عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

أمين اليافعي: سعيد عولقي.. رحيلُ السامر العدني

كأن الغياب الاختياري منذ سنوات طويلة لم يكن سوى نصّه الاحتجاجي الأخير.. يرحلُ الأديب الكبير سعيد عولقي، حارس الأسئلة القلقة، بعد أن ترك في جبين الذاكرة الأدبية والثقافية خطوطاً ومساراتٍ متينةً وبارزةً. لم تكن "التركة" مجرد مسرحية عابرة في سيرة البلاد، بل كانت وصيةً مكتوبةً بحبر النبوءات، وصدىً عميقاً لأوجاع وطنٍ تنهشه الحكايات المتنازعة. كانت نصوصه مرايا تعكس تشظي ذواتنا على سطح مياه التاريخ المتقلبة، والمتفرقة بعنفوان في كل الاتجاهات والمتاهات. يرحلُ اليوم ابن الأرض المتعبة، ليضيف إلى حزننا حزناً، وإلى لغتنا يُتماً جديداً، وكأن الموت بات لا يحلو له إلا أن يقطف حرّاس المعنى، واحداً تلو الآخر.

وُلد سعيد عولقي في عدن المُستعمَرة عام 1946، وكانت المدينة في شكلها الاجتماعي صورةً مكثفةً لتلاقي كل خطوط الطول والعرض للكون الكوسموبوليتي، ولتقاطعات اتجاهاته المتعارضة، فتكثّفت بالتفاصيل والعوالم المتنوعة، ثم تلتها فترة الاستقلال الوطني التي اعادت ضبط كل تفاصيل الحياة وفق توجهٍ إيديولوجيٍّ وحيدٍ وصارمٍ. وهكذا جاءت روايته "السمار الثلاثة"، الصادرة عام 1993، لتُقيم من هذه المدينة فضاءً روائياً بالغ التركيب، يعتمد على تقنية المفارقة والاسترجاع (الفلاش باك) بين أزمنة وحُقب مختلفةٍ تماماً.

ولعل رواية "السمار الثلاثة" أبلغ شهادة على ما أودعه عولقي في كتابته من فلسفة مضمرة، لا تُقرأ على سطح الحكاية، بل تتكشّف في طبقاتها الأعمق. فقد اختار أن يجعل من "النادي الثقافي" المحاذي لطريق الملكة أروى في عدن ليس مجرد حيزاً جغرافياً، بل فضاءً وجودياً بامتياز، هو المكان الأخير الذي غدا فيه النسيانُ فضيلةً، والفرحُ بالتالي ممكناً. وحين اُغلِقَت أبوابه أمام الفنانين والمثقفين وهُجِر، لم يسقط بناءٌ من الإسمنت، بل سقطت حصانة الحياة العادية في وجه جبروت اليومي وقسوته، لقد تم سلبهم نعمة النسيان، وردم كل ثقبٍ يتسرب منه الضوء إلى الوجدان الجمعي.

وفي هذا الفضاء الروائي المثقل بالدلالة، يتجلى "السمار الثلاثة" - الكاتب والملحن والمخرج - كأنهم أوجه متعددة لشخصية واحدة: المثقف العربي الذي أُوقف على حافة المعنى وخُيّر بين الصمت أو الانكسار. أحمد القاضي يحمل الشعر سلاحاً في معركة لا يُعلن عنها، لكنه يخوضها يومياً حين يكتب ما تفرضه المهنة لا ما تمليه القناعة. وأنور خان يعرف أن الأغنية التي تُصنع لأرواح ميتة لن تُحرك فيها ساكناً، فيقف أمام آلته الموسيقية كمن يقف يشدو أمام مقبرة. أما مهدي باسنبل فلا تمزقه الرقابة لأنها تسرق أعماله، بل لأنها تسرق منه حق التساؤل ذاته؛ ذلك الحق الذي هو أصل الفن وينبوعه.

