قضايا

عصام البرّام: مفهوم الزمن في الأدب العربي

يشكل الزمن أحد أكثر المفاهيم حضوراً وتعقيداً في التجربة الإنسانية، وقد انعكس هذا الحضور بعمق في الأدب العربي منذ أقدم عصوره حتى يومنا هذا. فالزمن في النص الأدبي ليس مجرد إطار خارجي تتحرك فيه الأحداث، بل هو عنصر فاعل في تشكيل الرؤية واللغة والوجدان، ومرآة تعكس علاقة الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. ومن خلال تتبع تمثلات الزمن في الأدب العربي، يمكننا قراءة تحولات الوعي العربي، وتقلبات نظرته إلى الوجود والمصير والذاكرة.

في الشعر الجاهلي، بدا الزمن قوة غامضة قاهرة، ارتبط بالفناء والخراب وتقلب الأحوال. فالوقوف على الأطلال لم يكن مجرد تقليد فني، بل كان فعلاً فلسفياً عميقاً، يواجه فيه الشاعر هشاشة الوجود أمام سطوة الدهر. الأطلال هي الزمن المتجسد في المكان، وهي الشاهد الصامت على ما مضى ولم يعد. ومن خلال مخاطبة الديار البالية، كان الشاعر يحاور الزمن ذاته، معترفاً بعجز الإنسان أمام جريانه الذي لا يتوقف، لكنه في الوقت نفسه يحاول تثبيت اللحظة بالكلمة، وكأن الشعر مقاومة رمزية للفناء.

ومع ظهور الإسلام، طرأ تحول جوهري على مفهوم الزمن في الثقافة العربية. لم يعد الزمن مجرد دهر أعمى، بل صار جزءاً من نظام كوني محكوم بالإرادة الإلهية. انعكس هذا التحول في الأدب، حيث اكتسب الزمن بعداً أخلاقياً وروحياً، مرتبطاً بالحساب والجزاء، وبفكرة العبور من الفناء إلى البقاء. أصبح الماضي مجالاً للعظة، والحاضر ميداناً للفعل، والمستقبل وعداً أو وعيداً. هذا الوعي الزمني الجديد أسهم في تهذيب النظرة إلى الحياة، وفي إعادة ترتيب علاقة الإنسان بالوقت، لا بوصفه عدواً، بل أمانة ومسؤولية.

في العصر العباسي، ومع ازدهار الفكر والفلسفة، اتخذ الزمن أبعاداً أكثر تعقيداً في الأدب. لم يعد يُنظر إليه فقط من زاوية دينية أو وجدانية، بل أصبح موضوعاً للتأمل العقلي. تجلت هذه الرؤية في الشعر والنثر، حيث برز الإحساس بتسارع الزمن، وبقصر العمر، وبزيف اللذة العابرة. كثير من النصوص العباسية عبّرت عن وعي حاد باللحظة، وعن محاولة لاقتناص المتعة قبل انقضائها، وهو ما يكشف عن صراع داخلي بين الفناء والرغبة في الخلود، بين العقل الذي يدرك حتمية النهاية، والوجدان الذي يرفض الاستسلام لها.

أما في الأدب الصوفي، فقد بلغ مفهوم الزمن ذروة تجريده الفلسفي. الزمن هنا لا يُقاس بالساعات والأيام، بل بالحالات الروحية والمقامات. الحاضر يصبح لحظة اتصال، والماضي والمستقبل يذوبان في تجربة الفناء في المطلق. الصوفي يسعى إلى الخروج من الزمن لا إلى الخضوع له، ويرى في الذاكرة والحلم معابر إلى الحقيقة. اللغة الصوفية، بما تحمله من رموز وإشارات، تعكس هذا التحرر من الزمن الخطي، وتفتح النص على أفق أبدي يتجاوز حدود التاريخ.

