نصوص أدبية

ماتيلدا عواد: لغة الليل

في البدءِ، كان الليلُ فكرةً لم تكتمل.

حبرًا أراقته السماءُ على صفحةِ الكونِ الأولى،

لينبتَ من سوادِه معنى الرؤية.

منذ ذلك الحين، وأنا أبحثُ عن عيني في ظلامي،

أمدُّ أصابعي إلى نجمةٍ تهرب كلّما سمّيتها،

كأنّ للنجوم ذاكرةً تخافُ من الضوء.

*

الليلُ ليس ظلامًا،

إنّه مرآةٌ تُطفئُ ما حولها لتُريكَ ما فيك.

وحين أجلسُ في عمقه،

أسمعُ صوتي كما لو أنّه يأتي من زمنٍ آخر،

من امرأةٍ تشبهني،

لكنّها لا تعرفُ أن تقول “أنا”

دون أن يرتجف الهواء حولها.

*

في الليل، تتكشّفُ الأرواحُ كما تنفتحُ الزهرةُ في غيابِ العيون.

تتسلّلُ الأشياءُ إلى حقيقتها،

وتنكشفُ الملامحُ بلا مساحيقَ من النهار.

الوجوهُ التي كانت تبتسمُ في الضوء

تتأمّلُ الآن خوفها بصمتٍ شفيف.

حتى الظلالُ تبدو أقربَ من أصحابها،

كأنها تحرسُهم من شيءٍ لا يُرى.

*

أجلسُ على عتبةِ السكون،

أحتسي من الليل قهوته السوداء الممزوجة بالدهشة،

وأتذكّرُ أنني كنتُ ذات يومٍ أكرهُ الظلام،

قبل أن أكتشفَ أن النورَ يفضحُ ما لا نريدُ أن نراه.

*

في الليل، يتعلّم القلبُ الإصغاء،

لا لأنّ العالمَ يهدأ، بل لأنّ الضجيجَ فينا ينام.

كلُّ فكرةٍ تصبحُ كائنًا من لحمٍ ودم،

وكلُّ حنينٍ يستعيدُ صوته الأول.

تُفتحُ دفاترُ النسيان،

وتخرجُ منها رسائلُ لم تُرسل،

وصورٌ لم تُلتقط،

وعيونٌ لم تودّع بما يكفي.

*

أنا ابنةُ هذا السوادِ المضيء،

أنتمي إلى لحظةِ ما قبل الفجر،

حيثُ العالمُ لم يُقرّر بعد إن كان سيبدأ من جديد.

أكتبُ في الليلِ لأختبرَ نفسي،

كأنّ القلمَ فانوسٌ يسيرُ في ممرّاتٍ منِّي لا تنتهي.

كلُّ حرفٍ مصباحٌ صغيرٌ أضعُهُ على عتبةِ جرحٍ قديم،

وكلُّ سطرٍ طريقٌ إلى ذاكرةٍ كانتْ تنامُ في العتمة.

*

كم يشبهُ الليلُ الكتابة:

كلاهما يفتحُ بابه لمن لا يملكُ وجهًا في النهار.

كلاهما يعيدُ ترتيبَ الخساراتِ كأنّها انتصاراتٌ صامتة،

ويُعلّمانك أن العزلة ليست وحدةً،

بل وطنٌ يُبنى من السكون.

*

الليلُ علّمني أن الصمتَ موسيقى،

وأنّ الظلَّ صلاةٌ طويلة،

وأنّ الأملَ لا يحتاجُ نهارًا كي يزهر.

في منتصفِ العتمة،

يضيءُ القلبُ بما تبقّى فيه من صدقٍ،

ويمشي وحيدًا —

لكنّه يعرف الطريق.

*

حين يقتربُ الفجر،

أسمعُ الليلَ ينسحبُ من تحت جلدي،

كمن يُسلّم مفاتيحَ الأسرار إلى الضوء.

يهمسُ لي وهو يرحل:

“لا تخافي من الظلام بعد الآن،

فكلُّ ما لم يُقل في النهار،

قاله الليلُ عنكِ.”

*

فأبتسم،

وأغلقُ النافذة،

وفي عيني بقايا نجمٍ تأخّر في الرحيل،

وفي قلبي لغةٌ لا تُكتَب إلا بالحبر الأسود،

لغةٌ اسمها: الليل.

***

الشاعرة الفلسطينية ماتيلدا عواد - الناصرة

في نصوص اليوم