قضايا

سامي البدري: النزعة الذاتية.. تشخيص الفلسفة بلغة التأريخ

في حدود الرؤية الذاتية (الذات الإنسانية كفاعل مدرك لعملية الوجود والحياة)، مازال الإنسان يعيش ويموت بعبث بعيد عن أي شكل من أشكال المسؤولية. أي إن الكون أو الوجود عامل ومازال يعامل الإنسان كدمية قماش، محشوة بالقش أو القطن، ويجب أن تستهلك وتبلى، في أسرع وقت لترمى في حاوية القمامة أو حفرة للطمر الصحي.

هذا التصور، وهو عام ويشمل جميع الذوات التي تفكر بطريقة منطقية، ليس مبعثه النزعة الذاتية (رغم أنها أحد حقوق الإنسان التي ولد بها او فُطر عليها)، بل هو نتيجة لفعل العملية الحياتية المفروضة على الإنسان والتي تنتهي نهاية سلبية وغير هادفة، وهي فعل الموت الصامت الذي لا يقدم أي مبررات منطقية لفعله الهمجي والقاسي.

هل قدمت الحياة أو فعل الوجود أو إدارة قوانينهما (غير المنظورة)، تبريرات لنهاية الإنسان المأساوية وغير المقنعة وغير اللائقة؟

النزعة الذاتية أو نزعة رؤية الإنسان للحياة والوجود عبر وجوده الذاتي (كيانه الذاتي) كمحور أو مركز للحياة وقوانين الوجود، ليست وليدة مجرد شطحة غرور أو مبالغة في تقييم الذات، بل هي نتيجة لعملية عقلية، إدراكية - تحليلية لها مقدماتها الفرضية المستنبطة والتي يجب أن تنتهي إلى نتائج منطقية مبرهنة وقاطعة، وإلا لماذا يُفرض على الإنسان طريقاً لا يؤدي إلى البحر، عندما يكون قاصداً البحر؟ ولماذا يفرض عليه طريقاً لا يؤدي إلى الصحراء، عندما يقصد الصحراء؟ بالمقصد المجازي للمثالين طبعاً.

يولد الإنسان وليس لديه غير ذاته؛ بها ولها يجب أن يعيش ويمارس فعل الحياة والتمظهر الوجودي (ككيان قابل للإدراك ومشخص الوجود)، وعليه فلا وجود مادي محسوس لأي انسان بلا كيانه الذاتي العياني والمنظور، وعليه فإننا عندما نريد توصيف فعل الموت وأثره على أي إنسان (أو أي كائن حي آخر أيضاً)، فإننا نعني أن الكيان الذاتي الملموس لذلك الإنسان لم يعد قادراً على القيام بفعل الحياة والتمظهر الوجودي، بسبب تلف (أو بدء تلف) كيانه الذاتي الذي كنا نعرفه من خلاله ونحسبه، عبره، على فعل الحياة والوجود. وهذا يعني في النهاية، أن لا وجود لأي إنسان من دون كيانه الذاتي المنظور، وهذا يعني أيضاً، أنه بمجرد إعلان طبيب مختص أن فلاناً من الناس قد مات، فهذا يعني أن ذلك الكيان الإنساني قد صار ماضياً بسبب موت (تلف) كيانه الذاتي المنظور الذي كان يمثل وجوده وقيامه، كوجود ملموس ومستدل عليه، بسبب دفنه تحت التراب لأنه سيتحول إلى جيفة مثيرة للاشمئزاز، بعد مضي بعض الوقت، فيما لو ترك دون دفن، وأيضاً سينسى بسبب اختفاء (دفن) كيانه الذاتي الذي كان يعرف من خلاله.

إذن فإن النزعة الذاتية وتفكير الإنسان عبر ذاته وقياس أغلب الأشياء بمقياسها، رغم أن بعض هذه القياسات تكون ممجوجة ومرفوضة أخلاقياً واجتماعياً، إلا أنها ليست طارئة، بل أصيلة وتجاوزها إنما يعني معاملة الإنسان ككائن آخر أو خارج جلده أو تكوينه الطبيعي.

