصوتية. وقد كانت كافية لتسليط الضوء على ثيمة الفيلم الرئيسة وأحداثه الثانوية المُؤازرة.
ينطلق هذا الفيلم من الخاص إلى العام، ويُبحر من الذات إلى الموضوع، ويتجوّل في فضائيّ الزمان والمكان منذ اندلاع ثورة العشرين في شهر أيار / مايو 1920وحتى وفاة الناقد سليمان البكري في 17 /03/ 2026. أمّا الأمكنة فهي عديدة تتوزّع بين مُدن بُهرز والمقدادية وديالى وبغداد وكربلاء والناصرية والمحيط الهندي الذي سُجنَ في إحدى جزره جدّه الشيخ مجيد البكري. وإذا ما أضفنا الوقائع والأحداث التي تُشكِّل متن الفيلم فسنجد أنفسنا أمام تواريخ أدبية وفنية وسياسية واجتماعية كثيرة لا تقتصر على محافظة ديالى لوحدها وإنما تمتدّ لتغطي مساحة العراق برمتها.
يحاول المخرج مصطفى الهود في التعليق الصوتي الأول أن يسلّط الضوء على المراحل الأساسية للناقد سليمان البكري فنفهم أنه وُلِد في عام 1937م في بيت جدّه لأمه من دون أن نعرف اليوم أو الشهر الذي وُلد فيه! والغريب أنه وُلد في مدينة بُهرز بينما سُجِّل في مدينة المقدادية (وهذه أول مُفارقة زمكانية عاشها البكري في عتبات حياته الأولى). وبما أنَّ البكري قد عاش طفولته وأيام يفاعته وشبابه في بيت جدّه الشيج مجيد البكري في المقدادية فقد تأثّر بهذه البيئة الاجتماعية الأصيلة حيث كان جدّه شيخًا معروفًا، وعلَمًا من أعلام ديالى، وقائدًا من قادة ثورة العشرين في العراق، وقد عُرف بشجاعته ودماثة خلقه حيث تصفهُ السيدة الإنگليزية زيتون بوكانن التي وقعت أسيرة بيد أهالي المدينة العرب أنّ الشيخ مجيد البكري كان مُتسامحًا معها وقد عاملها معاملة حسنة بوصفها ضيفة لا أسيرة.
دور التعليقات الصوتية
يُفترض في التعليق الصوتي أن يغطّي معلومات لم يأتِ السائل والمُجيب على ذكرها. وغالبية المعلومات التي وردت في هذا التعليق الصوتي سنسمعها من الراوية الأساسي سليمان البكري والسائل الدكتور فاضل عبّود التميمي الذي حاول أن يتتبع سيرة (مُعلم الأجيال) منذ ولادته عام 1937 وحتى وفاته في 17 / 03 / 2026 تاركًا خلفة مجموعة من القصص والروايات والكتب النقدية المميزة حقًا.
ربما يكون التعليق الصوتي الثاني الذي قرأهُ الدكتور نبيل وادي هو الأكثر حِرفية بين التعليقات الصوتية الثلاثة حيث يتابع مراحله الدراسية؛ الابتدائية والمتوسطة و (معهد تدريب المعلمين) بديالى خلال الأعوام 1942 و 1951 و 1955 حيث تأثّر بمدرّس اللغة العربية ميخائيل جرجيس الذي شجّعهُ على الاهتمام باللغة العربية وآدابها ليكتب لاحقًا قصصًا تدور أحداثها في المحلة التي كان يسكُنها. وعلى الرغم من أنَّ هذه القصص الأولى كانت أشبه بالتمارين الأوليّة لكنها أخذت بيده إلى عالَم السرد الدرامي الناضج. يركِّز المُحاور الدكتور فاضل التميمي على أنّ (معهد تدريب المعلمين) هو أبرز محطة ثقافية أثرّت في التأسيس لحياة البكري الأدبية حيث كانت الحياة منفتحة على ثقافة جديدة وغير تقليدية ناجمة عن نمّو وعيهم السياسي والثقافي يومذاك واختلاطهم بعشرات الأساتذة المختصين من العراقيين والعرب والأجانب. تعرّف البكري أوّل مرة على المسرح ونال تشجيع أستاذيه المصرييَن فرح الجوهري وعوض عبدالو هاب فقرأ نتاجات شكسبير ومثّل بعض مسرحياته مثل (تاجر البندقية) و (هاملت) ثم انغمس في قراءة الروايات العربية والمُترجمة وأفاد منها كثيرًا في إغناء تجربته السردية التي كانت تتعمّق يومًا بعد يوم.
