عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

علي حسين: روايات خالدة.. "كفاحي" عندما يختفي الروائي داخل كتبه

عندما يطالع القارئ غلاف كتاب (كفاحي) للكاتب النرويجي كارل أوفه كناوسغارد سيُثيره العنوان حتماً، وستعود به الذاكرة إلى كتاب (كفاحي) للزعيم النازي (أدولف هتلر)، الأمر الذي جعل بعض القراء يسخرون من الكاتب الذي يحلم أن يصبح مشهوراً باستخدام أسماء تثير حفيظة الناس.. يكتب كناوسغارد: «ليسَ هناك فرصة لأنّ يصبحَ أي أحدٍ نازياً من خلالِ قراءةِ الكتاب».. والمثير في الأمر أن كتاب كفاحي لهتلر وكتاب كفاحي لكناوسغارد انضما إلى قائمة الكتب الأكثر تأثيراً، الأول حين اختير ضمن مئة كتاب أثّرت على القرن العشرين، فيما اختير كتاب كناوسغارد ضمن قائمة نشرتها مؤخراً صحيفة (الغارديان) البريطانية لأفضل مئة كتاب صدرت في القرن الحادي والعشرين.. فيما تنظر إليه الأوساط الثقافية في النرويج باعتباره نجمها المفضل .

صدر الجزء الأول من سداسية كناوسغارد (كفاحي) عام 2009، آنذاك كان يبلغ من العمر 41 عاما -ولد في السادس من كانون الثاني / يناير عام 1968- وكان قد نشر بعض الروايات القصيرة، فازت إحداها بجائزة النقاد النرويجيين، لكنه قرر أن يكتب سيرة حياته، يسترجع الماضي، فوضع قرب سرير النوم رواية (البحث عن الزمن المفقود) لمارسيل بروست: «أردت أن أكتب شيئاً مختلفاً تماماً، أن أكتب عني وعن والدي».. والده كان يعمل في مهنة التعليم، ينتمي إلى الطبقة المتوسطة، يذهب كل انتخابات للتصويت للحزب الليبرالي، لكنه في يوم من الأيام تتغير حياته ليتحول إلى مدمن مخدرات، يتذكر أن والده كان في الأربعين من عمره عندما غادر المنزل دون أن تعرف العائلة ما الذي حصل، ليُتوفى بعد ذلك بسنوات قليلة. بعد عشر سنوات على موت الأب يقرر كناوسغارد أن يعيد رواية ما حدث من دون أية محاولة لتزويق الوقائع: «فقط الحقيقة من دون ألاعيب ولا ذكاء».

في البداية كان الكتاب يسير ببطء، مجرد خمس صفحات كل يوم، ثم أصبح الأمر نوعاً من التعويد؛ 20 صفحة يومياً، لا يهتم فيها بالمراجعة والتدقيق.. إنه يكتب عن كل شيء مرّ في حياته: «تفاهة كل يوم. يمكنني الكتابة عن أي شيء». لكنه بعد ذلك سيشعر بالخجل لأنّ الرواية كانت تروي ذكريات مؤلمة عن مرحلة الطفولة، وفترة المراهقة: «كان مثيراً للاهتمام بالنسبة لي فقط. لقد شعرت بالخزي من عرضه على دار النشر».