وجود الإنسان أو الإنسان كوجود لا يتحقق إلا عبر كيانه الذاتي المنظور والملموس، لذا فإن عملية إسقاط أو تهميش أو تجاوز نزعة الذات في تحقيق وجودها وإدامته، اعتبارياً أو تحت طائلة أي فرض، إنما هو عملية مقحمة وتنافي القانون الطبيعي لشروط وجود الذات وسبل إدامته، لأن الذاتية ليست فرضاً طارئاً، وعملية قمعها أو إسقاطها إنما يعني إنهاك أو تحجيم قدرتها على الإداء، ككيان لا يرى إلا عبر هذه الذات ووجه تمظهرها الملموس (في الوجود والحياة) وأيضاً ليبقى ويستمر في أحسن وأكمل وجه للحياة والوجود عبر كيانه.

النزعة الذاتية ليست فكرة أو رغبة، طرأت على خاطر الإنسان، في ساعة غرور وزهو للأنا، في حقه في الاستمرار في هذا الوجود (الذي لا يملك غيره كحيز زمكاني لتمثل واستمرار وجود الذات)، بل هي عملية إيمان بحق الذات المتأتي من فكرة أن الإنسان ليس لعبة، ولذا فإنه مادام قد جاء إلى هذا الوجود وتجشم عذابات تكوين ذاته وبنائها، لذا فليس من حق أية قوة أن تسلبه وجوده، وخاصة إذا ما كان هذا السلب لا يقدم أي مبررات مقنعة لفعله ويأتي عن طريق بشع ومتعسف، وهو الموت الذي ترفضه كل جزئية واعية وغير واعية (غريزية) في تكوين الإنسان، رفضاً قاطعاً، لأنه يمثل عملية مصادرة جائرة للذات ووجودها، بلا مبررات مقنعة أو تعويضات حقيقية وملموسة.

والسؤال المنطقي الذي تتمحور حوله رؤية الذات في الدفاع عن نفسها وحقها في استمرار وجودها هو: لماذا عليّ أن أسقط أو يصادر وجودي أو أن أموت بطريقة مهينة، في وقت أن عقلي الواعي (مقابل "عقل" الموت أو القوة التي تحققه، غير الملموس وعيه أو منطقيته) يقول مادمت قد وجدت فإن وجودي يجب أن يستمر وأن يحصل على المزيد من فرص الحياة (الكبيرة) و(المهمة) من صنف وحجم (الغير قابلة للفساد، الذي لا يمكن تدنيسه، ولا يخبو)، بحسب تعبير الروائي الأمريكي (جاك كرواك)، لا أن يصادر بموت مجحف ولا يقدم أي مبررات منطقية لفعله الجائر.

الطريف، ومقابل كل هذه النزعة الذاتية المؤمنة بنفسها والمتشبثة بالحياة، تأتي طبقة من الناس (رجال الأكليروس ومحركي خيوط المعابد) لتستغل فعل الموت القهري وتحمل الإنسان، قبل موته، بصنوف من ديون الذنوب المرعبة التي يجب عليه تسديد ثمنها أو التكفير عنها بعد موته، في جحيم أكثر وحشية وتعسفاً من وحشية وتعسف الموت. في حين أن الذات، في المقابل، تصرخ بغضب: لماذا؟ لم كل هذا؟ أكل هذا لأني جئت، وبطريق الخطأ، كنتيجة للقاء جنسي غير مسؤول وغير محسوب النتائج، وكان بمقدور أبويّ تأجيله أو إلغائه من الأساس فلا أكون؟ وطبعاً إذا ما سلكنا طريق المحاججة هذا فإنه سيوصلنا للتساؤل الأكثر أهمية (في حساب النزعة الذاتية): لماذا عليّ أن أدفع ثمن خطأ غيري (ثمن متعة أبي وأمي من رعشة جنسية، لا تستمر سوى بضعة ثوان، وكان، على أقل تقدير، تجنب أن تثمرني، أنا الذات والكيان، وليس مجرد الطفل الذي سيلهوان باللعب معه لبعض الوقت، قبل أن يكبر ويتحول إلى ذات عليها تحمل مسؤولية التعامل مع وجود وحياة لا يحترماني كذات، يحق – كما ترى هي - لها أن تكون بمنتهى الحرية في التعامل وتقرير مصير وجودها)؟