أمّا التعليق الصوتي الثالث والأخير فقد جاء مُقتضبًا جدًا حيث ركّز الكاتب على أنّ سليمان البكري يعيش الآن في بيته العامر بمدينة المقدادية الذي شهد ولادات نقدية وإبداعية تاركًا إرثًا مهمًا وأرشيفًا جيدًا للباحثين والدارسين العراقيين والعرب على حد سواء. وبما أنَّ الدكتور فاضل عبّود التميمي لم يأتِ على ذكر التجربة السياسية اليسارية للناقد سليمان البكري الذي تعرّض للمطاردة، والتعذيب، والنفي داخل حدود البلد وخاصة في محافظتيّ كربلاء والناصرية فقد كان حريًا بكاتب التعليق الصوتي أن يُغطي هذه المرحلة المهمة التي لم ينجُ منها الكثير من الأدباء والفنانين والمثقفين العراقيين.
يحاول الدكتور الناقد فاضل عبّود التميمي من خلال أسئلته العشرين أن يغطّي ولادة ياسين البكري ومعرفته بجدّه على وجه التحديد؛ الثائر على الاحتلال البريطاني للعراق. كما يسلّط الضوء على مراحله الدراسية الثلاث وهي الابتدائية والمتوسطة ودار المعلمين الابتدائية وقراءاته الأدبية التي أخذت تتطور بمرور الزمن، وعلاقاته الإنسانية مع الأدباء والكُتّاب والفنانين من مختلف المدن العراقية. كما يتوقف عند مجمل نتاجاته الأدبية والنقدية ودوره البارز في ولادة اتحاد أدباء ديالي. دعونا ندقق في هذه الأسئلة التي صاغها ناقد مُقرّب من سليمان البكري وتربطة به علاقة حميمة امتدت لسنوات طوالا.
الأسيرة البريطانية
لم يسأل فاضل التميمي صديقه البكري عن والده داوود البكري وإنما قفز مباشرة إلى جدّه مجيد البكري الذي كان شيخًا معروفًا وقائدًا بارزًا في ثورة العشرين. وتبيّن من مضمون السؤال أنه لم يرَ جده مجيد البكري وإنما قرأ عنه في كتابات عالم الاجتماع الشهير علي الوردي. ولا يجد الراوية بُدًا من تكرار قصة الهجوم على المعسكر البريطاني وأخذة السيدة الإنگليزية زيتون دوكانن أسيرة حيث جلبوها إلى منزل الشيخ مجيد البكري وبقيت هناك لمدة شهر وكانوا يعاملونها معاملة حسنة. يهجم الجيش البريطاني ويحرر الأسيرة دوكانن ويعتقلون الشيخ مجيد في سجن بالمحيط الهندي حيث أمضى هناك سنتين وحينما عاد إلى دياره لم يجد شيئًا من أملاكه التي صادرها الإنگليز وباعوها لعامة الناس. هذا التكرار الذي ورد في التعليق الصوتي الأول يضرُّ بالسردية القصصية وكان بالإمكان تجاوزه إمّا من التعليق الصوتي أو من هذه الإجابة. فمدة الفيلم القصيرة لا تسمح بهذا التكرار الذي قد يسبب الملل لبعض المُشاهدين.
يسقط السؤال الثاني في الإشكالية نفسها حينما يتناول السائل موضوع المفارقة المكانية فقد وُلد الراوية سليمان البكري بمدينة بهرز لأن أمهُ كانت في زيارة لأهلها وأنجبتهُ هناك وسوف يُسجّل بشكل طبيعي بمدينة المقدادية التي تقطنها العائلة.
