لا تكمن أزمة الدولة العراقية في ضعف مؤسساتها فحسب، ولا في اختلال القوانين أو قصور الإدارة أو انتشار الفساد بمعناه الاقتصادي المباشر، بل تمتد الأزمة إلى مستوى أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة الأخلاقية بين النخبة والدولة .
فالدولة، في معناها السياسي الحديث، ليست مجرد جهاز إداري أو مجموعة من الوزارات والأجهزة الأمنية، وإنما هي تجسيد لفكرة المصلحة العامة، ومجال تتساوى داخله الجماعات والأفراد أمام القانون. ولذلك فإن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على فرض النظام، وإنما بقدرتها على تحويل المصالح المتعارضة إلى قواعد عامة، وتحويل الانتماءات الخاصة إلى مواطنة سياسية مشتركة.
ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال عن النخبة العراقية سؤالًا أخلاقيًا بقدر ما هو سؤال سياسي: هل تنظر النخبة إلى الدولة بوصفها ملكًا عامًا، أم بوصفها مجالًا يمكن توظيفه لخدمة الجماعة والحزب والشبكة؟ إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين دولة تعمل بوصفها مؤسسة عامة، ودولة تتحول إلى مورد تتنافس الجماعات على امتلاكه.
أولاً: من المسؤولية الخاصة إلى المسؤولية العامة
تقوم الأخلاق السياسية، في أحد أعمق معانيها، على الانتقال من منطق المصلحة الخاصة إلى منطق المسؤولية العامة. فالسياسي لا يُحاسب فقط على ما يفعله باعتباره فردًا، وإنما على الآثار العامة المترتبة على قراراته، لأن موقع السلطة يمنحه قدرة على التأثير في حياة أعداد كبيرة من المواطنين.
ومن هنا لا يكفي أن يكون المسؤول السياسي ملتزمًا بمجموعة من القواعد الشخصية أو الدينية أو الاجتماعية؛ إذ يمكن للفرد أن يكون وفيًا لجماعته، كريمًا مع أتباعه، مخلصًا لحزبه، وفي الوقت نفسه عاجزًا عن ممارسة الأخلاق السياسية التي تجعل المصلحة العامة معيارًا أعلى من المصالح الخاصة.
وهنا يظهر الفرق بين أخلاق الجماعة وأخلاق الدولة. فأخلاق الجماعة تقوم غالبًا على التضامن الداخلي والولاء والحماية المتبادلة، بينما تقوم أخلاق الدولة على المساواة والحياد والاحتكام إلى القانون. وقد لا يكون هناك تعارض بينهما في الظروف العادية، لكن التعارض يظهر عندما يصبح الولاء للجماعة متقدمًا على الواجب تجاه الدولة.
فحين يتخذ المسؤول قرارًا لأنه يخدم حزبه، أو يوزع الوظائف وفق الانتماء السياسي، أو يحمي شخصًا لأنه ينتمي إلى شبكته، فإنه لا يرتكب مجرد مخالفة إدارية؛ بل يحدث انقلابًا في معنى المسؤولية السياسية: تتحول الوظيفة العامة من أمانة إلى امتياز، ومن خدمة عامة إلى أداة لإعادة إنتاج الولاء.
وتشير دراسة حديثة لمؤسسة تشاتام هاوس إلى أن النخبة العراقية بعد 2003 أصبحت تضم شبكات من الفاعلين المرتبطين بالأحزاب السياسية وبالشبكات الأمنية والاقتصادية التابعة لها، وأن هذه الشبكات امتلكت قدرًا كبيرًا من القوة السياسية والاقتصادية والإكراهية. كما تشير الدراسة إلى أن بعض التعيينات السياسية أضعفت استقلال الجهاز البيروقراطي وجعلت بعض المسؤولين أكثر ارتباطًا بالجهات الراعية لهم من ارتباطهم بالوظيفة المؤسسية.
وبذلك لا تعود المشكلة في أن المسؤول «فاسد» بالمعنى الأخلاقي الفردي فقط، وإنما في أن النظام السياسي نفسه قد يكافئ الولاء الخاص أكثر مما يكافئ المسؤولية العامة.
ثانياً: حين يتقدم الحزب على الدولة
الحزب السياسي في النظام الديمقراطي وسيلة لتنظيم المصالح والتعبير عنها، وليس بديلًا عن الدولة. فالحزب يدخل الانتخابات لكي يصل إلى السلطة، لكنه عندما يصل إليها يظل خاضعًا للقواعد العامة التي تفصل بين الحزب والدولة.
