آراء

زهير الخويلدي: العوامل الاقتصادية وراء تخطي الحدود المعقولة في السياسة العالمية

" التوترات الأساسية تحدث بين كفاءة السوق والإنسانية، والاستغلال، والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية، وقوة المال."

المقدمة: في عصرنا الحالي، حيث يتشابك الاقتصاد مع السياسة الدولية بشكل لا يمكن فصله، أصبحت العديد من السياسات العالمية تتجاوز حدود المنطق والمعقول، مدفوعة بعوامل اقتصادية قوية. هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها بلغت ذروتها في السنوات الأخيرة، خاصة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والأزمات الاقتصادية العالمية. على سبيل المثال، يمكن ملاحظة كيف أدت الرغبة في السيطرة على الموارد الطبيعية، مثل النفط، إلى تدخلات عسكرية وفرض عقوبات اقتصادية تبدو غير منطقية في سياق القانون الدولي والأخلاقيات. في هذه الدراسة الأكاديمية الموسعة، سنستعرض العوامل الاقتصادية الرئيسية التي تقف وراء هذا التجاوز، مستندين إلى تحليلات تاريخية ومعاصرة، مع التركيز على أمثلة من الفترة 2020-2026. سنناقش كيف تحول الاقتصاد من أداة للتنمية إلى محرك للسياسات المتطرفة، مستلهمين نظريات اقتصادية مثل الاقتصاد السلوكي والرأسمالية المتأخرة.

جذور العلاقة بين الاقتصاد النيوليبرالي والسياسة غير الرشيدة

تعود جذور تجاوز السياسة العالمية حدود المعقول إلى العصور الاستعمارية، حيث كانت الدول الأوروبية تشن حروباً للسيطرة على الموارد الاقتصادية، مثل التوابل والذهب، دون مراعاة للعواقب الإنسانية. في القرن العشرين، أدت الأزمات الاقتصادية، مثل الكساد الكبير في 1929، إلى صعود أنظمة شمولية مثل النازية، التي اعتمدت سياسات توسعية غير منطقية لتعزيز الاقتصاد الوطني. وفقاً لنظرية الاقتصاد السلوكي، فإن القرارات الاقتصادية غالباً ما تكون غير رشيدة بسبب التحيزات النفسية والضغوط الاجتماعية، كما أوضحت دراسات في علم الاقتصاد السلوكي.  في العصر الحديث، أصبحت العولمة عاملاً رئيسياً، حيث أدت إلى عدم توازن اقتصادي يدفع الدول إلى اتخاذ قرارات متطرفة للحفاظ على هيمنتها الاقتصادية. مع انتشار الرأسمالية النيوليبرالية في الثمانينيات، تحول الاقتصاد إلى محرك للسياسات الدولية، حيث فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سياسات تجارية تبدو منطقية على السطح، لكنها في الواقع تخفي دوافع توسعية. على سبيل المثال، أدت التعريفات التجارية تحت إدارة دونالد ترامب إلى حرب تجارية مع الصين، وصفت بأنها "غير منطقية ومتناقضة"، مما زاد من عدم المساواة الاقتصادية في الولايات المتحدة.  هذه الخلفية تكشف أن العوامل الاقتصادية، مثل المنافسة على الأسواق والموارد، غالباً ما تؤدي إلى سياسات تتجاوز الحدود المعقولة.

العوامل الاقتصادية الرئيسية: المنافسة على الموارد والأسواق

أحد أبرز العوامل الاقتصادية هو المنافسة على الموارد الطبيعية، خاصة الطاقة. في ظل انخفاض الاحتياطيات العالمية، أصبحت الدول مستعدة لاتخاذ إجراءات متطرفة لضمان إمداداتها. على سبيل المثال، في فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم (حوالي 18% من الاحتياطيات العالمية)، أدت السياسات الأمريكية إلى تدخل عسكري في يناير 2026، مدفوعاً بالرغبة في السيطرة على هذه الموارد.

 هذا التدخل، الذي شمل خطف الرئيس نيكولاس مادورو، يعكس كيف يمكن للعوامل الاقتصادية أن تبرر سياسات تبدو غير معقولة، مثل انتهاك السيادة الدولية، لتعزيز المصالح الاقتصادية الأمريكية، خاصة مع انخفاض إنتاج النفط الفنزويلي بأكثر من 1.5 مليون برميل يومياً بسبب سوء الإدارة والعقوبات.