يتذكر الراوية مراحلة دراسته الثلاث وأسماء المعلمين الذين درّسوه في الابتدائية والمتوسطة التي كانت مُختلطة في ذلك الوقت. وسوف تحدث النقلة النوعية في حياته حينما ينتقل إلى (دار المعلمين الابتدائية) في بعقوبة وكانت تلك الدار يومها أشبه بالجامعة حتى أنهم كانوا يسمّونها (كلية تدريب المُعلّمين) ويشرف على تدريسهم رالف ميلنر؛ وهو أستاذ جاء خصيصًا من لندن وكان يتحدث الإنگليزية فقط وخلال سنتين بدأ الطلاب يتحدثون الإنگليزية كما يتحدثون العربية تمامًا.
يعتقد فاضل التميمي أنّ (دار المُعلّمين الابتدائية) هي التي صنعت القاعدة الثقافية لسليمان البكري حيث قرأ في تلك المرحلة العديد من المسرحيات والكتب باللغة الإنگليزية. وكان من أبرز الطلاب الذين يذهبون يوميًا إلى مكتبة المعهد التي وصفها بمفتاح الطريق إلى الثقافة الأوروپية التي نهل منها الكثير.
أدباء الناصرية وتوهجهم الإبداعي
ربما تكون مرحلة انتقاله إلى مديرية تربية كربلاء عام 1963 أولًا ثم مديرية تربية الناصرية هي أهم مرحلة في حياته الثقافية حيث التقى هناك بكبار الكُتّاب والمخرجين العراقيين أمثال عبدالرحمن مجيد الربيعي، والمخرج المسرحي مهدي السماوي، والدكتور عبد المطلب السنيد، وداخل خالد حسن وما سواهم من الرموز الثقافية والفنية في مدينة الناصرية. كانت مقاهي المدينة هي التي تجمعهم وجلّ أحاديثهم كانت تدور حول الأدب والفن والمسرح. يشير البكري بأنّ شهرة عبدالرحمن مجيد الربيعي قد بدأت منذ ذلك التاريخ حيث تُرجم بعض أعماله إلى لغات كثيرة ثم انتقل إلى بغداد وتزوج هناك لتبدأ علاقتهما العائلية هذه المرة وتُسفر عن إنتاج كتب نقدية ترصد عنصر التجديد في التجربة الأدبية لصديقه عبدالرحمن مجيد الربيعي. ويصف البكري تلك المرحلة بأنها تمثل أجمل أيام حياته التي أسس فيها علاقات اجتماعية حميمة مع الأدباء والفنانين العراقيين.
يُثير بعض أسئلة التميمي جانبًا (ميتا سرديًا) في هذا الفيلم وربما يكون سؤاله عن أول مقالة كتبها البكري في صحيفة (الأيام) الورقية بالناصرية هي خير مثال لماذا نذهب في هذا الاتجاه الميتاسردي حيث شاهد البكري فيلمًا يحمل عنوان (إني راحلة) وهو فيلم عاطفي، سياسي، بطولة مديحة يسري وعماد حمدي ومن إخراج عزالدين ذو الفقار، فجاءه أحد الأصدقاء وسأله: لماذا لا تكتب دراسة نقدية عن هذا الفيلم وكانت تلك المقالة النقدية هي أول تجربة نقدية سينمائية له في هذا المضمار.
تتكرر الأسئلة ضمن سياق واحد وهو الاستذكارات بينما كان التنويع ضروريًا لإيجاد مقاربات أخرى تدفع الراوية لأن يبوح بالكثير من الأشياء التي يعرفها ويستطيع أن يسترجعها من منجمها الفكري والثقافي. فقد أصدر البكري مع المخرج المسرحي سالم الزيدي عددين من مجلة (القصة) في أواخر ستينيات القرن الماضي. وقد أثار العددان ضجة في حينه لكنّ محافظ المدينة منعهما من إصدار العدد الثالث ما لم يحصلوا على موافقة من وزارة الثقافة والإعلام آنذاك.
