قراءة في كتاب

محمود محمد علي: قراءة القراءة في كتاب "التجربة البشرية" لصالح الطائي

ما زلت أومن بل ربما أكثر من ذي قبل بأنني واحد من جيل جعل القراءة ديدنه وعمر أوقاته بها، ولكن مع الحرص لم أجد الفائدة المتوخاة منها بالمقارنة مع الوقت الذي تقتضيه فيها. وما دريت أن القراءة لا تقف على كثرة ما يقرأ، وإنما على كيفية القراءة ونوع الكتاب وكيفية العيش معه والتروي منه أشد الرواء، ذلك أنه كلما كانت القراءة فعالة أكثر، كان النتاج المتحصل منها أكبر وأغزر، فالقراءة القائمة على الفَهْم والاستيعاب من أشقِّ أنواع القراءة وأكثرها فائدة؛ لأن فيها تحسينًا لفَهْم القارئ والارتقاء بمستواه نحو أفق الكتاب والمؤلف"،

هذه القراءة التي تحدِّدها اتجاهات ورؤى المؤلف، بحيث تنصب معلمها نحو الأهداف المرجوَّة من عملية القراءة ؛ وهنا يستطيع كل شخص بناء منهجه في القراءة وَفْق رؤية واضحة محددة، أن يبني عليها أطروحات الكتاب، من خلال تلمُّس آثاره، ليستدل على الوعي القائم على أصول المسائل، وتتبُّع فروعها، والبحث عن كنوز الكتب المغمورة داخل طيَّات صفحاتها.

والسؤال المهم الذي يجب أن أطرحه على نفسي هنا : كيف نقرأ قراءة فاعلة ومثمرة لكتاب " التجربة البشرية قراءات نقدية حداثية في الأدب والفلسفة والتصوف" للدكتور صالح الطائي (مع حفظ الألقاب)؟

وهنا أقول جميل أن تقرأ والأجمل أن تعرف كيف تقرأ، وماذا تقرأ، والأبهى أن تجد كل ذلك بين دفتي كتاب، يكون لك كالبوصلة التي تحدد سيرك في مضمار القراءة وترشدك لأقوم السبل للاستفادة منها، هذا ما أفدته وأنا أقرأ الكتاب الماتع للدكتور صالح الطائي" التجربة البشرية- قراءات نقدية حداثية في الأدب والفلسفة والتصوف"، وهو كتاب قيم ومفيد لكل قارئ وطالب علم عنوانه بشي بمضمونه، ويفصح عن فحواه، وكأن صاحبه يهتف في أعماقك، هيا لنقرأ كيف يجب أن نقرأ.. هيا لتسير معي أغوار هذه المتعة الدائمة التي يقال لها القراءة لتأخذ كامل حظك منها.2366 saleh altai

يقع الكتاب في 356 صفحة من الحجم الكبير، وقد جاء الكتاب كما يقول المؤلف في سياق قراءة حداثية تفكيكية ومبتكرة ومعاصرة تطبق المنطور النقدي القديم على نص حديث، وتضيف إليه وتوسعه لم يتحدث عنها الأقدمون ولا المعاصرون، ساعبيا إلى الكشف عن الأبعاد الوجودية والمعرفية الكامنة في المؤلفات التي سأنقدها.

وفي رأيي أن هناك نمطان من الكُتاب والأدباء، نمط تقليدي تتوقف مهارته عند تقليد الآخرين والنقل عنهم وضبط الهوامش، والحرص علي أن يكون النقل أميناً، وكلما كان من مصادر ومراجع أجنبية كان أفضل، وكلما قل فيما يقولون فإن ذلك هو الصواب عينه، ونمط مبدع يسخر قراءته لإبداء الرأي أو للتدليل علي صواب الاجتهاد العقلي الشخصي، وبالطبع فإن النمط الثاني هو الأقرب إلي النمط الفلسفي الحق، فالتفلسف ينتج الإبداع ولا يتوقف عند النقل وإثراء الهوامش.

ولا شك في أن الصديق الدكتور صالح الطائي من هؤلاء الذين ينتمون إلي النمط الثاني، فهو صاحب موقف فلسفي ونقدي واضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في قضايا أدبية - فلسفية " حديثة ومعاصرة" بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل أو لم تعبث به يدي الباحثين.

