نصوص أدبية

سعاد الراعي: 000 "حلم لم يولد"

كانت تلك الزيارة الأولى التي تطأ فيها عتبة بيتنا وحيدة، بلا ظلّ زوجها ولا ضحكته التي اعتدنا أن تسبق حضوره. عرفتُ، قبل أن تنطق، أن شيئًا ما انكسر في داخلها. زوجي كان قد خرج إلى الساحل مع أصدقائه، يتهيؤون لليلة صيد، وبقي البيت لي ولها، ولصمتٍ ثقيل أخذ يتمدد بين الجدران.

استقبلتها بحرارةٍ لم تستطع ملامحها المتعبة أن تردّها. كان الحزن يغشى وجهها كغيمٍ كثيف، لا يحتاج إلى سؤال ليُرى. ومع ذلك آثرتُ الصمت؛ فزواجها لم يمضِ عليه سوى أسابيع قليلة، بعد قصة حبٍ صاخبة كانت هي شرارتها الأولى، ناضلت فيها كما لو كانت تخوض معركة لإثبات حقّها في الحلم.

عبد القادر… ذلك الاسم الذي كان يمرّ في المعهد العالي مقرونًا بالاحترام. أستاذٌ منضبط، هادئ، يشي وقاره بحكمةٍ لا تُجادَل، وتفانيه في عمله يمنحه هالة رجلٍ كامل. كان قد خرج من زواجٍ دام عشر سنوات، انتهى بلا أطفال، والهمس، الذي لا يجرؤ أحد على الجهر به، يقول إن العقم كان نصيبه وحده لأن زوجته السابقة قد تزوجت وأنجبت.

كان يحمل هذه الحقيقة كسرٍّ دفين، أو كجرحٍ نرجسيٍّ يخشى أن يراه الآخرون، فالرجل الذي لا يخلّف، في مجتمعاتنا، يُسلب إحدى علامات فحولته الرمزية، ويُترك عاريًا أمام مرآةٍ قاسية.

منى كانت إحدى طالباته. لم تنتظر المصادفة؛ بادرت، اقتربت، نسجت خيوطها بصبرٍ ودهاء: فطورٌ صباحي، اهتمامٌ زائد، لحظات اختلاءٍ بريئة المظهر، ونزهات على الساحل بعد انتهاء الدوام. كان عبد القادر، المُنهك من خيبته القديمة، يرى فيها فرصة لترميم صورته أمام نفسه قبل الآخرين. زواجٌ جديد، امرأة شابة تحبه، تعجب به، ترفعه إلى مقامٍ طالما خشي السقوط عنه. كان ذلك كافيًا ليصمت عن الحقيقة.

احتسينا الشاي بصمتٍ متوتر، ثم قالت فجأة، بلا مقدمات، كمن يرمي حجرًا في ماءٍ راكد:

ـ هو لا ينجب… هو عقيم.

وقعت الكلمة بيننا كصفعة. سألتها بهدوءٍ حاولتُ أن أستعيره:

ـ ألم تسأليه قبل الزواج؟ وأنتِ تعرفين أنه لم يُنجب من زوجته السابقة؟

هزت رأسها أسفاً ثم أردفت:

ـ لا، لم أفعل.

ـ لكن الجميع كان يعلم أنه مطلّق ولا أطفال له.

أومأت برأسها مرة أخرى، وأضافت بمرارة:

ـ نعم… لكنني لم أتَصوّر أنه عقيم. لم يكن صادقًا معي. وأنا… كأي امرأة، أريد طفلًا.

كان في صوتها صدقٌ موجع، وفي دموعها خيبة حلمٍ لم يُمنح حتى فرصة الاكتمال. سألتها:

ـ ولماذا لم تُلحّي بالسؤال؟

ترددت، وارتبك صوتها، وفاحت رائحة الكذب الممزوج بالخجل:

ـ سألته… ولكن…

ثم انفجرت بالبكاء.