***

تبدأ إشكالية الذات الفردية أو تنبع من فكرة الفشل في التصريح بحرية الفرد وتحديد مساحاتها. ففي حين يرى أي فرد أن حريته يجب أن تكون مطلقة ولا يحدها حد، استناداً إلى فكرة الفطرة الطبيعية التي سبقت ظهور فكرة الدولة وما أنتجته من قوانين تحد من حرية الإنسان، يرى البعض (من ذوي الطموح الضيق والآني ونزعة السيطرة وأصحاب النفوس المرعوبة، وكل بحسب أسبابه) وهو – هذا البعض – يمثل رجال الاكليروس ورجال الدولة (السياسيين) ومن يأخذون على عاتقهم تأسيس هيكل الفضيلة الأخلاقية والاجتماعية (بحسب مقاييسهم الذاتية طبعاً) أن حرية الذات (حرية الأفراد ككيانات أو ذوات مستقلة) يجب أن تكبح وتقمع (نقصد على مستوى التفكير وطرح الأفكار والرؤى الجديدة)، ببساطة لأنها ترى في هذه الحرية عامل إفساد للقيم والفضائل الاجتماعية المتوارثة، وبالتالي طريقة الحياة والنظر فيها المتأسسة على تلك الفضائل وذلك النظام الاجتماعي.

إن إيمان الإنسان بذاته هو ما يدفعه للتصريح بحريته وحرية كيانه والدفاع عنها. أي إن فكرة حرية الذات أصيلة ونابعة أو مرافقة لفعل الوجود ونظام أو آلية حركيته، وليست طارئة أو مبتدعة بفعل دعوات بعض الأشخاص أو الحركات (الفكرية والسياسية) المأزومة أو الهدامة، كما يروج حراس (الفضيلة والنظام الاجتماعي العام).

وطبعاً فإن الكبح والقمع هو المسؤول عن فشل الانسان في التصريح بحريته وحقه فيها وحقه في استردادها، كشرط حياة وشرط تعبير عن الحياة وشرط اعتراف بوجود واستقلالية كيانه الذاتي. ولعلنا لا نتعسف إذا ما قلنا إن فكرة القطيع الاجتماعي قد بدأت بتنازل أول مجموعة أفراد عن حريتها، وهي بالتالي التي أوصلت البشرية أو فتحت الباب لفكرة تأسيس الدولة (بأنظمتها وقوانينها، كما يسميها أصحاب الفكرة ومروجيها) أوضح وأعتى أدوات مصادرة الحرية، بكل أشكالها وحلقاتها.

لا يولد الانسان (بالشكل المتعارف عليه لولادة الانسان ووجوده في الحياة، كثمرة لفعل جنسي، تعده أغلب المؤسسات الأخلاقية والقيمية والدينية، بل وجزء من مؤسسة الدولة السياسية، فعل مخجل ومنافي للآداب العامة ويجب التكتم عليه... بل وحتى غير لائق عند البعض) ليؤدي أي واجب، بل ليؤدي فعل حياته ودور كيانه كذات في الحياة والوجود ككل. وعليه فإن أول حقوقه هو الحرية وحقه في التصريح بها واسترداها، فيما لو سلبت منه، من قبل أي جهة ومهما كبرت هذه الجهة، لأن الانسان من دون حريته لا يعود كياناً فاعلاً وخلاقاً، بل يتحول إلى كائن آخر لا يشبه ذاته، بسبب إفراغه من ماهيته الفاعلة وإرادته. فالفعل الارادي يأتي من ذات حرة، لا من هيكل (كيان) مقموع ومستلب.

ولعل حضارتنا القائمة خير مثال على نظام الهياكل المفرغة والمستلبة، بعد أن ذوبت هذه الحضارة، بشكل دولتها الحديثة وقوانينها وأنظمتها واشتراطاتها الأمنية والدفاعية (تحت مسمى الأمن القومي للدولة وحماية مصالحها العليا) كل الفواعل الذاتية لكيان الانسان الفرد وحولته إلى مجرد ترس صغير وتافه في ماكنتها الكبيرة المعقدة، وخاصة في أول صور سلبه لحريته الفردية، نظام العمل ودوراته الاقتصادية، حتى تحول العمل إلى جلاد متوحش، ليس فقط لكرامة وحرية الفرد، بل لفرص بقاء كيانه على قيد الحياة قبلها: فأما أن تعمل أو تموت من الجوع، وإلى حد تحويله من كيان ذاتي مستقل وحر إلى مجرد عبد لفرصة العمل التي لا تقدم له شيء أكثر من بقائه على قيد الحياة.