علاوة علي أن " صالح الطائي" يعد واحداً من أساتذة الفلسفة والأدب والتاريخ والذكاء الاصطناعي، الذين يعملون في صمت وتواضع ودون ضجيج، أو تعالٍ لخدمة تخصصهم الدقيق، فهو من الذين يطلق عليهم لقب " مفكر صاحب مشروع فكري"، ومفكر "مسكون بأوجاع الوطن"، فقد ارتكزت كتاباته على نقد النقد مسلطا الضوء على كثير من القضايا التي نالت حظا من النقاش لدى النخبة المثقفة متخذا في ذلك مسارا جديدا في عالم الفكر والاستبصار، كما تناول في تلك الكتابات قضايا تتعلق بمرجعيات فكرية وأدبية حديث ومعاصر.

ومن هنا يأتي هذا الكتاب "التجربة البشرية " ليقدم الكاتب من خلاله مجموعة الكاتب من خلاله قراءات ودراسات مركزة تهدف إلى تقديم رؤية شاملة للنصوص والأفكار ـ تكشف عن العمق الفلسفي والرمزي والتجريدي والكوني والانزياحي، ليبرز قيمة التجربة الإنسانية في بناء المعرفة من خلال تقديم قراءءة متكاملة ومتعددة الأبعاد بين العقل والروح، والمنطق والتجربة، والمعرفة والتأمل، ذلك لكون الكاتب يعتقد أن الجمع بين محاور النقد الأدبي والبعدين الفلسفي والصوفي يمنح القارئ فرصة للغوص في أعماق النصوص والأفكار، وفهم تجلياتها وأبعادها العقلية والروحية على حد سواء

وهذه القراءات المختارة تمثل في نظر الكاتب دعوة للتأمل والتفكير النقدي والفلسفي، وتتيح استكشاف المعاني الرمزية، والانغماس في التجربة الإنسانية بكل تراثها وتعقيداتها، ففي عصر الإزدهار العلمي لم يعد الكانب تقليديا بعد أن تمرد على الموروث وانبعث طوفانا فكريا تكون من مئات القراءات والاقتباسات التي منحته ثراثا فكريا تكون من مئات القراءات والاقتباسات التي منحته ثراء فكريا جعله يغوص في عوالم اخرى غير ما ائتلف من الشعر أو القص، ولذا يستحيل أن تد نصا رصينا خاليا من هذه الأبعاد الروحية الوجودية المحفزة التي تنتزع القارئ من هدوئه لتلقي به في دوامات فكرية غاضبة يشعر من خلالها بمتعة القراءة

وفي هذا الكتاب يقدم الكاتب كما يقول رحلة فكرية وروحية تدعو القارئ إلى استكشاف مسارات جديدة بين النصوص والأفكار، والتأمل في العلاقة بين العقل والروح، وبين النقد والتأمل، وبين المعرفة والتجربة الإنسانية، بما يتيح له رؤية شاملة وعميقة للواقع الإنساني والثقافي.

علاوة على ان الكتاب يعد حسب اعتقادي يعد سبقا في مجال النقد وذلك لكونه بين التحليل الفلسفي والنصوص الصوفية المختارة من مختلف التقاليد، مثل الهندوسية والبوذية والطاوية والمسيحية، واليهودية والإسلامية، مما يبرز التداخل بين الفلسفة والتصوف عبر الثقافات.

ومن هذا المنطلق فإن البحث الفلسفي في نظر الدكتور "صالح الطائي" تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بالباحث وليس مجرد مجموعة من النقول والشروح والتعليقات المفتعلة. وعلاوة علي ذلك فإن جدية " صالح الطائي " وأصالته تتكشف عندما يطرح القضايا الفكرية والشعرية والنثرية.

ولهذا يعد " صالح الطائي" في هذا الكتاب واحداً من أبرز الوجوه الأدبية من إخواننا العراقيين المعاصرين والمتمرسين في الشعر والنثر الأدبي، وهو يمثل قيمة كبيرة وشعلة من التنوير الفكري التي بدأها منذ ربع قرن باحثاً ومنقباً عن الحقيقة والحكمة. إنه الأديب الأريب الباحث عن سبيل يحفظ للإنسان حريته وكرامته فهو ينقب في ثنايا الشعر العراقي الحديث والمعاصر.

فتحية خالصة لأخي وصديقي الدكتور "صالح الطائي" الذي كان وما يزال رمزاً من رموز المعرفة الموسوعية الفريدة، وواحداً من أصحاب الرؤية الفكرية والثقافية الشاملة.. بارك الله فى " صالح الطائي "، وأفاد تلاميذه وقراءه بعلمه ووطنيته، بفكره وموضوعيته، بنقائه وطبيعته.

***

دكتور محمود محمود محمد علي

مفكر مصري

في المثقف اليوم