عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

رمزي ميركاني: الغرفة التي لا تظهر في المخطط

في الليلة التي اختفى فيها عادل، كانت الساعة تشير إلى الثانية وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، وكانت جميع ساعات المنزل متوقفة عند الوقت نفسه.

لم يلاحظ أحد ذلك في البداية، باستثناء أخته ليلى، التي عادت إلى بيت العائلة بعد غياب دام اثني عشر عامًا، لحضور جنازة والدها.

كان المنزل قائمًا عند طرف القرية، بعيدًا عن البيوت الأخرى، تحيط به أشجار سرو طويلة تتمايل أغصانها تحت المطر.  لم يتغير شيء فيه تقريبًا؛ الأثاث الخشبي القديم، والستائر الثقيلة، ورائحة الرطوبة التي تسكن الجدران.  حتى صورة أمها الراحلة بقيت معلقة فوق المدفأة، كأنها تراقب كل من يدخل.

لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا.

في نهاية الممر الطويل، بجوار غرفة والدها، ظهر باب خشبي لم تره ليلى من قبل.

كان ضيقًا، مطليًا باللون الأسود، ومقبضه نحاسيًا صدئًا. اقتربت منه ببطء، ومدت يدها لتلمسه، لكنها سمعت فجأة صوت أخيها عادل خلفها:

-لا تفتحيه.

استدارت مذعورة.

كان عادل يقف عند بداية الممر، شاحب الوجه، يرتدي معطفًا رماديًا مبتلًا، رغم أنه أخبرها قبل دقائق أنه لم يغادر المنزل طوال اليوم.

- سألته: ما هذه الغرفة؟

نظر إلى الباب، ثم إليها.

- لا توجد غرفة هنا.

ضحكت ليلى بتوتر: أراها أمامي!

اقترب منها وأمسك بذراعها بقوة مؤلمة.

- اسمعيني جيدًا. إذا سمعتِ طرقًا من خلف هذا الباب، فلا تجيبي.  وإذا سمعتِ صوت أمي، فلا تفتحيه مهما حدث.

ثم تركها وعاد إلى غرفته، دون أن يفسر شيئًا.

في صباح اليوم التالي، اختفى عادل.

كانت غرفته مرتبة، وسريره جافًا، وحذاؤه بجوار الباب. لكن معطفه الرمادي كان مفقودًا، وكذلك مفتاح صغير وجدته ليلى فوق وسادته، وإلى جانبه ورقة كُتبت عليها جملة واحدة:

«أبي لم يمت كما تظنين.»

شعرت ببرودة تسري في أطرافها.

كان والدها قد مات قبل ثلاثة أيام، بحسب الطبيب، إثر أزمة قلبية مفاجئة. لم يكن هناك ما يدعو للشك. ومع ذلك، تذكرت ليلى أن أباها قضى الأشهر الأخيرة من حياته حبيس غرفته، يرفض مقابلة الناس، ويصرخ أحيانًا في منتصف الليل طالبًا من شخص غير موجود أن يبتعد عن الباب.

اتجهت إلى غرفة أبيها، وبدأت تفتش الأدراج.

في أحدها، عثرت على دفتر جلدي أسود. كانت صفحاته مليئة بتواريخ وأسماء ورسوم غريبة، تتكرر بينها جملة واحدة:

«الغرفة لا تظهر إلا لمن بقي له شيء لم يُدفن.»

وفي الصفحة الأخيرة، وجدت رسمًا تخطيطيًا للمنزل. تأملت الجدران والممرات، ثم شعرت بأن قلبها توقف لحظة.

لم يكن الباب الأسود موجودًا في الرسم.

لكن خلف الجدار الذي ظهر عنده الباب، كُتبت كلمة واحدة بخط أبيها:

«ليلى».

عند الغروب، ذهبت إلى منزل عمها يوسف، الرجل الوحيد الذي بقي من أفراد العائلة الكبار.

حين فتحت له الباب، تغير لون وجهه بمجرد أن سمع اسم الغرفة.

قال بصوت خافت: ظننت أن أباك دفن السر معه.

- أي سر؟

جلس يوسف، وراح يفرك كفيه المرتجفتين.

قبل اثنين وعشرين عامًا، كما أخبرها، اختفت أمها في ليلة عاصفة. قالت الشرطة إنها هربت من المنزل، لكن أباها رفض تصديق ذلك. وبعد أشهر، بدأ يدّعي أنه يسمع صوتها خلف جدار غرفته، تناديه باسمه.

أما عادل، فكان يوم اختفاء أمه طفلًا في السابعة. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد يتحدث عن تلك الليلة.

سألته ليلى: وهل كانت هناك غرفة خلف الجدار؟

أطرق عمها طويلًا، ثم قال:

- كان هناك باب، نعم. لكنه اختفى بعد اختفاء أمك. أقسم أبوك أنه أغلقه بيديه، ثم بنى جدارًا فوقه. ومنذ ذلك الحين، لم يدخل أحد إلى ذلك الجزء من المنزل.

نهضت ليلى.

- ولماذا يظهر الآن؟

لم يجب يوسف. لكنه أمسك بيدها قبل أن تغادر، وقال:

- إذا وجدتِ أخاك، فلا تصدقي كل ما سيخبرك به. أحيانًا، تكون الذكريات أكثر كذبًا من الغرباء.

عادت ليلى إلى المنزل بعد منتصف الليل بقليل.

كان المطر قد توقف، لكن الريح أخذت تصفر بين الأشجار. دخلت الممر، فوجدت الباب الأسود ينتظرها في مكانه.

اقتربت منه وهي تقبض على المفتاح الصغير.

وقبل أن تضعه في القفل، سمعت طرقًا خفيفًا.