وهنا سيحتج غالبية حراس المنطق والعقل، قبل الفضيلة والنظام الاجتماعي بالقول: وما عسى يكون دور الانسان من دون عمل؟ وماذا سيفعل بنفسه إن لم يعمل؟ هل يقضي حياته نائماً متسكعاً لاهياً؟ وهنا من حقنا أن نسأل: هل وجد مع أول انسان، وأول عائلة، وأول قرية... و... ملفاً أو مرسوماً أو قانوناً يقول أن الانسان وجد من أجل العمل؟ وإن وجد مثل هذا فهل حدد نوع العمل المفروض على الانسان؟ نعم قد تتفق شرائح كبيرة من البشرية على فكرة أن العمل يكون من أجل إغناء الحياة وإعمار الأرض، ولكن هذا العمل بأي مواصفات وبأي ظروف؟ هل هو العمل في مصانع فورد للسيارات (وهذا على سبيل المثال فقط) من أجل زيادة أموال صاحب هذا المصنع؟ هل هو العمل في المصانع التي تنتج الصواريخ وقذائف المدافع القاتلة؟ هل هو العمل في أحواض السفن التي تنتج الغواصات الحربية؟ بل وحتى هل هو في مصانع السلع الاستهلاكية التي لا هدف لها غير إثراء أصحاب تلك المصانع؟ بل وحتى هل هو العمل في مرافق أي دولة من الدول القائمة، من مثل دائرة تسجيل الولادات والوفيات والضرائب وتسجيل الزيجات وإصدار قوائم المطلوبين للتجنيد في الجيوش ودوائر اصدار البطاقات التعريفية وإصدار تأشيرات السفر؟ هل هو العمل في دور سك العملة، والحقيقة أن العملة كانت أقذر وأبشع وأحط اختراع في تاريخ البشرية كلها؟ هل العمل في المصارف وأسواق البورصة؟ وهذه المؤسسات أكثر بشاعة من بشاعة اختراع العملة. هذه بضعة أمثلة من أصناف العمل التي تراكمت في طريق الانسان، تحت شعار خدمته وتنظيم شؤونه ومصالحه، ولكم أن تعددوا المئات الباقية من أصناف العمل، فهل وجدت الذات البشرية من أجل ممارسة هذه الأعمال لمجرد أن بضعة أفراد (قياساً لعدد البشرية ككل) اخترعوا نظام الدولة لمجرد اشباع شهواتهم القذرة لحكم غيرهم والتحكم بمصائرهم؟

واسمحوا لي بأن أفرد هذه الفقرة لأضيف لأصناف العمل المشرعنة حالياً، في موطن حضارتنا العلمية والتكنلوجية الحالية على وجه الخصوص، وهي أكثرها انحطاطاً واذلالاً للإنسان، وللمرأة على وجه الخصوص، وهي تجارة الجنس (الدعارة) التي صارت لها مواقعها الرسمية (بموافقة حكومات ودول أوربا وأمريكا وقوانينها على وجه الخصوص) على شبكة الانترنيت، وتعرض في صور وفديوهات، أجساد النساء، بل وممارسة أحط أنواع الممارسات الجنسية... وتترك وسائل اتصال متنوعة، تحت إعلان (اعمل معنا)... فهل هذا عمل وتحت أي بند تدرج حق ممارسته الدول الأكثر حضارة والأكثر غنى؟ المضحك المبكي أن دول أوربا وأمريكا وكندا وأستراليا، تستقبل سنوياً مئات الآلاف من اللاجئين وتكفل لهم فرص حياة وعمل كريمة، فلم لا تمنع أعمال الرذيلة المهينة لنسائها وتتكفل لها بإيجاد أنواع عمل تحفظ لها كرامتها، بدل أعمال الدعارة القذرة، ولو اسوة بمن تستقبل من لاجئين وتحفظ لهم كرامتهم؟ أ لمثل هذه الأعمال وجد الانسان؟