عامل آخر هو عدم المساواة الاقتصادية العالمية، التي تدفع النخب السياسية إلى اتخاذ قرارات غير رشيدة للحفاظ على سلطتها. دراسات تشير إلى أن النخب ترى الفقراء كـ"جاهلين وغير كفؤين سياسياً"، مما يبرر سياسات قمعية أو توسعية للحفاظ على الوضع الاقتصادي القائم.  كما أن الأزمات الاقتصادية، مثل جائحة كوفيد-19 في 2020، أدت إلى سياسات حماية وطنية متطرفة، مثل فرض حظر تصدير على السلع الطبية، مما زاد من التوترات الدولية دون فائدة اقتصادية واضحة طويلة الأمد.

أخيراً، يلعب الاقتصاد السلوكي دوراً حاسماً، حيث يفسر كيف تكون القرارات الاقتصادية غير رشيدة بسبب "السلوكيات غير المنطقية"، كما في نماذج اقتصادية حديثة.  هذا ينطبق على السياسات العالمية، حيث يؤدي الخوف من الانهيار الاقتصادي إلى قرارات متسرعة، مثل التعريفات التجارية التي وصفت بأنها "نواة عقلانية في قشرة حماوية"، لكنها في الواقع تزيد من التكاليف الاقتصادية.

أمثلة معاصرة: من 2020 إلى 2026

في الفترة من 2020 إلى 2026، شهد العالم أمثلة عديدة على كيف تؤدي العوامل الاقتصادية إلى سياسات متجاوزة. أولاً، حرب التجارة الأمريكية-الصينية تحت ترامب، التي استمرت حتى 2025، أدت إلى تعريفات غير منطقية أثرت سلباً على الاقتصاد الأمريكي نفسه، مما زاد من عدم المساواة.

 ثانياً، الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022، الذي كان مدفوعاً جزئياً بالسيطرة على موارد الغاز الطبيعي، أدى إلى عقوبات دولية أثرت على الاقتصاد العالمي، مما يظهر كيف تتجاوز السياسة الحدود بسبب الاقتصاد.