يجيب البكري عن سؤال نقدي مهم مفاده: ألا تجد في كتابة القصة والرواية في منحاهما الإبداعي يتقاطع مع نقدهما معًا؟ فيأتي الرد سريعًا وسلسًا بأنها تسير في خط واحد. ويرى أنّ القصة القصيرة والرواية والنقد هي عائلة إبداعية واحدة وقد مارسها كلها في حياته الإبداعية والنقدية من دون أي إشكال يُذكر. وفي السياق ذاته يسأل التميمي صديقه البكري عن المنحى النقدي الواقعي الذي أخذه في الكتابة عن القصص والروايات العراقية على وجه التحديد. فيأتي الردّ بأنّ الواقعية هي أقرب شيء إلى المتلقي والمبدع نفسه. فالكاتب حينما يقرأ كتابًا جديدًا ينظر إليه من منظاره الخاص سواء أكان قاصًا أم روائيًا أم شاعرًا أم مسرحيًا وعند الانتهاء من قراءة الكتاب تنجلي فكرة النص الإبداعي ونعرف عندها إن كان هذا الكتاب يستحق أن نتوقف عنده ونوليه جزءًا كبيرًا من اهتمامنا. واستطاع جيل الستينات، بحسب البكري، أن يصل إلى قرّاء كثيرين في المجتمع العراقي والعربي على حدٍ سواء.
المنجز الإبداعي والنقدي
على الرغم من أهمية حياة البكري الشخصية، ومراحله الدراسية الثلاث إلّا أن منجزه الإبداعي هو بيت القصيد في هذا الفيلم فهو قاص وروائي وناقد نشر العديد من القصص القصيرة التي لم ترَ طريقها إلى النور على العكس من روايتيه (مَدار الأشياء المرفوضة) و (رجال في ليل المدينة) وكتبه النقدية الخمسة التي سنأتي على ذكرها والغوص في مضامينها الفكرية والمعرفية والثقافية.
يُوجز البكري ثيمة روايته الأولى (مَدار الأشياء المرفوضة) بأنها تتكوّن من أربعة فصول وهي: المُعتقل والمنفى والحُب والثورة التي يعني بها ثورة 14 تموز ويستغرب كيف أنها فلتت من يد الشرطي أو الرقيب لأن ثيمتها سياسية خطيرة لكنه كتبها بأسلوب فني رصين سمح لوزارة الثقافة بالموافقة عليها.
أمّا رواية (رجال في ليل المدينة) فهي رواية فنية أيضًا تتمحور حول مجموعة من الحزبيين اليساريين يريدون أن يوزعوا منشوراتهم ليلًا في داخل إحدى المدن وهي مثل الرواية السابقة تموّه على شخصياتها ولا يعرف القارئ إن كانوا يمينيين أم دينيين أم يقفون في منتصف المسافة.
لا يفوّت الناقد فاضل التميمي الفرصة لسؤاله المهم الذي يدور في بال أصدقاء البكري ومعارفه وقرائه الذين يعرفون أنه نشر العديد من القصص القصيرة في الصحف والمجلات لكنها لم تظهر على شكل مجموعة قصصية قائمة بذاتها. فيأتي الرد المؤلم بأنه دفع مجموعته القصصية إلى وزارة الثقافة وحينما سأل عنها الخبير أخبره ببرود بأنّ المخطوطة قد ضاعت! لكن عزاءه الوحيد أن هذه القصص منشورة ويمكن العودة إليها إذا ما بذل الباحث أو الدارس بعض الجهد للوصول إليها.