قلت، وكأنني أختبر المعنى:

ـ والحب؟ الرابط الذي بينكما؟

رفعت رأسها، وعيناها غارقتان في فراغٍ بعيد:

ـ وما نفع الحب بلا ثمرة؟ بلا طفل؟

في تلك اللحظة أدركتُ أن عبد القادر لم يكن فقط رجلًا أخفى عجزه، بل إنسانًا أسير كبريائه، خائفًا من مواجهة نقصه، فاختار أن يبني سعادته على صمتٍ هشّ. ومنى، التي دخلت الزواج منتصرة، اكتشفت أنها خرجت منه مهزومة، تحمل في رحمها حلمًا لا يُولد.

سألتُها أخيرًا، بصوتٍ خافتٍ كأنني أخشى أن أوقظ وجعًا نائمًا:

ـ وما الحل؟

لم تُجب. ظلّ السؤال معلّقًا بيننا كندبةٍ مفتوحة، لأن بعض الأسئلة حين تأتي متأخرة لا تطلب خلاصًا، بل تبحث عن شاهدٍ أخير على انكسارٍ لا يُجبر.

حين غادرت، بقي البيت مشبعًا برائحة الشاي البارد، وبأثر حكاية حبٍ انطفأت قبل أن تُنجب حتى ذاكرتها. كان بيتُهما ملتصقًا ببيت عائلتها، قربًا جغرافيًا تحوّل سريعًا إلى حصارٍ نفسي. الأبواب المتجاورة لم تكن مجرد جدران، بل ممرات مفتوحة للتدخّل، وللهمس الذي سرعان ما يصير أوامر. وما إن عرف أهلها نقطة ضعفه، حتى دخلوا منها بلا تردّد، كمن يضغط على جرحٍ ليتأكد أنه ما زال ينزف.

في البدء، بدا الأمر رحيمًا في ظاهره: إلحاحٌ على السفر للعلاج، على استعادة الرجولة من بوابة الطب. وافق عبد القادر، لا بدافع الأمل وحده، بل بدافعٍ أعمق:

 رغبته العارمة في ترميم صورته أمام نفسه قبل الآخرين. سافر، طرق أبواب الأطباء، أنفق بلا حساب، وبذل ما يشبه الفداء، كأن المال قادرٌ على شراء ما عجز الجسد عن منحه. لكنه عاد كل مرة بخيبةٍ أنقى، وبصمتٍ أثقل.

منى، التي دخلت الزواج امرأةً عاشقة، بدأت تتحوّل إلى امرأةٍ تطالب.

 لم يكن طلبها قاسيًا في ذاته، لكنه كان يتراكم، مدفوعًا بأصواتٍ أخرى خلفها. أهلها، وقد أدركوا أنه الابن الوحيد لعائلةٍ ثرية، وأنه الوريث الذي لا شريك له، رأوا في ضعفه فرصة. طالبوه أن يعوّضها، لا بالحب ولا بالحنان، بل بالأوراق والعقود. أن يكتب لها ممتلكاته، كأن الملكية يمكن أن تملأ فراغ الرحم.

وافق... تنازل عن الجزء الأكبر من أملاكه، لا لأنه مقتنع، بل لأنه كان يظن أنّ التضحية ستعيد له احترامه المهدور. كان يرى نفسه رجلًا كريمًا، فوق الشبهات، قادرًا على العطاء حتى وهو مكسور. غير أن التنازل لم يُطفئ النار، بل زادها اشتعالًا. بدأوا يعيّرونه، يذكّرونه بعجزه، يسلخونه من آخر ما تبقّى له من كرامةٍ صامتة.

لم يحتمل. الجسد، الذي طالما خانه، قرر أن يعلن تمرّده الكامل. تدهورت صحته على نحوٍ غامض، أعراضٌ بلا اسم، آلامٌ بلا تفسير. الأطباء وقفوا حائرين أمام حالته، كأن المرض لم يكن في عضوٍ بعينه، بل في مكانٍ أعمق، حيث تتراكم الهزائم غير المعترف بها.