إضافة إلى سيرة الأب المتناقضة، كان هناك سبب للكتابة، إنها رواية مارسيل بروست التي تحدّته، فقد كان يسأل أصدقاءه: «هل يمكن قراءة رواية تتجاوز صفحاتها الـ 2000 صفحة، ومن ذا الذي لديه الوقت لذلك»، عندما نشر الجزء الأول من (كفاحي)، أعلن للقراء أن روايته ستتفوق على رواية بروست بعدد الصفحات: «أما الفن.. لا يجرؤ أحد أن ينازل العبقري الفرنسي»، بيعت أكثر من 500 ألف نسخة من الجزء الأول، في بلاد يبلغ عدد نفوسها خمسة ملايين. قال مرة للصحفيين «إن هناك أكثر من سبب للكتابة، فهو إنسان خجول بطبعه، لكنه في قرارة نفسه يعتقد أنه نسخة من أبيه، أراد من خلال الرواية أن يعيش حياة أُخرى وأن يمزج ما بين حياته الداخلية والخارجية، يروي الجزء الأول من (كفاحي) حادثة موت الأب ويمرّ على سيرة العائلة: طلاق والديه، مغامرات المراهقة، الجامعة، الزواج الأول، الأبوة، الضجيج والفوضى التي كان يحدثها والده في البيت، موت الأب. عندما قرر أن يروي كل هذه الأحداث لم يخبر حتى زوجته، اختلى في غرفته الخاصة مع حاسوبه الشخصي، يتذكر أن الساعة كانت تشير إلى الثالثة ليلاً، يشعر بالأرق، زوجته نائمة في غرفة مجاوره، ذهب يطمئن على أطفاله الثلاثة، عاد إلى الحاسوب وبدأ بكتابة الجملة الأولى: «وبالنسبة للقلب، الحياة أمر بسيط: ينبض طالما ظل قادراً على النبض، ثم يتوقف عاجلاً أو آجلاً»، وسيجد نفسه يواصل البوح عبر جهاز الكومبيوتر قبل أن ينتبه إلى أصوات أطفاله وهم يستعدّون للذهاب إلى المدرسة.. أصر أن يبقى الأمر طيّ الكتمان، كان يعرف أن الرواية ستسبب له مشاكل مع عائلته، «في مجتمع محافظ لا يمكن لك أن تنشر غسيل عائلتك القذر»، بعد نشر الجزء الأول حاولت عائلته التي أغضبتها الروية أن توقف نشر الأجزاء الباقية، هددت بمقاضاة دار النشر، أقامت دعوى قضائية على الابن العاق الذي يكذب، لكنه ظل يحاججهم دون جدوى: «كتبتُ الحقيقة، لكنه يصرون على أنها أكاذيب». ومثل كاتبه المفضل (روبرت موزيل) الذي أراد لروايته أن تستمد أحداثها من تجارب شخصية عاشها، يتذكر أن رواية موزيل الشهيرة (رجل بلا صفات)، جعلته يكتشف أن مشكلة الإنسان هي أنه لا يستطيع الحسم، ويخاف من المستقبل، بعد أن نُشرت (كفاحي) عاش كناوسغارد وهو يتوقع أن والده سيعود في يوم من الأيام ليعاقبه على ما ارتكبه من فضيحة بحقّ العائلة، التي وجدت نفسها مطاردة من الصحفيين يسألون: «هل حقاً فعلتم هكذا؟»، كانت زوجته هي الوحيدة التي اطّلعت على المسودات، قرأتها في رحلة قطار طويلة إلى ستوكهولم، قالت له بعد الانتهاء منها: «إن حياتنا معاً لا يمكن أن تكون رومانسية أبداً مرة أخرى»، وفي مرة أخرى اتصلت وهي تبكي، مر الزوجان بأزمة عميقة بعد النشر، يقول كناوسغارد إن القلق يطارده وهو ينظر إلى وجوه أطفاله: أتخيل أنهم سيقرؤون الرواية ويعرفون أشياء فظيعة عن والدهم.. كيف سيكون ردّ فعلهم على ما قرأوه؟ إنهم الآن سعداء بالحصول على الكتب التي كتبها، أما في المستقبل، فلا أعرف. وما أعرفه جيداً أنني لم أقصد إيذاء أحد، لقد كتبتُ بقلب نقيّ، لقد حاولت أن أقدم حياتي كما هي، إن تقديم العالم كما هو يجعل حياتي تستحق العيش». يصرّ على أن الحقيقة يجب أن تُكتب بلا تزويق. قال إن الكتابة جعلته يطرد الخجل من حياته: «حين تكتب، فالفكرة كلّها كيف تصير حرّاً. مِمَّ تصيرُ حُرّاً؟ من الناس الذين يبحلقون بك. أعتقد أن الخجل يلعب دوراً رئيساً في الحياة الاجتماعيّة. إنّه ينظّم كلّ شيء ويجعل الناس يتصرّفون بأدب ولياقة تجاه بعضهم البعض. لكنّني أملك الكثير منه، جرعاتٍ مفرطة. أنا مقيّدٌ للغاية وليس بوسعي فعل شيء" .

