كانت الساعة الرملية تشير إلى زمان الكفّ عن الدوران عندما وقف العم الحكيم ينفض الغبار الرمادي عن زجاج خزانة خشبية عتيقة تستقر في أقصى العتمة من متحف مدينته القديمة.
أذكرُ ذلك التاريخ جيدا في أواخر عام 1987، وهو البدايات الأولى للانتفاضة الأولى إذْ كان الهواء يتشبع برائحة الدخان والحيطة في "شارع آبار النبي داود"، القريب من كنيسة المهد في بيت لحم، وتحديداً عند ذلك المنعطف الضيق المؤدي إلى بيت "العم خليل"، والذي يبعد عن بيتنا بضع خطوات.
كنت طفلة في السادسة من عمري، أرتدي مريولي المدرسي الكحلي بشريطه الأبيض وأنا في الصف الأول الابتدائي. كانت ملامحي تتأرجح بين براءة الطفولة ودهشة الخوف، أحمل حقيبتي الملونة الثقيلة على ظهري الصغير، ويداي المرتجفتان تغوصان في جيب معطفي الصوفي.
بينما كان "العم خليل" رجلاً كنعاني الروح، لكنه ينضح بأناقة مأخوذة من طراز المثقفين الإنجليز، نحيل القامة وشامخ الهامة كأشجار السرو الممتدة نحو السماء.
كان يرتدي بدلة رسمية متناسقة القَطْع، تطوّق عنقه لفحة صوفية أنيقة تقيه برد كانون، ويضع على رأسه قبعة كلاسيكية تكتمل بها مهابته.
ذقنه حليقة بعناية فائقة، وعيناه تلمعان خلف نظارة طبية ذات إطار دقيق. ينبعث منه دائماً عطر فاخر يسبق خطواته في الأزقة، ويمشي بخطى ثابته متكئاً على عصا خشبية صقيلة، بينما تطوّق أنامله الناعمة سبحة مصنوعة من خشب الزيتون العتيق لا تفارقه أبداً.
توقفت أمام "مفتاح حديدي ثقيل وسراج كيروسين عتيق احتفظ بهما داخل خزانته الزجاجية في متحف بيته.
رمقني بعينيه المتسللتين من أسفل نظارته قائلا: بعض التفاصيل، يا بنيتي، أرواح نستضيفها…بعض التفاصيل... مكانها المتحف.
هكذا أهمس لنفسي اليوم، وأنا أسترجع شريط طفولتي.
مع لمسة أناملي للزجاج، انمحت جدران المتحف، وانزاحت سُتر الحاضر، وهبت رياح كانون الأول من عام 1987 لينحسر المشهد في شارع آبار النبي داود.
كان بيت العم خليل يشبه حصناً دافئاً وسط الخوف، باب خشبي عريض مصنوع من شجر الزيتون العتيق، وفناء سميك الحجارة يفوح دائماً برائحة القهوة بالهيل، والميرمية المغلية، وخشب البلوط المشتعل في الكانون.
عندما اشتدت أحداث الانتفاضة خفتُ كثيراً، فقد كان طريق مدرستنا يمرّ بقبر راحيل، وكان الرعب يترصد بنا هناك كأنه "الغولة" الخرافية التي تحاول إخافتنا لمنعنا من الوصول إلى مقاعد الدراسة. شققتُ الشارع ركضاً وأنا أتمسك بحكايا العم خليل حتى شعرتُ بأمانٍ يسري في جسدي وخفقان لطيف في قلبي.
خُيّل لي لحظتها أنّ العم خليل يجلس على بساط سحري ويطير فوقي…ابتسم بصوت دافئ وقال: أتذكرين يا بنيتي حكاية 'الشاطر حسن' وكيف هزم الخوف بشجاعته؟ و'جبينة' التي حافظت على اسمها وكرامتها رغم كلّ الصعاب؟ حتى 'نص نصيص' الصغير، ألم ينتصر على الغولة لأنه كان ذكياً ولبيباً؟ الخوف الذي شعرت به قرب قبر راحيل اليوم هو مثل غولة الحكايات يحاول أنْ يخيفك لتتركي مدرستك، لكنك ذكية وقوية مثل أبطال قصصنا.
رفع العم خليل المفتاح العتيق وقال بثقة: الغولة تهرب عندما نفتح كتبنا ونقرأ، لأنّ العلم هو سيفنا السحري الذي لا يُهزم.
سلاحكِ يا صغيرتي في هذا الطريق الخائف هو قلمكِ وكراسكِ، وتراثنا الجميل هو درعكِ.
تعلّمي، واحفظي حكايات أجدادكِ، فالذي يصرّ على الذهاب لمدرسته ويتمسك بأرضه هو الشاطر الحقيقي الذي سينتصر في النهاية.
وفي تلك اللحظة، كان سراج الكيروسين يرسل أطيافاً ذهبية على وجهي، استفقت من رحلة الاسترجاع على صوت صرير الأبواب الخارجية، تنهدت، ثم مسحت دمعة زجاجية كادت تهوي على إطار الخزانة.
عاد المفتاح والسراج قطعتين صامتتين خلف زجاج صقيل، يجاورهما دفتر الصف الأول المهترئ، وحجر أملس، ومريول كحلي قديم طالته غبار السنين.
الآن عرفت، نعم، لقد فككت السّر.
إنه السر الأعظم لبعض التفاصيل، والتي تصبح كلّ التفاصيل؛ لأنّ مكانها المتحف.
***
غدير حميدان الزبون
فلسطين