المفهوم الحديث

في الأدب العربي الحديث، عاد الزمن ليطرح نفسه بإلحاح، ولكن في سياق مختلف. فالتجربة الاستعمارية، وما رافقها من انكسارات وتحولات، خلقت وعياً زمنياً مأزوماً. أصبح الماضي عبئاً ثقيلاً تارة، وملاذاً حنينياً تارة أخرى، بينما بدا الحاضر مرتبكاً، والمستقبل غامضاً. انعكس هذا القلق في الرواية والشعر، حيث تكسرت الخطية الزمنية، وتداخلت الأزمنة داخل النص الواحد. لم يعد السرد يسير من البداية إلى النهاية، بل أصبح دائرياً أو متشظياً، يعكس تفتت الوعي وضياع البوصلة.

وتكشف الرواية العربية الحديثة بشكل خاص عن علاقة معقدة بالزمن. فالذاكرة تلعب دوراً محورياً في بناء السرد، وتتحول إلى أداة لاستعادة الماضي لا بوصفه حدثاً منتهياً، بل بوصفه قوة فاعلة في تشكيل الحاضر. الزمن الروائي يصبح ذاتياً، يتباطأ أو يتسارع وفق الحالة النفسية للشخصيات. هذا التلاعب بالزمن لا يخلو من بعد فلسفي، إذ يطرح أسئلة عن الحقيقة، وعن إمكانية الإمساك باللحظة، وعن جدوى البحث عن معنى ثابت في عالم متغير.

كما أن الشعر العربي المعاصر قدّم رؤية مغايرة للزمن، حيث تراجع الإيقاع المنتظم لصالح لحظة مكثفة، مشحونة بالدلالة. القصيدة الحديثة لا تحكي الزمن، بل تعيشه، وتكثفه في صورة أو إحساس أو مفارقة. الزمن هنا تجربة داخلية، مرتبط بالوعي الفردي أكثر من ارتباطه بالتاريخ الجمعي. وهذا التحول يعكس انتقال الإنسان العربي من الإحساس بالزمن الجماعي إلى القلق الفردي، ومن اليقين إلى التساؤل.

إن تتبع مفهوم الزمن في الأدب العربي يكشف أنه ليس مفهوماً واحداً ثابتاً، بل شبكة من الرؤى المتداخلة التي تتغير بتغير السياق الثقافي والفكري. الزمن في الأدب مرآة للفلسفة الكامنة خلف النص، وللأسئلة التي تشغل الإنسان في كل عصر. ومن خلال هذه المرآة، نستطيع أن نقرأ تاريخ الوعي العربي، لا بوصفه تسلسلاً للأحداث، بل بوصفه رحلة فكرية وروحية في مواجهة الفناء، ومحاولة دائمة لمنح الحياة معنى يتجاوز حدود اللحظة العابرة.

وإذا واصلنا التعمق في البعد الفلسفي لمفهوم الزمن في الأدب العربي، سنلاحظ أن الزمن لا يُطرح فقط كإشكالية وجودية فردية، بل بوصفه عنصراً حاسماً في تشكيل الوعي الجمعي والهوية الثقافية. فالأدب العربي، في كثير من تجلياته، يعكس توتراً دائماً بين زمن مثالي متخيل وزمن واقعي معيش. هذا التوتر يظهر بوضوح في الخطاب الأدبي الذي يستدعي الماضي الذهبي ليقارن به حاضراً مأزوماً، فيتحول الزمن إلى أداة نقد ثقافي، وإلى وسيلة لطرح سؤال النهضة والانحطاط، لا على مستوى التاريخ فقط، بل على مستوى القيم والمعنى.