أما حين يختفي هذا الفصل، فإن الحزب يبدأ في النظر إلى الدولة باعتبارها امتدادًا له. عندئذ تتحول الوزارات والمؤسسات إلى مجالات نفوذ، وتصبح التعيينات والموارد والقرارات أدوات لبناء القوة الحزبية.
وهنا تظهر مشكلة عميقة: الحزب يحتاج إلى الدولة كي يمارس السلطة، لكنه لا ينبغي أن يمتلك الدولة.
فالاستحواذ الحزبي على مؤسسات الدولة يؤدي إلى إضعاف الحياد المؤسسي. والموظف الذي يشعر بأن مستقبله الوظيفي مرتبط برضا جهة سياسية قد يصبح أكثر ولاءً للشبكة السياسية من ولائه للقانون. وعندما تتكرر هذه الحالة على نطاق واسع، تتغير الثقافة المؤسسية بأكملها.
وتكشف دراسات ما بعد 2003 أن صيغة تقاسم السلطة القائمة على التوازنات الإثنية والطائفية أسهمت في نشوء ترتيبات نخبويّة عُرفت عمليًا بمنطق «تقاسم الكعكة»، وشجعت القوى السياسية على بناء شبكات رعاية داخل مؤسسات الدولة.
ومن هنا فإن الخطر لا يكمن فقط في أن تستعمل الأحزاب مؤسسات الدولة، وإنما في أن تتغير وظيفة المؤسسة نفسها: من مؤسسة وطنية تعمل وفق قواعد عامة إلى مؤسسة تعمل وفق موازين القوى بين الأحزاب.
ثالثاً: الطائفة والعشيرة والاقتصاد السياسي للولاء
لا يمكن اختزال المشكلة في الحزب وحده؛ فالمجتمع العراقي، شأنه شأن المجتمعات الأخرى، يحتوي على روابط دينية وطائفية وعشائرية ومناطقية ومهنية واقتصادية عميقة. وهذه الروابط ليست في ذاتها مشكلة؛ إذ يمكن أن تكون مصدرًا للتضامن الاجتماعي وحماية الفرد وتعزيز الانتماء.
لكن الأزمة تبدأ عندما تتحول هذه الروابط من مجال اجتماعي للانتماء إلى قاعدة سياسية لتوزيع الحقوق والموارد.
فالمواطنة تفترض أن يحصل الفرد على حقه لأنه مواطن، بينما تقوم المحسوبية على حصوله على الحق لأنه ينتمي إلى جماعة أو شبكة أو جهة سياسية. وفي الحالة الأولى تكون الدولة هي الوسيط بين المواطن وحقوقه؛ وفي الثانية تصبح الشبكة هي الوسيط.
وهنا ينشأ نوع من الخصخصة السياسية للدولة: لا تُباع الدولة بالضرورة، وإنما يجري توزيع أجزاء من وظائفها ومنافعها على شبكات اجتماعية وسياسية مختلفة.
وتكمن خطورة ذلك في أن المواطن قد يبدأ هو الآخر في إعادة إنتاج النظام نفسه؛ فيبحث عن «واسطة»، أو جهة سياسية، أو زعيم محلي، لا لأنه يرفض الدولة بالضرورة، وإنما لأنه فقد الثقة بقدرتها على ضمان حقوقه بصورة محايدة.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن إصلاح الدولة بإصلاح مؤسساتها التقنية فقط، لأن المشكلة أصبحت جزءًا من السلوك السياسي والاجتماعي الذي يعيد إنتاج ضعفها.
رابعاً: من الولاء للدولة إلى الولاء للشبكة
الولاء للدولة ليس ولاءً عاطفيًا للعلم أو الحدود أو الرموز الوطنية فقط، وإنما هو قبل كل شيء قبول بأن الدولة تمثل المجال الأعلى لتنظيم المصالح العامة.
أما الولاء للشبكة فيقوم على منطق مختلف: أنت تحمي من يحميك، وتدعم من يدعمك، وتستفيد من الموارد التي تستطيع الشبكة الوصول إليها.
وقد تكون الشبكة حزبية، أو اقتصادية، أو عشائرية، أو دينية، أو مزيجًا من هذه العناصر. لكن القاعدة واحدة: المصلحة السياسية تُبنى على العلاقة الشخصية أو الجماعية بدل القاعدة المؤسسية.
وهنا يصبح السؤال: لمن يدين المسؤول بولائه عندما تتعارض مصلحة الدولة مع مصلحة الشبكة؟
إذا اختار الدولة، فإننا أمام مسؤولية سياسية حديثة.