وفي هذه الرواية، ابتدع الكاتب أسلوباً حوارياً فريداً أسماه صراحةً "العبارات الطائشة"، حيث يتراشق الأصدقاء بعبارات مجنونة تنطلق من أفواههم في كل الاتجاهات كالرصاص، لكنها دون هدف. هذا التراشق الحواري يتميز بالإيقاع السريع والتنقل المفاجئ بين المواضيع السياسية والاجتماعية الحساسة دون روابط منطقية ظاهرة، كما تتسم لغة الوحدات الحوارية بكثافةٍ تناصِّية تستدعي الأمثال الشعبية وشخصيات التراث والمرجعيات الفلسفية في آنٍ واحد، مُحوِّلةً السخرية السوداء إلى سلاح نقدي يُعريّ جميع أنواع التناقضات. وهذه التقنية تبرز حالة الغضب والتمزق الفكري للمثقفين، كما يصفها السارد بأن خطورتها تكمن في أنها لا تؤذي أحداً سوى المصدر الذي تنطلق منه (أي المثقفين أنفسهم). إنها ليست فوضى أسلوبية، بل هي صورة دقيقة لحال المثقف الذي فَقَد مرجعيته الصلبة وصلابته الذاتية وثباته الانفعالي؛ فكلامه الطائش يؤذيه هو قبل غيره، وغضبه يعود إليه سريعاً مثل رجع الصدى، ولهذا فقد بات يعيش في نظام لا يحتاج إلى قمعه، بل يكتفي بأن يجعله يقمع نفسه بعنفً من الداخل، ومع كل جملة يتفوه بها. هذا ما أدركه عولقي بعمق: أن أخطر أشكال التسلط هو الذي يتحول إلى حالة نفسية مكثّفة داخل ضحاياه أنفسهم.

وداعاً يا صانع الدهشة.. قد مضيتَ جسداً، لكن "تركتك" ستظل نقشاً على صخور وألواح البلاد، تقرأها الأجيال القادمة كلما اشتاقت إلى صوتٍ يُشبه تفاصيلها الكثيرة والمتنوعة، يلامس جوهر قلقها ومتاهاته المستدامة. رحلتَ ولم تُغلق سؤالاً واحداً، وهذا وحده كافٍ لتظل حياً في كل نص يُكتب على هامش الحكاية.

نبذة ذاتية - البطاقة التعريفية:

كاتب مسرحي، روائي، وباحث يمني بارز، من مواليد عام 1946م. يُعد من الرعيل الأول المؤسس للحركة المسرحية والثقافية في اليمن، وصاحب بصمة واضحة في الإدارة الثقافية والعمل النقابي.

المسيرة المهنية والقيادية

تدرج العولقي في عدة مهام ومناصب محورية ساهمت في تشكيل المشهد الثقافي اليمني:

- تأسيس الفرق المسرحية: شارك كعضو مؤسس في تكوين "فرقة الجنوب للمسرح" (1965م)، ثم "فرقة المسرح الحديث" (1969م).

- إدارة الأبحاث: انتقل للعمل بوزارة الثقافة والسياحة عام 1978م، حيث أسس وترأس "قسم الأبحاث والدراسات المسرحية" حتى عام 1979م.

- الصحافة الثقافية: ساهم في تأسيس وإصدار "مجلة الفنون" مطلع عام 1980م، وتولى مهام مدير تحريرها في فترة التأسيس.

- العمل النقابي: انتُخب عام 1987م رئيساً لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين (فرع عدن).

- المناصب الحكومية: عُين مديراً عاماً للإدارة العامة للثقافة بوزارة الثقافة في صنعاء (1990م - 1995م)، ليصدر بعدها قرار جمهوري عام 1995م بتعيينه مديراً عاماً للمؤسسة العامة للمسرح والسينما.

الإنتاج الأدبي والفكري

زاوج العولقي في مسيرته بين الإبداع الخيالي والتوثيق المنهجي، ومن أبرز أعماله:

المسرح: عمله الإيقوني "مسرحية التركة"

التوثيق والدراسات: أصدر كتابه المرجعي المهم "سبعون عاماً من المسرح في اليمن" عام 1983م.

الأعمال الروائية والقصصية: صدرت له رواية "السمار الثلاثة" عام 1993م. كما حظيت قصته "الخلافة" باهتمام دولي وتُرجمت إلى اللغة الإنجليزية لتُنشر ضمن مجموعتين أدبيتين.

المقالات والصحافة: أصدر عام 1993م كتاب "شقلبانيات"، والذي يضم مختارات من كتاباته ومقالاته الصحفية، كما دوام على الكتابة الصحفي

***

أمين اليافعي

 

في المثقف اليوم