ثالثا أزمة فنزويلا من الانهيار الاقتصادي إلى التدخل العسكري الأمريكي

في 2026، فإن العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا تمثل نموذجاً صارخاً. أعلن ترامب السيطرة على احتياطيات النفط الفنزويلية، مدعياً أنها ضرورية لمكافحة الأزمة الاقتصادية، رغم أن هذا ينتهك القانون الدولي ويؤدي إلى تفكك جيوسياسي أكبر.  هذا التدخل يهدف إلى إعادة بناء صناعة النفط الفنزويلية، التي تحتاج إلى استثمارات بمئات المليارات، لكن تحت سيطرة أمريكية، مما يعكس الدافع الاقتصادي الرئيسي.  كما أن الحصار الاقتصادي الأمريكي على فنزويلا قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي كامل، مع خسارة إيرادات النفط، مما يبرز الجانب غير الرشيد لهذه السياسات. لذلك تشكل أزمة فنزويلا واحداً من أبرز التحديات الجيوسياسية في العالم المعاصر، حيث تتشابك فيها عوامل اقتصادية، سياسية، وإنسانية بشكل معقد. منذ صعود هوغو تشافيز في 1999، مروراً بعهد نيكولاس مادورو، شهدت البلاد تحولات جذرية أدت إلى انهيار اقتصادي غير مسبوق، هجرة جماعية، وتوترات دولية متصاعدة. بلغت الأزمة ذروتها في 3 يناير 2026، مع عملية عسكرية أمريكية أدت إلى خطف الرئيس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، وتدمير بعض المنشآت العسكرية، في عملية وصفتها الولايات المتحدة بـ"عملية خاصة لمكافحة الإرهاب والمخدرات".  هذا التدخل، الذي يُعتبر انتهاكاً للسيادة الدولية، يعكس كيف تحولت الأزمة من قضية داخلية إلى صراع جيوسياسي عالمي. في هذا التحليل الأكاديمي العميق، سنستعرض الجذور التاريخية، التطورات الحديثة، العوامل الاقتصادية والسياسية، التأثيرات الإنسانية، والردود الدولية، مستندين إلى بيانات حديثة حتى يناير 2026، لفهم كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد. كما تعود جذور أزمة فنزويلا إلى الاعتماد الشديد على النفط، الذي يشكل 95% من صادرات البلاد. في عهد تشافيز (1999-2013)، استخدمت إيرادات النفط لتمويل برامج اجتماعية، مما خفض الفقر من 50% إلى 25%، لكن ذلك أدى إلى تضخم وفساد. بعد وفاة تشافيز، ورث مادورو (منذ 2013) اقتصاداً هشاً، تفاقم بسبب انخفاض أسعار النفط العالمية في 2014، مما أدى إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 75% بحلول 2020.  أدت السياسات الاشتراكية، مثل التحكم في الأسعار والتأميم، إلى نقص في السلع الأساسية، وتضخم تجاوز 1,000,000% في 2018.سياسياً، أثار انتخاب مادورو في 2018 شكوكاً في النزاهة، مما دفع خوان غوايدو إلى إعلان نفسه رئيساً مؤقتاً في 2019 بدعم أمريكي. ردت الولايات المتحدة بعقوبات اقتصادية منذ 2017، شملت حظر تصدير النفط، مما أدى إلى خسائر تقدر بـ100 مليار دولار.  هذه العقوبات، المبررة بـ"مكافحة الفساد والمخدرات"، ساهمت في تفاقم الأزمة الإنسانية، مع هجرة أكثر من 8 ملايين شخص. في 2024، أثارت الانتخابات جدلاً آخر، حيث فاز مادورو رسمياً لكن المعارضة ادعت التزوير، مما زاد من التوترات الداخلية. في السنوات الأخيرة، شهدت فنزويلا نمواً اقتصادياً جزئياً بنسبة 4-8% في 2025، مدعوماً بتحالفات مع روسيا، الصين، وإيران، لكن ذلك لم يمنع الانهيار الإنساني. في ديسمبر 2025، زاد التراكم العسكري الأمريكي في الكاريبي، مع ضربات على سفن مخدرات مزعومة. بلغ الذروة في 3 يناير 2026، مع عملية عسكرية أمريكية شملت هجمات جوية وأرضية، أدت إلى خطف مادورو وتدمير مواقع عسكرية، بما في ذلك ضريح تشافيز. لقد وصف الرئيس ترامب العملية بأنها "ضربة ضد الإرهاب"، لكنها أثارت انتقادات دولية كونها انتهاكاً للقانون الدولي. في أعقاب العملية، أعلنت نوبل السلام ماريا كورينا ماتشادو، المعارضة الرئيسية، نيتها العودة إلى فنزويلا، محذرة من حملة قمع داخلية شملت اعتقال 14 صحفياً على الأقل.  كما أن 16 ناقلة نفط من دول بريكس (بما في ذلك البرازيل، روسيا، الصين، الهند، والمكسيك) تحدت الحصار الأمريكي لتحميل النفط الفنزويلي، مما يشير إلى تصعيد جيوسياسي محتمل.  هذه التطورات تحولت الأزمة إلى صراع عالمي، مع مخاوف من حرب أهلية أو احتلال طويل الأمد. على هذا النحو يُعتبر الاقتصاد العامل الرئيسي في تعميق الأزمة. تمتلك فنزويلا 18% من الاحتياطيات النفطية العالمية، لكن إنتاجها انخفض من 3 ملايين برميل يومياً في 2013 إلى أقل من 800 ألف في 2025 بسبب سوء الإدارة والعقوبات.  أدت العقوبات الأمريكية إلى عزل فنزويلا عن الأسواق العالمية، مما دفعها إلى الاعتماد على روسيا والصين، التي أصبحت أكبر مستوردين للنفط الفنزويلي. هذا الاعتماد أثار غضب واشنطن، التي ترى فيه تهديداً لمصالحها الطاقية، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية بعد الحرب الروسية الأوكرانية. من منظور اقتصادي، يُفسر التدخل الأمريكي بالرغبة في السيطرة على هذه الاحتياطيات لتعزيز الاقتصاد الأمريكي وتقليل الاعتماد على الشرق الأوسط. دراسات تشير إلى أن إعادة بناء صناعة النفط الفنزويلية تحت سيطرة أمريكية قد تتطلب استثمارات بمئات المليارات، لكنها ستعود بالفائدة على الشركات الأمريكية مثل إكسون موبيل.  ومع ذلك، يرى محللون أن هذا التدخل غير مدروس طويل الأمد، مشابه لتدخلات سابقة في العراق وأفغانستان، حيث أدى إلى فوضى اقتصادية. من وجهة نظر التحليل السياسي والجيوسياسي يمكن الحديث عن احتدام الصراع على السلطة والنفوذ:

سياسياً، تعكس الأزمة صراعاً بين النموذج الاشتراكي البوليفاري والرأسمالية الغربية. أدى رفض مادورو للإصلاحات الديمقراطية إلى عزله دولياً، لكن التدخل الأمريكي يُرى كمحاولة لتغيير النظام، مشابهة لعملية باناما في 1989.