ثلاث طرقات.

ثم جاءها صوت أمها، واضحًا، دافئًا، كما تتذكره من طفولتها:

- ليلى... حبيبتي، افتحي الباب.

تجمدت في مكانها.

كان الصوت مستحيلًا.  لقد ماتت أمها، أو هكذا قيل لها طوال حياتها.

تراجعت خطوة، فتذكرت تحذير عادل.

لا تجيبي.

لكن الصوت عاد، هذه المرة مصحوبًا ببكاء خافت.

- ليلى، أنا خائفة. لقد تركني أبوك هنا.

شعرت بدموعها تنهمر دون إرادة منها. وضعت المفتاح في القفل وأدارته.

انفتح الباب ببطء.

خلفه امتد ممر طويل، أضيق من ممر المنزل، تتدلى من سقفه مصابيح صفراء ضعيفة. وعلى الجدران صور عائلية قديمة، بعضها لم تره ليلى من قبل.

في أول صورة، ظهر أبوها شابًا يقف إلى جانب أمها.

وفي الثانية، ظهرت أمها تحمل طفلًا صغيرًا.

أما الصورة الثالثة، فقد جعلت الدم يتجمد في عروقها.

كانت ليلى نفسها، تقف أمام الباب الأسود، بملابسها الحالية، وخلفها رجل يرتدي معطفًا رماديًا.

عادل.

تقدمت بحذر، حتى وصلت إلى غرفة صغيرة في نهاية الممر.

وجدته هناك، جالسًا على كرسي، ويداه مقيدتان إلى ذراعيه. رفع رأسه عندما رآها.

- لماذا جئتِ؟! صرخ. ألم أقل لك ألا تفتحي الباب؟

أسرعت نحوه وفكت قيوده.

- أين أمي؟ ماذا يحدث هنا؟

نظر إليها بعينين دامعتين.

- أمنا لم تختفِ يا ليلى. لقد ماتت في تلك الليلة، لكن أبي لم يكن وحده معها.

تراجع عادل حين سمع صوت خطوات في الممر.

- كنت في السابعة، وسمعت شجارًا. رأيت أبي يدفع أمي، فسقطت وضربت رأسها بحافة المدفأة. ماتت قبل أن يتمكن من مساعدتها. لكنه أخفى جسدها، وأقنع الجميع بأنها هربت.

همست ليلى: ولماذا أخفى الأمر؟

- لأنه كان يخشى أن يعرفوا ما فعله قبل ذلك.

وقبل أن تسأله، ظهر رجل عند مدخل الغرفة.

كان والدها.

وقف هناك بوجه شاحب، وعينين غائرتين، وابتسامة لا تشبه أي ابتسامة عرفتها في حياتها.

قال بهدوء: كنت أتمنى ألا تضطرا إلى معرفة الحقيقة.

تراجعت ليلى وهي تبحث عن مخرج.

- لكنك مت! رأينا جثمانك!

ابتسم الرجل.

- رأيتم ما أردتكم أن تروه.

رفع يده، فسمعت ليلى صوت الباب يُغلق خلفها. حاول عادل الهرب، لكن والدها أمسك به من كتفه.

- أنت السبب في كل هذا، قال الأب. لو أنك لم تتذكر تلك الليلة، لما اضطررت إلى إبقائك هنا.

صرخ عادل: أنت قتلتها!

وفي اللحظة نفسها، انطفأت المصابيح.

سمعت ليلى عراكًا، ثم ارتطام جسد بالأرض. أخرجت هاتفها وأضاءت الشاشة، فرأت أخاها واقفًا وحده في وسط الغرفة.

كان الأب قد اختفى.

وعلى الأرض، قرب الكرسي، ظهرت بقعة دم داكنة.

مع أول ضوء للفجر، خرجت ليلى وعادل من المنزل، واتجها إلى مركز الشرطة. سلّما الدفتر والصور، وأخبرا المحققين بكل ما عرفاه.

لكن الشرطة، عندما فتشت المنزل، لم تجد ممرًا سريًا ولا غرفة خلف الجدار.

كان هناك جدار صلب، قديم، بلا أبواب.

أما والدها، فقد كان جثمانه موجودًا بالفعل في المقبرة، وقد أكد الطبيب وفاته قبل ثلاثة أيام.

لم يصدق أحد روايتهما.

وبعد أسابيع، قررت ليلى مغادرة القرية نهائيًا. وفي الليلة الأخيرة، بينما كانت تجمع أغراضها، وجدت ظرفًا صغيرًا مدسوسًا تحت باب غرفتها.

لم يكن عليه اسم المرسل.

فتحت الظرف، فوجدت صورة فوتوغرافية قديمة لأمها، وعلى ظهرها عبارة مكتوبة بخط والدها:

«لم أقتلها يا ليلى. لقد فتحت الباب بنفسها.»

وتحت العبارة، كُتب تاريخ يعود إلى اليوم السابق لوفاته.

ارتجفت يداها.

ثم سمعت ثلاث طرقات خفيفة على باب غرفتها.

طرقة أولى.

طرقة ثانية.

طرقة ثالثة.

وجاءها صوت أمها من خلف الباب:

- ليلى... حبيبتي، افتحي الباب.

تراجعت ببطء، وعيناها معلقتان بالمقبض.

ثم رأت شيئًا جعلها تصرخ.

لم يكن هناك ظل خلف الباب.

بل كان هناك ظلّها هي، واقفًا في الجهة الأخرى.

وفي اللحظة التي انطفأ فيها الضوء، أدركت ليلى أن الغرفة لم تكن تخفي سر عائلتها فحسب.

بل كانت تنتظرها منذ البداية.

  ***

قصة قصيرة

رمزي ميركاني

في نصوص اليوم