أما إذا اختار الشبكة، فإننا أمام أزمة في أخلاق السلطة.
أن بعض آليات المساءلة الرسمية في العراق أصبحت عرضة للاستحواذ من النخب وشبكات الرعاية، الأمر الذي أضعف قدرتها على مراقبة السلطة، وأدى إلى قيام بعض الموظفين والقضاة والمسؤولين الأمنيين بتنفيذ مصالح الجهات الراعية لهم بدلًا من أداء وظائفهم المؤسسية بصورة مستقلة.
وهنا تصبح المسألة أعمق من «فساد شخصي»: إنها أزمة في مصدر الشرعية السياسية. فالسلطة التي تستمد شرعيتها من الشبكة ستعمل لحماية الشبكة، بينما السلطة التي تستمد شرعيتها من الدولة ستعمل على حماية المؤسسة.
خامساً: الفساد الأخلاقي للعلاقة بين النخبة والدولة
ينبغي هنا التمييز بين فساد المؤسسة وفساد العلاقة مع المؤسسة.
قد تكون هناك مؤسسة جيدة التصميم، وقوانين متقدمة، وأجهزة رقابية، لكن المسؤولين يستطيعون تعطيلها أو الالتفاف عليها. في هذه الحالة لا يكون الخلل في النص وحده، بل في العلاقة التي تربط الفاعل بالمؤسسة.
وهذا ما يجعل الفساد السياسي أكثر خطورة من الفساد الإداري؛ فالفساد الإداري يسرق من المؤسسة، أما الفساد السياسي فقد يعيد تشكيل المؤسسة بحيث تصبح قابلة للسرقة.
ومن هنا يمكن فهم ما تسميه الأدبيات الحديثة بـ استحواذ النخبة على الدولة (Elite State Capture). فالدولة لا تصبح ضعيفة لأنها تفتقر إلى المؤسسات، وإنما لأن القوى التي يفترض أن تعمل داخلها تستطيع التأثير في القواعد التي تنظمها وفي آليات الرقابة عليها. أن نظام تقاسم السلطة الإثني والطائفي بعد 2003 وفّر فرصًا للنخب للاستحواذ على الدولة وعلى مواردها، مع ضعف القدرة على إخضاع هذه النخب للمساءلة.
وهنا يصبح الفساد نظامًا لإعادة إنتاج القوة، وليس مجرد انحراف عن النظام.
سادساً: الأخلاق السياسية بوصفها شرطاً لبناء الدولة
إذا كانت المشكلة في جانب منها أخلاقية، فإن إصلاحها لا يمكن أن يكون تقنيًا فقط. فالقوانين والمؤسسات ضرورية، لكنها لا تكفي إذا كانت النخبة لا ترى في المصلحة العامة قيمة أعلى من مصلحة الجماعة.
الأخلاق السياسية المطلوبة هنا ليست أخلاق الوعظ، وإنما أخلاق المسؤولية العامة. وهي تقوم على مجموعة من المبادئ:
1. الدولة أعلى من الحزب في مجال القرار العام.
2. المواطنة أعلى من الانتماء الخاص في توزيع الحقوق.
3. القانون أعلى من العلاقة الشخصية في ممارسة السلطة.
4. المصلحة العامة أعلى من المصلحة الانتخابية الآنية.
5. المؤسسة أقوى من الشخص.
6. المساءلة حق عام وليست أداة لتصفية الخصوم.
إن الدولة لا تصبح قوية عندما يمتلك الحاكم مزيدًا من السلطة، وإنما عندما تصبح السلطة نفسها مقيدة بقواعد عامة لا يستطيع صاحبها تحويلها إلى ملكية خاصة.
وفي هذا السياق، تصبح المساءلة جوهر الأخلاق السياسية؛ لأنها تمنع السلطة من التحول إلى امتياز. وتشير الأدلة الحديثة إلى أن المشكلة العراقية ليست غياب آليات المساءلة على الورق، بل ضعف فعاليتها بسبب شبكات الرعاية والاستحواذ على المؤسسات. كما أظهر مسح لـ1600 عراقي أجرته تشاتام هاوس عام 2021 ضعف الثقة الشعبية بفاعلية المؤسسات المسؤولة عن المساءلة، فيما أظهر مسح الباروميتر العربي لعام 2022 مستويات مرتفعة جدًا من إدراك انتشار الفساد.
وهذا يعني أن استعادة الدولة تبدأ باستعادة معنى المسؤولية.