والسؤال الأكثر مساساً بطرحنا هو: ماذا عمل انسان ما قبل اختراع الدولة وقبل اختراع المصارف والبورصات ودوائر التسجيل العقاري ودوائر الضرائب وتسجيل السيارات واصدارات الهويات التعريفية ودوائر تسجيل المخالفات على أملاك الدولة.... والقائمة تطول؟

ماذا عمل انسان ما قبل سيطرة الدولة على الانسان والأرض وخيراتها، بل وحتى على الفضاء والسماء التي تظلل بقع الأرض؟ عمل صياداً ومزارعاً. هل عاد لأي مواطن في دولة من دول العالم أن يأخذ قطعة أرض ويزرعها على هواه، كما كان لأجداده القدماء؟ هل عاد لإنسان أن يدخل الغابة أو الحقل القريب منه ليصطاد طيراً أو أرنباً لمأكله اليومي؟ لا بالقطع، لأن أرض البلاد صارت ملكاً للدولة (يسموها أملاكاً عامة) والتجاوز عليها يعد جريمة يعاقب عليها القانون. والغابة صارت ملكاً للدولة، هي الأخرى، تحت مسمى محمية طبيعية من أجل الحفاظ على النوع والتوازن الطبيعيين! فماذا عاد للإنسان في الأرض التي يعيش عليها، وهو حتى المترين التي تدفن فيها جثته، بعد موته، يجب أن يشتريها بالمال قبل موته؟ بل ماذا تبقى له من كيانه الذاتي وحريته؟ الحقيقة لا شيء سوى هيكله، الذي يجب أن يكد ويعمل ليبقيه حياً كي ينفذ المزيد من أوامر (قوانين، وحقيقة الأمر هي أوامر سلطوية مادام الانسان لا يستطيع غير الامتثال لها وتنفيذها) الدولة وأوامر وتحكمات أصحاب رؤوس الأموال.

ومن جهة كون أن الأديان تمثل فاعلاً تنظيمياً وروحياً وثقافياً في حياة أغلب البشر، فإن أغلب الأديان تتفق على أن الانسان قد خلق من أجل العبادة، كما تؤكد الكثير من نصوص الانجيل، ومنها الآية 15 /13 من رسالة العبرانيين (فلنستمر به، في تقديم ذبيحة التسبيح لله، أي ثمرة شفاهنا، شاكرين اسمه)، وكذلك كما يؤكد القران، وبصورة أكثر تحديداً، في الآية 56 من سورة الذاريات (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون). وبما إن الكثرة الكاثرة من البشر، تعتبر الأديان وتعاليمها هي الأقرب لفطرتها وروحها، و(القوانين) الأحق والأجدر بالاتباع (وإلى حد التقديس)، فإن هذه الكثرة من البشر ترى عكس ما ترى الدولة (الدول) وقوانينها الاقتصادية والتنظيمية، وبالذات فيما يخص قوانين العمل وقوانين امتلاكها لجميع ما على أرض الوطن، تحت ذريعة حماية المال والأملاك العامة، ببساطة شديدة لأن الأديان لم تفرض عليها غير العبادة وتركت فكرة العمل للاجتهاد والرغبة الشخصية، لأن الأصل في فكرة الأديان هو أن الأرض وثرواتها من حق كل انسان وله أن يأخذ نصيبه منها لإدامة بقائه ووجوده، صيداً من البر والبحر والفضاء، وزراعة لما يستطيع من مساحة أو لما يكفي عيشه، فبأي حق استولى نظام الدولة على كل شيء ليحيل الانسان إلى أجير تافه في مؤسساتها؟

