قضايا
محمد الهادي: القبيلة والقبلية في إطار فرضية القطيعة والتواصل
إن القطيعة والتواصل لم تعد فرضية تفترض أو إشكالية تطرح فحسب، وإنما أصبحت تمثل توجها نظريا وبحثيا يستقطب اهتمام الدارسين للمجتمع القبلي أو المعاصر على حد السواء خصوصا في ظل التحولات الاجتماعية المعاصرة المحلية والدولية سواء تعلق الأمر بالتغير الاجتماعي أو التحديث أو بمسألة الهوية الثقافية أو الخصوصية الثقافية، خاصة في ظل زحف العولمة وعولمة الثقافة. وهي إشكاليات أو مسائل أعادت النظر وحتمت مراجعة المفاهيم نفسها لمحاولة فهم البناء الاجتماعي بأكثر تعمق أو تخصص خاصة في ظل استمرار الصراعات الإثنية والعرقية والطائفية والقبلية التي لم تهدأ ولم تنحصر في الزمان والمكان، بل أصبح الإعلان عن انتهائها بداية لنشاطها. هذه النزعات التي تمتلك القدرة على الفعل والانفعال في تأثيرها على مجريات الأحداث الداخلية والخارجية، وهي مسألة جديرة بكل اهتمام سوسيولوجي يتخلص من كل الأفكار المسبقة والمؤدلجة، لأن خطوط التقسيمات الطائفية والدينية والآثنية والقبلية تلتقي مع التمايزات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية مما يجعل الاهتمام بهذا الموضوع المتعلق بالبحث في خفايا ومظاهر هذه النزعات شديد الارتباط بالتأثيرات الثقافية (السياسية، الدينية...) لذلك فإن طرح المسألة من وجهة النظر العلمية له من المشروعية في الطرح والاهتمام بحثا عن تمثيل حقيقي للواقع وتعبيرا عنه استنادا إلى الموضوعية (objectivité) أو ما يسميه ماكس فيبر بـ"الحياد القيمي".
ومن هذا المنطلق يمكن القول أنّ البحث السوسيولوجي لا يفصل مع التاريخ على اعتبار أن الظاهرة الاجتماعية هي تاريخية بالضرورة وليكون قادرا على تفسير الحاضر وتقديم الأجوبة العميقة للإشكاليات الراهنة، ومن ذلك استشراف المستقبل كان من المفيد الرجوع للمنهج التحليلي التاريخي.ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى أنواع التعصب في المجتمع العربي للتدليل على أهمية ظاهرة العصبية (دينية أو قبلية أو أثنية...).
يظهر من خلال هذا الجدول أن العصبيات تحرك بنية المجتمع العربي وهي المدخل الأهم لفهم التوترات والصراعات والتناحرات والتحالفات، وكلما تفجرت الطائفية والمذهبية والقبلية إلا وظهر التفتت والتجزؤ والانقسام في المجتمع الشامل وغلبت النزعات الذاتية والأهواء وغاب الفعل العقلاني والسلوك المدني.
تطفو هذه الهويات على السطح خصوصا في فترة الأزمات سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية.
ويتخذ هذا الصراع طابعا سياسيا من أجل الهوية والفوز بالثروة في شكل خفي لا يظهر فيه العنف في الظروف العادية وأحيانا تحدث الانفجارات الاجتماعية بسبب انحسار الأفق أمام هذه الهويات الخاصة.
إن القطيعة والتواصل كمدخل منهجي مزدوج يعرفنا على عناصر الانقطاع والتغير من جهة وعناصر التواصل والاستمرار من جهة ثانية لكن كيف يمكن تحديد ما انقطع وما تواصل في بنية المجتمع المعقدة؟ ما هي المؤشرات المحددة لذلك؟ خاصة إذا علمنا أن المؤشرات الخارجية (indices externes) لا تدل بالضرورة على التبدل أو التغير ومن ذلك الانقطاع، هذه الجدلية لا تقبل التكميم وإنما هي مسالة معقدة تتنزل في سياق معرفي يحاول التنسيق بين الفهم والتفسير لإنتاج الدلالة السوسيولوجية التي تستند للتاريخ والمعيش، فما يبدو من التاريخ ـ أو يعد ذكره تاريخا - (حسب ما يعتبره البعض) قد يظهر أمامنا في الحاضر وحتى في المستقبل في إطار عملية إعادة إنتاج (reproduction) فالعلاقات التقليدية والتكتلات العائلية والنزعات القبلية... كلها لا تزال تتعايش وتتكيف مع كثير من المتغيرات العميقة التي عرفها المجتمع، فهي مستمرة في ظل عمليات "التحديث" و"التنمية" بعد انتصاب الدولة الحديثة، وهي رغبة في الحفاظ على التقاليد المتجذرة في المجتمع، وهي رغبة خفية أيضا ومشحونة بذهنية تغلب الانتماء الضيق، ومن هنا فان تبدل الإنسان لا يتم إلا بتغيير قيمه وثقافته، بما أن هذه الأخيرة هي الموجهة لسلوكه والحافظة لإرادته.
إن الحديث عن القطيعة وحده لا يكفي رغم حدوثها في صلب المجتمع لأن التغير المادي لا يصاحبه بالضرورة التغير الذهني والثقافي، فالتحضر لا يعني انقطاع أو انتهاء البنى التقليدية وظاهرة ترييف المدن خير دليل على استمرار وتواصل التكتلات والنزاعات بين الأحياء استنادا للانتماءات الجهوية والعروشية والقبلية لذلك يمكن القول بأن المجتمع هو في كل الأحوال في ديناميكية مستمرة بين القديم والجديد . وهذه خاصية النظام الاجتماعي،وهي نتيجة لعناصر التواصل وعناصر التغيير، وهذه المقولة تختزل المضمون المنهجي للقطيعة والتواصل.
***
د. محمد الهادي حاجي - تونس