سافر عبد القادر إلى الخارج طلبًا للعلاج، لا لأن الأمل كان واضح المعالم، بل لأن الهروب أحيانًا يتخفّى في هيئة رجاء. كانت منى إلى جواره، تمشي بمحاذاة ظله لا أمامه ولا خلفه، كأنها تخشى إن تقدّمت أن تتركه وحيدًا مع هزيمته، أو إن تأخرت أن تفقد ما تبقّى منها. في غرف الانتظار، حيث تختلط اللغات والروائح وأصوات الأجهزة، كانت تجلس صامتة، تحمل على وجهها إرهاق امرأةٍ أنهكها الوقوف طويلًا بين حبٍ لم يبلغ تمامه، وطموحٍ ظلّ مؤجّلًا كرسالةٍ لم تُفتح.

لم يستطع الأطباء تشخيص حالته؛ فالفحوص كانت سليمة، والتقارير محايدة، والجسد، في ظاهره، لا يشي بما يعتمل في داخله. لأن ما كان يفتك به لم يكن مرضًا يُقاس أو يُرى، بل تصدّعًا عميقًا في صورته عن نفسه. عبد القادر، الذي بنى حياته على وقار الأستاذ، وهيبة الرجل المتماسك، وجد فجأة أن كل تلك الأقنعة لا تصمد أمام حقيقةٍ واحدة: عجزٌ مسكوت عنه، وكرامة مجروحة لم تتعلّم يومًا كيف تعترف بالهشاشة.

كان في داخله رجلٌ يريد أن يُرى كاملًا، حتى وهو ناقص. أراد من السفر أن يكون إعلانًا أخيرًا عن قوته: "ما زلت أقاتل". لكنه، في أعماقه، كان يعرف أن المعركة خاسرة، وأن الجسد ليس سوى مرآةٍ تعكس هزيمةً أقدم. ومع كل فشلٍ جديد، كان يصمت أكثر، لا تواضعًا، بل خوفًا من أن يتداعى ما تبقّى من صورته أمام منى، المرأة التي أحبته لأنه بدا لها يومًا منتصرًا على العالم.

منى، من جهتها، لم تكن أقلّ تمزقًا. ربما كانت تحبّه، لكنها كانت تحب أيضًا صورتها المستقبلية: أمًّا، مكتملة، مرئية في عيون المجتمع. اكتشفت متأخرة أن الحب وحده لا يكفي، وأن الزواج بلا حلمٍ يولد يتحوّل إلى مرآةٍ قاسية، تعكس للمرأة حدود صبرها، وللرجل حدود كبريائه. كانت تطالب، لا طمعًا فحسب، بل خوفًا من أن تذوب في حياةٍ بلا أثر، أن تصبح زوجةً لوجعٍ لا اسم له.

مضيا معًا في طريقٍ بلا لافتات، كلٌّ منهما يسير على حافة ذاته. هو يصمت لئلا ينهار، ويتشبّث بصمته كآخر ما يملكه من سيطرة. وهي تتكلم وتطالب، لا قسوةً، بل محاولةً يائسة للإمساك بمعنى ما. وبين الصمت والمطالبة، كانت حياتهما تتآكل ببطء، كشمعةٍ تحترق لا لتضيء، بل لتؤكّد أنها كانت هنا يومًا، وأن هذا الاحتراق لم يكن بلا ثمن.

وحين رحل عبد القادر أخيرًا، لم يكن الرحيل مجرد موتٍ جسدي، بل نهاية سردية رجلٍ عاش وهو يدافع عن صورةٍ لم تسمح له الحياة بإكمالها. بقيت منى وحدها، لا أرملة رجلٍ فحسب، بل شاهدة على قصةٍ لم تكتمل. بقيت تحمل اسمه كندبة، وذكراه كدرسٍ قاسٍ. بقيت منى… وبقي معها أثره. رجلٌ غاب، وترك خلفه امرأةً تعلّمت، متأخرة، أن النجاة أحيانًا ليست في البقاء مع الآخر، بل في القدرة على البقاء والاستمرار بعده.

***

سعاد الراعي/ المانيا

في نصوص اليوم