ليس غريبًا أن يُكرِّس البكري كتابًا عن صديقه عبدالرحمن مجيد الربيعي يحمل عنوان (عبدالرحمن مجيد الربيعي وتجديد القصة العراقية) وقد تعرّف إليه، كما أشرنا سلفًا، في مدينة الناصرية ومقاهيها الكثيرة. ثم تطورت علاقتهما الاجتماعية إلى أن أصبحت علاقة أخوية وعائلية بعد زواجهما. وكان البكري يقرأ ما يكتبه الربيعي والعكس صحيح، ويرى أن الربيعي قد اشتهر بسرعة وذاع صيته عراقيًا وعربيًا حيث تُرجم بعض مجموعاته القصصية إلى لغات أوروپية عديدة.
أدب الرفض الأمريكي
لا يقل كتابه النقدي الثاني (أدب الرفض الأمريكي) أهمية عن كتبه النقدية الأخرى. فهو يتضمن عددًا من كُتّاب الرفض الأمريكيين من بينهم أرنست همنغوي صاحب رواية (الشيخ والبحر) التي فازت بجائزة نوبل وآرثر ميلر الذي أجبروه على الانفصال عن زوجته النجمة الشهيرة مارلين مونرو المتهمة بالتجسس لمصلحة روسيا وقضايا أخرى جعلتهُ يتابع الرواية الأمريكية المناهضة للتوجهات الرسمية. ولعل الكتب الإنگليزية التي قرأها في مكتبة في معهد المعلمين هي التي هيأت له الأرضية الخصبة لإصدار هذا الكتاب النقدي المُعارض للسياسة الأمريكية آنذاك.
ثمة كتاب آخر صدر عن (الموسوعة الصغيرة) ذاتها يحمل عنوان (التجريب في القصة والرواية) خلاصته أنَّ الكاتب العراقي المُجرِّب بشكل خاص لم يلتزم بما دبّجهُ كُتّاب القصة في الأربعينات والخمسينات فيما يتعلق بالبداية والعقدة والحلّ وإنما أخذ يفجِّر ما يريد أن يقوله في مستهل القصة بحيث يأخذ بتلابيب المتلقي ويجبرهُ على متابعة ما يريد أن يقوله.
وكنوع من الوفاء الذي أبداه بعض النقاد والدارسين الذين أصدروا أكثر من كتاب لسليمان البكري من بينهم الدكتور علي متعب جاسم والدكتور فاهم طعمة اللذين أشرفا على إصدار كتاب (الناقد وآفاق القراءة) أمّا الكتاب الثاني فهو (الرؤية والكتابة) الذي يرصد تجربة القاص الستيني المعروف غازي العبادي فقد صدر بدعم من الدكتور علي متعب، رئيس تحرير مجلة (الأديب العراقي). وعلاقة البكري بغازي العبادي تشبه في حميميتها علاقة البكري بعبد الرحمن الربيعي حيث كان يكتب دراسة نقدية عن كل مجموعة يُصدرها العبادي ثم جُمعت هذه الدراسات وظهرت في كتاب قيّم ما كان له أن يظهر لولا الجهود الجهيدة للدكتور علي متعب الذي جمع هذه المقالات وبوّبها في كتاب أنيق.
أمّا عن دوره في ولادة اتحاد أدباء ديالى أجاب البكرى بأنه، مع مجموعة من الأدباء والشعراء، قدّموا طلبًا لاتحاد الأدباء العراقيين- المركز العام لفتح فرع لهم في ديالى وتمت الموافقة لتوفرهم على الشروط المطلوبة. ثم قدّم البكري كلمة أخيرة شكر فيها القائمين على الفيلم وتمنى أن يكون العراق بلدًا عامرًا، محبوبًا، ومشهورًا ليس على مستوى الأدب فحسب وإنما على كل المستويات الثقافية والفنية والسياسية.
