نصوص أدبية

حميد بن خيبش: البـــيدق

لم تكن "هنية" على علم بما يجري.

بدا الزفاف عاديا، ونزولا طيعا عند رغبة أب عاشت هنية دوما طوع بنانه . أما الأب الذي لازمه لقب "البيدق" حتى خفي عن القرية اسمه الحقيقي، فكانت تعلو محياه ابتسامات ذابلة، يوزعها يمنة ويسرة على حضور تنضح أساريرهم بعطر الشماتة !

لم يجرؤ أحد من الأهالي أن يحتال على البيدق يوما أو يغنم منه خُطام بعير؛ فالرجل رغم قصر قامته وضمور بنيته، إلا أنه يتصدر أخبار القرية وأسمارها، فالضحايا كـُثــُر، والمقالب تُنبيك عن دهاء غير عادي.

كان اليـُتم شفيعه لدى أهل القرية ليتولى رعي قُطعانهم لقاء دراهم معدودة. لكنه سُرعان ما كشف عن مواهبه ليُصبح تاجرا للمواشي، ثم مسؤولا عن تموين الثكنة العسكرية المجاورة بالزاد والأفرشة. وكعادة أثرياء الطفرة الكاذبة، سُرعان ما اجتـالته شياطين المدينة ونادته مفاتنها: هيت لك !

عاد إلى القرية رُفقة صبية كالبدر ليلة تمامه. صدق الأهالي توبته وعزمه التفرغ لرعاية ابنته، فتولت أياديهم البيضاء سد حاجة العائدين بعد طول غيبة. كان المشهد قبيل الغروب مَكرُمة تعالت على الوصف: سلال خضر، وأكياس قمح تفد على البيت المتواضع من جهات القرية الأربع. حتى "أمي زهرة" التي تعيش على الكفاف زينت جيد هنية بقلادة من الخرز الملون .

 لكن البيدق سرعان ما كشف عن مواهبه مجددا ليُقنع شباب القرية بالعائد المُغري للهجرة ما وراء البحر، فانسلوا تباعا حتى خلت القرية من ساعد يُباشر الحرث والبذار. وأسرع البيدق إلى تمكين الأهالي من الجرارات والمحاريث العصرية، لقاء سداد مؤجل؛ حتى إذا ناءت الكواهل بعبء الديون، تطوع البيدق للسداد لقاء حيازة مؤقتة للأرض، ريثما يعود ابن مهاجر أو تصل حوالة منقذة !

خيم على القرية همود مهيب.

بدت كأن غاصبا استل روحها.

 الخضرة وبيادر القمح غدت مثار حسرة في نفوس الأهالي، فعما قريب سيجلب "البيدق" حمالين لنقل خيرات القرية إلى سوق الجملة ليستوفي ديونه، ويُمكن الأهالي من قروض صغيرة تسد الرمق .

تنبهت شياطين المدينة مجددا للبيدق فاجتالته، لكن في عقر داره !

دُبرت له المكائد تباعا للنيل من دهائه وغنائمه. وترنح هو مرارا تحت ضربات كادت أن تُفقده صوابه، حتى إذا ضاقت عليه السُبُل قصد كبيرهم لينقاد مُرغما لشروط اللعبة، ويُقدم هنية ثمنا للإبقاء عليه وعلى مواهبه!

طبعا، لم تكن هنية على علم بما يجري، فقد بدا الزفاف عاديا، ونزولا طيعا عند رغبة أب عاشت هنية دوما طوع بنانه !

***

حميد بن خيبش

في نصوص اليوم