نصوص أدبية

عبد الرزاق اسطيطو: لعنة القط البري

بمجرد أن رأى وجهه المشوه على المرآة حتى صار كأنه جثة مصلوبة في الهواء بلا حس ولا حركة، كل شيء فيه توقف دفعة واحدة... تحسس الجروح الطرية المنتشرة  كالخرائط على وجهه غير مصدق لوجودها، وبدأت ذاكرته تغلي كالبركان ووجهه يحمر غضبا وهو يحاول أن يعيد أحداث الليلة الماضية حدثا بحدث، ولحظة بلحظة، وكلمة بكلمة، ولما فشل في ذلك دخل إلى الحمام وغسل وجهه بسرعة، ولكي يزيل الشك عن نفسه انحنى قليلا تحت الصنبور وترك شعره الأسود الطويل تحت الماء عساه يتذكر شيئا ويقطع الشك باليقين بأنه لا يحلم وبأن ما يراه أمام المرآة واقعا حقيقيا لا غبار عليه وليس كابوسا، ولما خانته ذاكرته مرة أخرى تعرى كليا ووقف تحت الماء البارد المتدفق من رشاش الدوش لعله يوقظه من سباته ثم عاد من جديد إلى المرآة، وقد بدأت خيوط الشمس اللامعة  تتسلل من النافذة المفتوحة لتضيء أركان غرفته الضيقة التي تسودها الفوضى، وتفوح منها رائحة العفن والسجائر والحشيش، ليجد الصورة على المرآة هي الصورة، والوجه المشوه هو وجهه ولا شيء قد تغير فيه بل أكثر من ذلك أن الجروح عندما تعرى تبين أنها تجاوزت الوجه لتمتد إلى العنق... ضل واقفا كعمود بلا روح وبلا عقل  جاحظ العينين أمام هول ما رأت عيناه وكل ما بداخله يطرح سؤالا واحدا لا غير يتكرر بصيغ مختلفة، كيف حصل ذلك ؟ من يجرؤ على الاقتراب منه وهو الذي يخشاه كل سكان المدينة؟ فالسجن عنده أرحم من العيش وحيدا في غرفته.. ما تذكره وهو يعيد استحضار ما حصل الليلة الماضية أنه مر على صديقه الحميم الروبيو واشتريا معا قنينتين من ماء الحياة وعلبة من سجائر ماركيز وقطعا صغيرة من الحشيش، وسهر رفقته حتى طلوع الفجر، وبعدها افترقا عند مدخل الحي، وضلت الحلقة المفقودة في الحكاية هو ما وقع ما بين اللقاء وما بين الوداع والافتراق... كسر المرآة بقبضة يده وحولها إلى قطع صغيرة تلمع كالنجوم على زليج الغرفة.. ارتدى ثيابه على عجل وقصد كالريح العاتية بيت صديقه الروبيو، طرق الباب عدة مرات، وهزه بعنف كأنه يريد أن يزيله من مكانه  وقبل أن يفتح الروبيو الباب كان كل الجيران يشرئبون بأعناقهم من النوافذ محاولين فهم ما يحدث، ضل الروبيو مسمرا أمام صديق عمره حميدو سائلا إياه عن من فعل بوجهه وعنقه كل هذه الجروح، ولما تأكد حميدو بأن الروبيو نفسه يجهل الفاعل والحلقة المفقودة من الحكاية، ولأنه يعرف المكان الذي يسهران فيه دائما كلما خرجا من السجن ألا وهو ضفة الوادي تحت أشجار البرتقال والتين بعيدا عن أعين الشرطة قصد المكان كالمجنون تاركا الروبيو في حيرة من أمره واقفا عند عتبة الباب كفزاعة طير في صحراء مقفرة... كان أول ما لفت انتباه حميدو لما وصل إلى مكان سهرة البارحة هو آثار الدم المنتشرة على الكرطونة البالية التي كانا يجلسان عليها وعلى بعض أوراق الأشجار المتناثرة، وعلى الكأسين المهملين بجوار شجرة التين الوارفة التي تظلل المكان وتحرسه بأغصانها المتدلية على مياه النهر تحت أشعة شمس الصباح الخجولة المنكسرة، لما اقترب أكثر من جذع الشجرة لمح فروة القط البني ورأسه المدور وعيونه الزائغة المدمية والخائفة، وأنيابه اللامعة وهي تعض بقوة على اللسان فتذكر حميدو على الفور حكاية القط البري الذي استدرجه وقبض عليه وخنقه وقام بذبحه وسلخه وشيه فوق النار، وجعل من لحمه وجبة عشاء لذيذة زينت جلسته الخمرية رفقة صديقه الروبيو، وتذكر أكثر نقاشه الحاد مع الروبيو حول القط وأصله وفصله بعد أن لعبت برأسيهما خمرة ماء الحياة الممزوجة بدخان الحشيش.. وهكذا تداعت أحداث الليلة على مخيلته الواحدة تلو الأخرى كأنها لقطات سينمائية، تذكر كيف استدرج القط  المسكين الجائع ظانا منه أنه أرنب بري ضل طريقه وقصد جلستهم باحثا عن الطعام ودفء النار، وبالرغم من أن صديقه أقسم له أكثر من مرة بأنه قط بري وليس أرنبا فإن حميدو ضل متمسكا برأيه وبأنه وإن كان قطا بريا فإنه يصلح للأكل كالأرانب وبأن لحمه ألذ من لحم الأرانب، وأكثر ما تذكره حميدو وهو جائع هو لحظة خنقه للقط محاولا ذبحه والقط يقاوم بكل شراسة بأظافره التي امتدت إلى وجه حميدو وعنقه وصدره كأمواس الحلاقة محدثة بها تحت جنح الليل جروحا غائرة ستضل تلازمه مدى الحياة. وهكذا ضلت لعنة القط البري تطارده في كل مكان وفي كل درب وشارع ومدينة، وصارت روح القط البري تخرج له كجني من كل زاوية من زوايا البيت كلما أطفأ المصباح وأراد أن ينام، فحول القط  ليل حميدو نهارا وحياته جحيما إلى أن جن نهائيا وغادر المدينة دون أن يعرف له أثر فشاع بين أهل الحي  بعد غيابه بأنه انتحر غرقا بعد أن ألقى بنفسه إلى مياه النهر.

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

في نصوص اليوم