 جيوسياسياً، يهدد التدخل مصالح الصين وروسيا، اللتين استثمرتا مليارات في فنزويلا، مما قد يؤدي إلى تصعيد عالمي، خاصة مع تحدي ناقلات بريكس للحصار.  كما أن الردود على منصات مثل إكس تكشف عن انقسام: بعضها يدعم التدخل كـ"تحرير"، بينما آخرون يراه "اختطافاً إمبريالياً".

أما عن التأثيرات الاجتماعية والإنسانية فيمكن رصد الأزمة الإنسانية العميقة. لقد أدت الأزمة إلى كارثة إنسانية، مع 80% من السكان تحت خط الفقر، ونقص في الغذاء والدواء. الهجرة الجماعية أثرت على دول الجوار، مع مخاوف من حملات قمع جديدة بعد خطف مادورو.  اجتماعياً، زادت الاحتجاجات، لكن التدخل قد يؤدي إلى حرب أهلية، مع مخاوف من احتلال أمريكي طويل. أما عن الردود الدولية فقد انقسمت بين الانتقادات والتحالفات. لقد أدانت الأمم المتحدة والحلفاء الأمريكيون مثل فرنسا التدخل كانتهاك للقانون الدولي.  روسيا وكوريا الشمالية طالبتا بإطلاق مادورو، محذرتين من حرب عالمية، بينما ترى الصين ذلك تهديداً لمصالحها.  في كولومبيا، رأى الرئيس بيترو أن الخطف يهدف إلى الاستيلاء على النفط. من هذا المنطلق ينظر الى الاقتصاد كمحرك للإمبريالية الحديثة. من منظور نظري، يمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال نظرية الإمبريالية لفلاديمير لينين، التي ترى أن الرأسمالية المتأخرة تدفع إلى التوسع الخارجي لاستغلال الأسواق الجديدة. في العصر الحديث، تحولت هذه النظرية إلى "الإمبريالية الاقتصادية"، حيث تستخدم الدول العقوبات والتدخلات كأدوات للهيمنة. كما أن مفهوم "التوقعات غير الرشيدة" في الاقتصاد يفسر كيف يؤدي الخوف من الانهيار إلى قرارات متطرفة.  في فنزويلا، يظهر هذا بوضوح، حيث يؤدي التدخل الأمريكي إلى فرص اقتصادية للزراعة الأمريكية، لكنه يهدد باحتلال طويل الأمد.  هذا التحليل يؤكد أن العوامل الاقتصادية تحول السياسة من منطقية إلى متطرفة، مما يزيد من التوترات العالمية.

خاتمة

"الاقتصاد قضية سياسية وأخلاقية واجتماعية، تؤثر على رفاهية المجتمعات وحرية الأفراد."

العوامل الاقتصادية، مثل المنافسة على الموارد وعدم المساواة، هي السبب الرئيسي وراء تجاوز السياسة العالمية حدود المعقول، كما في أمثلة فنزويلا وغيرها. يجب على المجتمع الدولي تبني منهجاً أكثر توازناً لتجنب التصعيد، مستلهماً دروس التاريخ لضمان مستقبل اقتصادي مستدام. هذه الدراسة تؤكد أن الاقتصاد، إذا لم يُدار بحكمة، يمكن أن يكون مصدراً للكوارث السياسية. أزمة فنزويلا تعكس فشل النموذج الاقتصادي الاشتراكي والتدخلات الإمبريالية، مع تدخل 2026 كدليل على تجاوز السياسة حدود المعقول. يتطلب الحل حواراً دولياً لإعادة بناء الاقتصاد والديمقراطية، مع احترام السيادة. بدون ذلك، قد تؤدي إلى صراع عالمي أوسع، مما يؤكد حاجة العالم إلى نظام دولي أكثر عدلاً. تؤدي هذه السياسات إلى آثار اقتصادية سلبية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة وتفاقم الفقر العالمي. في فنزويلا، قد يؤدي الاحتلال إلى إعادة بناء القطاع النفطي، لكنه يثير مخاوف من احتلال دائم.  مستقبلاً، يتطلب الأمر إعادة صياغة السياسات الدولية لتركيزها على التعاون بدلاً من المنافسة، مع الاستفادة من نماذج اقتصادية أكثر رشادة.

***

د. زهير الخويلدي

في المثقف اليوم