كل ما قدمت كان من أجل إيصال فكرة إن الانسان لم يعد لنفسه، بل فقد إرادة السيطرة على نفسه، بل لم يعد يشبه فطرته... بل ومسخ، بعد أن سلبت منه ذاته أو أفرغ جانبه الذاتي من محتواه وفطرته، مقابل ماذا؟ مقابل حياة اجتماعية معقدة تعقيد ساعة اليد، وتسهر الدولة على حماية تعقيدها، بل وتعمق تعقيدها كل يوم. لماذا، وأي قضية يخدم هذا التعقيد؟ الحقيقة إنه لا يخدم الانسان كفرد بأي شيء، إنما هو يخدم منشئيّ وأصحاب فكرة الدولة، أولئك المهووسون بفكرة ونزعة السيطرة والتمتع بمزايا السلطة، أما الناس أو الأفراد الذين لم يصبهم مرض السلطة ونزعة السيطرة، فهم لا يرون فيها غير كارثة تحرمهم من حريتهم وميزة العيش أو الحياة في عراء الطبيعية، حيث لا قيود قهرية ولا نظام قمعي ولا حسد ولا تباغض ولا حرمان ولا فاقة ولا تمايز بين البشر ولا طبقية. يصحو الانسان في الصباح ليحلب أول بقرة أو شاة تمر من أمام خيمته أو كوخه لفطور يومه. وفي الظهيرة يذهب إلى الغابة التي تقوم خلف كوخه البسيط، أو إلى النهر الذي يجري أمام الكوخ، ليصطاد طيراً أو أرنباً أو غزالاً أو سمكة لغداء ذلك اليوم، دون أن تصادفه يافطة حمراء على بوابة الغابة تقول (ممنوع صيد الحيوانات في هذه الغابة لأنها محمية طبيعية) أو يافطات على طول مجرى النهر (يمنع صيد الأسماك لغير المرخصين) أو ما شابه. ولعل من الطريف أن نذكر هنا حق ملوك بريطانيا في توارث ملكية كافة طيور البجع التي تسبح في نهر التيمس، (ومازال هذا التوارث قائماً إلى اليوم، وآخر من ورثه هو الملك تشارلز الثالث، لدى تنصبه قبل بضعة أيام، ونحن الآن في أواسط عام 2023)، لأن مجاعة قاتلة كانت قد حلت في بريطانيا، في القرون الوسطى، ولم يعد من مصدر للحوم، للملك وحاشيته غير تلك الطيور المسكينة الصامتة. فبأي حق امتلك ملوك بريطانيا تلك الطيور، رغم أنها، ووفق ذائقتنا الحالية، غير صالحة للأكل؟ بحق السلطة والامتياز الطبقي لأصحاب السلطة طبعاً. كم عدد الناس الذين ماتوا جوعاً حينها، بسبب احتكار سلطة الملك لهذا الطائر ومنعه على غيره من سكان بريطانيا الذين لا يملكون السلطة؟

وبمقارنة هذا الفعل الطبقي اللاأخلاقي بمقولة هيجل (إن العقل يتحكم في كل شيء، وإن البشر ليسوا غير أجزاء في آلة عظيمة تعمل من أجل الخير النهائي)، يتضح لنا قصور العقل، لوحده، عن إدراك وتحديد نظم وقوانين الحياة من جهة، وإن عملية مسخ الانسان وكيانه الفردي (وتذويبه في مجموعة اجتماعية أو نظام اجتماعي، يأتيان على حساب فرديته وحريته) هي عملية جائرة وضد الطبيعة والفطرة، ببساطة لأن القرون الطويلة التي عاشها الانسان داخل التنظيمات وداخل كيان الدولة لاحقاً، لم تثبت غير فشل (الآلة العظيمة) الدولة وعدم إنتاجها للخير النهائي، بل أنتجت الحروب والمجاعات وكل أشكال مسخ فردية الفرد وحريته وتحويله لصنوف مفزعة للعبودية، أولها عبوديته للعمل الذي أنتجته الحضارات، وليس آخرها عبوديته لنظام الدولة، وبكافة أشكال تعبيرها عن نفسها، تحت مسمى قوانين وأنظمة من جهة ثانية.

ولنختم هذه الفرضيات التأسيسية بمقولة الشاعر الإنجليزي وليم بليك (ليس واجبي أن أدقق وأقارن، إنما واجبي أن أخلق. عليّ أن أخلق نظامي الخاص، وإلا فسأكون عبداً لنظام انسان آخر) وهذه المقولة تحدد لنا، وبدقة متناهية، الجوانب الذاتية التي يجب أن تقوم عليها فكرة الحرية الفردية ومساحة الذاتية التي يجب ألا يتنازل عنها أي فرد لأي شكل من أشكال النظام الذي تفرضه التجمعات الاجتماعية والسياسية والدينية... إلخ، لأن ثمن التنازل عنها إنما يعني تحول الفرد إلى عبد في نظام انسان آخر.