سابعاً: من نخبة الجماعة إلى نخبة الدولة
لا تعني الدعوة إلى أخلاق سياسية جديدة إلغاء الانتماءات الحزبية أو الدينية أو الاجتماعية أو العشائرية. فهذا غير ممكن وغير مطلوب. وإنما المطلوب أن تتعلم النخبة التمييز بين حقها في الانتماء وواجبها في الحكم.
يمكن للسياسي أن يكون حزبيًا، لكنه عندما يدخل الدولة يجب أن يصبح رجل دولة.
ويمكن للمثقف أن ينتمي إلى تيار فكري، لكن عليه عندما ينتج معرفة عامة أن يميز بين البحث والحزبية.
ويمكن لرجل الاقتصاد أن يدافع عن مصالح القطاع الخاص، لكنه لا يستطيع أن يحول السياسة الاقتصادية إلى أداة لخدمة مصالح محددة.
ويمكن لزعيم اجتماعي أو عشائري أن يحافظ على روابط جماعته، لكن عليه ألا يحول هذه الروابط إلى بديل عن القانون.
وهكذا لا تكون نخبة الدولة نخبة بلا انتماءات، بل نخبة قادرة على وضع انتماءاتها داخل إطار الدولة.
وهذا هو الفارق بين النخبة التي تستخدم الدولة والنخبة التي تبني الدولة.
خاتمة
تكشف أزمة الأخلاق السياسية في العراق أن مشكلة الدولة لا تبدأ دائمًا من المؤسسة، بل قد تبدأ من الفكرة التي تحملها النخبة عن الدولة. فإذا اعتُبرت الدولة ملكًا عامًا، أصبحت المؤسسات أدوات للمصلحة المشتركة؛ أما إذا اعتُبرت موردًا تتقاسمه الجماعات، تحولت المؤسسات إلى ساحات للصراع على النفوذ.
ومن هنا فإن تغليب الحزب أو الطائفة أو العشيرة أو الشبكة الاقتصادية على الدولة لا يمثل مجرد انحراف سياسي، بل يمثل اختلالًا في الترتيب الأخلاقي للولاءات. فالمشكلة ليست أن يكون للسياسي حزب أو للمواطن جماعة، وإنما أن تصبح الجماعة مصدرًا للحق السياسي بدل أن تكون الدولة والقانون مصدرًا له.
وعليه، فإن فرضية هذا المقال يمكن صياغتها بصورة أكثر عمقًا: خراب الدولة ليس نتيجة فساد المؤسسات فقط، بل نتيجة فساد العلاقة الأخلاقية بين النخبة والدولة.
فحين تصبح الدولة وسيلة للثروة، والمنصب وسيلة للنفوذ، والقانون وسيلة لحماية الحلفاء أو معاقبة الخصوم، والمساءلة أداة سياسية انتقائية، فإن الدولة تفقد جوهرها حتى لو بقيت مؤسساتها قائمة. وفي المقابل، تبدأ عملية بناء الدولة عندما يصبح المنصب العام أمانة، والسلطة مسؤولية، والقانون قاعدة عامة، والمصلحة الوطنية معيارًا يتجاوز المصالح الخاصة.
ومن ثم فإن السؤال الحاسم ليس فقط: كيف نصلح الدولة العراقية؟ بل: أي نوع من النخب نريد أن يحكم الدولة؟
فإصلاح المؤسسات من دون إصلاح أخلاق السلطة قد يعيد إنتاج الأزمة بأشكال جديدة. أما الانتقال من نخبة الجماعة إلى نخبة الدولة فيعني أن يصبح نجاح السياسي مقاسًا بقدرته على تقوية المؤسسة التي يعمل فيها، لا بقدرته على توسيع شبكته؛ وبقدر ما يترك من دولة أقوى وأكثر استقلالًا مما تسلمه.
وهنا تتضح العلاقة بين هذا المقال والمقالين السابقين: فإذا كان الاستحواذ على الدولة يمثل المشكلة المؤسسية، فإن غياب الأخلاق السياسية يمثل المشكلة القيمية التي تسمح باستمرار هذا الاستحواذ. ولذلك فإن الدولة العراقية لا تحتاج إلى إصلاح مؤسساتها فقط، بل إلى إعادة تأسيس العقد الأخلاقي بين النخبة والدولة والمجتمع؛ عقدٍ تصبح فيه الدولة ملكًا للجميع، والسلطة مسؤولية لا غنيمة، والمواطنة رابطة قانونية تتقدم على روابط الامتياز والزبائنية.
***
د. عامر عبد زيد الوائلي