في سن المراهقة أراد أن يصبح كاتباً مشهوراً، يتذكر مقابلة أُجريت معه لإذاعة الكلية حين قارن نفسه بإرنست هيمنغواي وكنوت همسون، بعد صدور رواية (كفاحي) اكتشف أن بإمكانه الاختفاء داخل كتابته: «لطالما اختفيت حين كنتُ أقرأ، كانت هذه تقريباً هي غاية القراءة لديّ، ألّا تكون أحداً لبضع ساعات. الآن تحقّق ذلك أثناء كتابتي. أن تختفي بهذا المعنى، أن تدخل حالة نكران للذات، هو أمر أؤمن أن كل موسيقيّ، رسام، ممثّل، مُخرج وكاتب يعرفه. إنّه أمر كامن في جوهر الخلق ذاته. على خلاف أي وسيط آخر، بإمكان الأدب أن يكسر الحدود التي أقامها المُجتمع. إنّه يتحدّث بصوتٍ تأثّر بأصوات كل الأوقات والآداب الأخرى. المفارقة هي أن الشهرة، التي ما تفتأ تؤكّد على الفرد، وثيقة الارتباط بنكران الذات، الذي هو طمسٌ للفرد؛ فالرغبة بأن تُرى وثيقة الارتباط بمتعة إخفاء الذات».

في الجزء الأخير من الرواية يخصّص مقالة صغيرة عن هتلر ومذكراته، معترفاً بأن جزءاً من شعبيته المكتسبة نتيجة بوحه الذاتي المؤلم موازية لذات الحالة المدهشة التي أصابت الألمان عندما قرأوا كتاب هتلر (كفاحي) فتعاطفوا معه وتبعوه. والغريب في حياة كناوسغارد أنه لم يكن في يوم من الأيام مهتماً بالسياسة، وفي كل مرة يقول للصحفيين إن «مهمتي هي تقديم صورة شديدة السطوع عن ذلك الفخّ الذي وقعَت فيه البشريّة في هذه الأيام والتي يسمونها أيام الرأسماليّة المتأخرة، حيث فقدت روحها وتاهت بأروقة الضجر والكذب».

يعترف كناوسغارد بأن الكتابة جعلته يدمن على الشهرة، مثل إدمان والده على المخدرات، لكن الخجل لا يزال يطارده: «ما زلت أعاني من هذا الإحساس لدرجة لا أستطيع معها أن أحمل نفسي على ذكر ما حدث -وجهي على صفحات الجرائد الأولى، وجهي في التلفزيون- لأنّني، إذا ذكرتُ ذلك، كأنّني أقول: لقد صرتُ أحداً، انظر لي! لكن هذا ما أفكّر فيه فعلاً. لقد صرتُ أحداً، انظر لي. وفي الوقت نفسه، يخبرني شيءٌ آخر بالعكس: أنت لا أحد. لماذا تعتقد أنّك صرتَ أحداً؟ وهي فكرة جيّدة. إنّها فكرة أحتفظ بها ليس لأنّني مازوشي، بل لأنني واقعيّ».

بعد صدور الرواية بأجزائها الستة وما أثارته من ردود أفعال يسأل كناوسغارد نفسه: هل كان الأمر يستحقّ كل هذا الغضب والنبذ العائلي والاضطراب والكره الشديد؟: «دائماً ما أواجه بهذا السؤال المثير: هل تعتقد أن أدبك كل هذا الضجيج؟ هل الأدب أكثر أهمية من معاناة الناس بكشف أسرارهم؟ وفي كل مرة يكون دفاعي عن كل هذا، بالقول لقد فعلت هذا بقلب نقي». يؤمن أن الكتابة مهمتها تغيير مفاهيم الناس عن الحياة والموت، وأن مهمتها طرح سؤال: «ماذا يفعل الناس، وليس ماذا يقولون؟"

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

 

في المثقف اليوم