تصحيح هنات الراوية وهفواته
لا شكّ في أنّ الناقد سليمان البكري قد بلغ السابعة والثمانين حينما شارك في هذا الفيلم الوثائقي ومن الطبيعي أن ينسى بعض المعلومات. وكان على السينارست الذي يكتب السيناريو عادة بعد التصوير في الأفلام الوثائقية أن يدقق في الأخطاء التي ارتكبها الراوية أو أي مشارك آخرَ في الفيلم ويحاول جهد الإمكان تداركها عن طريق تصوير بعض اللقطات القصيرة وتصحيح الأخطاء التي وقع بها بعض المشاركين ثم إعادة مَنتجة الفيلم لإظهاره بالصيغة المناسبة التي تجعل منه وثيقة حقيقية لا يعتورها الخطأ ولا يشوّهها النسيان أو التصحيف. ومن أبرز أخطاء هذا الفيلم أنّ الراوية البكري لم يعرف إن كانت الفنانة زينب (فخرية عبدالكريم) هي شقيقة السيد داخل خالد حسن أم لا؟ كذلك لم يتذكر البكري مكان صدور المجلة العراقية المشهورة (الكلمة) التي كان يرأسها الأستاذ حميد المطبعي إن كانت في كربلاء أم النجف مع أنّ جميع المعنيين بالشأن الثقافي العراقي يعرفون أنّ مكان صدورها هو مدينة النجف التي تضم مجموعة كبيرة من كُتاب الستينات. كما نسي البكري اسم رواية لآرثر ميلر مع أنه كتب عنها في كتابه الموسوم (أدب الرفض الأمريكي). أتمنى على أي مخرج وثائقي أن يعتمد على باحث رصين يستطيع أن يلتقط الخطأ بشكل سريع ويحاول تصحيحة في أثناء التصوير أو بعده ضمن المَنتَجة التقويمية التي تُقدّم في خاتمة المطاف فيلمًا ناجحًا يرتقي إلى مستوى الوثيقة التي يتمناها المتلقي العراقي.
نخلص إلى القول إنّ هذا الفيلم ليس فيلمًا خاصًا بالناقد سليمان البكري فقط وإنما يشمل كل الشخصيات التي ظهرت في متن هذا الفيلم الجميل الذي غطّى أحداثًا ووقائع كثيرة بدءًا من ثورة العشرين، مرورًا بجيل الستينات، وانتهاء بالسنوات الأخيرة من حياة البكري التي شهدت جمع غالبية أعماله النقدية الخمسة ووضعها بين يديّ القارئ العراقي والعربي في أقل تقدير.
بقي أن نقول إن مصطفى الهود هو مخرج أفلام روائية ووثائقية عديدة بلغ مجموعها حتى الآن 17 فيلمًا جاءت على الشكل الآتي: أربعة أفلام روائية وهي (الفن رسالة)، (الينبع)، (السجّان الأخير) و (قلوب رحيمة). أمّا الأفلام الوثائقية الثلاثة عشر فهي: (هزار الدجلتين - سيرة الشاعر أنمار الجراح)، (أحمد الخياط - سيرة المحامي أحمد خلف الخياط)، (جمعية مصوري العراق - فرع ديالى)، (بناية السراي: تاريخ وحاضر)، (سعدون شفيق سعيد - كاتب وإعلامي وصحفي)، (ثامر گُلاز - سيرة رياضي ومدرب)، (تاريخ الصحافة في محافظة ديالى)، (جواد سليم - تاريخه وإنجازاته)، (عمّتُنا النخلة)، (قطار الساعة السابعة - عن فيلم صُوِّر في ديالى عام 1962)، (حكاية نهر)، (سليمان البكري - معلم الأجيال)، و (تاريخ بعقوبة - قيد الإنجاز). جدير ذكره أنّ مصطفى الهود يحمل شهادة البكالوريوس في الإخراج من قسم الفنون السينمائية والتلفزيونية عام 2024 ولديه العديد من الأعمال الإذاعية والتلفازية. فاز فيلمه المعنون (الفن رسالة) بالمركز الثاني في مهرجان جامعة المستقبل ببابل من بين 90 فيلمًا مشاركًا في المسابقة. كما شارك بعض أفلامه في مهرجانات محلية وعربية من بينها (حكاية نهر) و (هزار الدجلتين – سيرة الشاعر أنمار الجرّاح) اللذين عُرضا في مهرجانيّ دُبي والإسكندرية.
***
لندن: عدنان حسين أحمد