وفي هذا السياق، تلعب الذاكرة دوراً مركزياً في تشكيل الزمن الأدبي. فالذاكرة ليست مجرد استرجاع لما مضى، بل إعادة بناء للماضي وفق حاجات الحاضر وهواجسه. كثير من النصوص العربية الحديثة تعيد كتابة التاريخ الشخصي والجماعي، لا بدافع التوثيق، بل بدافع الفهم والمساءلة. الزمن هنا يصبح مادة قابلة للتأويل، وليس حقيقة مغلقة. ومن خلال هذا الاشتغال على الذاكرة، يحاول الأدب أن يحرر الماضي من قدسيته الجامدة، وأن يجعله حوارياً، مفتوحاً على أسئلة الحاضر.

المفهوم المعاصر

كما يبرز في الأدب العربي المعاصر وعي متزايد بما يمكن تسميته «الزمن المكسور»، وهو زمن الانقطاعات الكبرى التي خلّفتها الحروب والهزائم والمنفى. هذا الزمن لا يسير في خط مستقيم، بل يتشظى إلى لحظات صدمة، تتكرر في الوعي وتفرض حضورها القسري. في مثل هذه النصوص، يفقد الزمن معناه التقليدي، ويتحول إلى إحساس دائم بالانتظار أو التعليق، حيث لا الماضي يُستعاد بالكامل، ولا المستقبل يُتخيل بوضوح. هذا الإحساس ينعكس في بنية النص ذاته، من خلال التقطيع، والتكرار، والقفز المفاجئ بين الأزمنة.

ومن زاوية فلسفية أعمق، يمكن القول إن الأدب العربي تعامل مع الزمن بوصفه سؤالاً عن المعنى، لا عن الامتداد. فالزمن لا قيمة له في ذاته، بل بما يحمله من تجربة ومعرفة وألم. لذلك نجد أن كثيراً من النصوص تركز على لحظة مفصلية واحدة، لحظة كشف أو فقد أو وعي، وتمنحها كثافة رمزية تجعلها أوسع من زمنها المحدود. هذه اللحظة تتحول إلى مركز ثقل النص، وإلى نقطة التقاء بين الماضي والمستقبل، وكأن الأدب يحاول أن ينتصر على الزمن الكمي بزمن كيفي أكثر عمقاً.

ويكشف هذا التصور عن علاقة الأدب العربي بالقلق الوجودي، إذ إن الوعي بالزمن هو في جوهره وعي بالموت. من هنا، يصبح الأدب محاولة لتأجيل الفناء، أو لمنحه معنى محتملاً. الكتابة نفسها فعل زمني بامتياز، لأنها تحفظ الصوت من الزوال، وتمنح التجربة شكلاً قابلاً للبقاء. ولذلك كثيراً ما يظهر الكاتب العربي في نصوصه منشغلاً بفكرة الأثر، وبما سيبقى بعد الرحيل، سواء أكان هذا الأثر كلمة، أم ذاكرة، أم سؤالاً مفتوحاً.

ولا يمكن إغفال البعد اللغوي في تشكيل مفهوم الزمن، فاللغة العربية بما تحمله من ثراء صرفي ودلالي، تتيح إمكانات واسعة للتلاعب بالزمن والتعبير عنه. صيغ الأفعال، وتعدد مستويات الحكي، والانزياح البلاغي، كلها أدوات تسهم في خلق زمن خاص بالنص، زمن لا يخضع بالكامل لقوانين الواقع. وهذا ما يمنح الأدب العربي قدرته على الجمع بين الآني والأبدي، بين اللحظة العابرة والدلالة المستمرة.

من خلال ذلك، يظهر مفهوم الزمن في الأدب العربي بوصفه مجالاً للتفكير الفلسفي بامتياز، وليس مجرد خلفية سردية أو شعرية. إنه مساحة للتأمل في المصير، وفي العلاقة بين الإنسان وتاريخه، وبين الذات وتحولاتها. ومن خلال هذا الاشتغال العميق على الزمن، يظل الأدب العربي قادراً على طرح أسئلته الكبرى، وعلى ملامسة جوهر التجربة الإنسانية في بعدها الأكثر هشاشة وصدقاً.

***

د. عصام البرّام

في المثقف اليوم