وأظن أن الجميع يوافقني في أن تنازل البشرية (في كافة تجمعاتها التي نطلق عليها مسمى الدول) هو الذي أدى إلى أن تؤخذ قرارات الحروب (وهذا على سبيل المثال لا أكثر) من بداية أول حرب جماعية في تاريخ البشرية إلى قرار اشعال الحرب الكونية الأولى والثانية وحرب فيتنام والحرب الكورية والحرب الإيرانية العراقية وحرب جزر فوكلاند والحرب الروسية الأوكرانية... والقائمة تطول. فتنازل الالمان، كأفراد، عن صناعة أنظمتهم الخاصة والبريطانيين والفرنسيين والمجريين و... و... هو الذي سمح لقادة دولهم بفرض أنظمتهم الخاصة عليهم وزجهم في حروب عبثية، ذهب ضحيتها عشرات الملايين منهم، تحت مسمى الدفاع عن وحدة الوطن أو الأمن القومي أو حماية المصالح العليا للبلاد. فأي مصالح عليا هذه التي تسمح لعشرين أو ثلاثين فرداً، من شعب تعداده ستين أو سبعين أو مئة مليون فرد، لمجرد أن الثلاثين فرد هؤلاء ينتظمون تحت مسمى حكومة؟

بل وأحيانا، شخص واحد فقط (رأس النظام أو الدولة أو الحكومة) هو من يتخذ قرار الحرب لوحده ويفرضه على شعب الدولة بكامله. ألم تتخذ ملكة بريطانيا السابقة قرار دخول الحرب العالمية الثانية بمشورة من رئيس وزرائها، ونستون تشرشل لوحده؟ ألم يتخذ جورج دبليو بوش الابن، قرار حرب غزو العراق وتدميره لوحده؟ ألم يتخذ فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، لوحده قرار حرب غزو أوكرانيا، وها هي مشتعلة منذ أكثر من عام ولها في كل يوم مئات الضحايا من كلا البلدين؟

فلماذا يتنازل الفرد عن حريته وحق تأسيس نظامه الذي وهبه إياه الوجود بفطرته؟ أمن أجل أن يزج في حرب يقتل فيها بلا طائل؟ هل وجد أي فرد ليموت إرضاء لغرور أو نزعة السيطرة لدى فرد، يسمي نفسه حاكماً أو ملكاً أو رئيساً؟ وماذا عني أنا الفرد؟ ماذا عن حريتي في اختيار نمط حياتي المستقل؟ ماذا عن حقي في رفض المشاركة في حروب الدولة أو النظام السياسي أو الاجتماعي الذي أقيم على بقعة الأرض التي وجدت فيها؟ أليس من حقي أن أقول أو أطلب منهم الذهاب بحروبهم بعيداً عني وعن بقعة الأرض التي أعيش عليها؟ بأي حق امتلك الملك تشارلز الثالث، قبل أسبوعين من لحظة كتابتي هذه السطور، جميع البجعات التي تسبح في نهر التايمس؟ بل وله الحق في امتلاك أي بجعة أخرى تسبح في أي مياه جارية على أراضي المملكة المتحدة، كما صرح راعي بجعاته؟ فقط لأنه ورث هذا الحق عن أمه التي ورثته عن أبيها بدورها، وهكذا إلى جدهم الملك الذي حكم في القرون الوسطى وسن أمراً بامتلاكه هذا الحق فقط. لم لا يكون لأي فرد آخر، في أي بقعة من الأرض، أن يسن أمراً يحق له بموجبه امتلاك طيور السمان أو طيور القطا أو الأوز البري أو طيور الدجاج أو أسماك أحد الأنهار أو إحدى البحيرات، ويحترم أمره هذا وينفذ؟ بأي حق يتملك الملك أو الرئيس أو السلطان بقعة الأرض التي يحكمها بما عليها، بما فيها الكيانات الإنسانية التي تشبهه في كل صفاته، ويرى كل منها أن من حقه أن يتمتع بذات الحقوق التي يمتلكها الملك أو الرئيس أو السلطان؟

***

دكتور سامي البدري

في المثقف اليوم