قضايا

شيماء هماوندي: المقهى الفلسفي

يشهد المجتمع المعاصر ظهور المقاهي الفلسفية، والتي هي بمثابة عودة الفلسفة الى ممارسة دورها الفعّال في المجتمع، ولكن بإسلوب مُعاصر، حيث إن الهدف الأساسي من فكرة المقهى الفلسفي، هو تقديم الفلسفة بنكهة مختلفة، ومُعاصرة، وعودة الفلسفة الى أحضان المجتمع، والعمل على تقديم العون الفلسفي لأبناءه.

ماهو المقهى الفلسفي؟

المقهى الفلسفي هو مكان يجتمع فيه المفكرون، والباحثون، ومُحبو الفلسفة، وهو إسم مُعاصر لجلسات نقاشية يجتمع فيها أفراد من مختلف الخلفيات الثقافية، مُتعطشين للتفلسف، وطرح الأفكار، والتساؤلات، ومحاولة الإجابة عنها، بطريقة تفاعلية لا تُقصي أي مُتحدث، بل تُساهم في تطوير الأفكار، وتستمع لوجهات النظر المختلفة، في أجواء تتمتع بمساحة من الحرية في طرح الأفكار الفلسفية، وتبادل الهموم اليومية، والخبرات، والتجارب الحياتية مع الآخرين من دون نظرة دونية، أو أحكام مُسبقة.

هل يُصبح المقهى الفلسفي وسيلة لجعل الفلسفة ممارسة يويمية؟

 إن طبيعة واجواء المقاهي الفلسفية المعاصرة تعود بنا الى مظاهر الحوار السقراطي ذاتها التي مارسها سقراط، وفلاسفة آخرون في أثينا قديماً، ولكن بنكهة مُعاصرة، حيث يُعتبر المقهى الفلسفي المُعاصر هو إسلوب حديث لممارسة فلسفية قديمة قِدم سقراط، تتمثل في إحياء الروح الفضولية لدى الإنسان، وممارسة حقهِ في التساؤل، وهو نوع من الممارسة الفلسفية التي تربط الفلسفة بالحياة، وبنبض المُجتمع، ومشكلاته اليومية، حيث تُطرح على طاولاتها تزامناً مع اكواب القهوة والشاي، الكثير من الأفكار والتساؤلات التي هي إنعكاس للتجارب اليومية، وهموم المجتمع، وأغلب الذين يرتادون المقاهى الفلسفية يسيطر عليهم روح الفضول أكثر مما في جعبتهم من اسئلة، حيث أنهم يعيدون ممارسة الفلسفة، بوصفها وسيلة من وسائل التحقيق الفلسفي، الذي يمكن أن يتبناه اي رجل، أو إمرأة، لأستعادة إذكاء حس التساؤل الفضولي، وفي الحقيقة هم لا يبحثون عن إجابات قاطعة، أو نهائية، بل يشاركون في حلقة نقاش مفتوح، يستعيدون من خلاله حقهم في ممارسة التفكير والتساؤل الفلسفي، ويطورون فيه قدراتهم النقدية، والتحليلية، والمنطقية، ويتعلمون بشكل عملي التعاون في البحث عن الحقيقة، وليس الأنفراد بالإجابات، وإحتكارها.

 إن المقهى الفلسفي عبارة عن حلقة نقاش يتعلم فيه الشخص طرح الأفكار، والحوار والتفاعل مع المُشاركين، وهو ذلك النوع من "التفلسف المُعاصر" الذي يؤمن بان الفلسفة يمكن أن تصبح ممارسة يومية، وفي كثيرٍ من الأحيان يمكن للحوار الفلسفي أن يُعلّمنا عن أنفسنا، وعن العالم من حولنا، أكثر مما نتعلمه من الإجابات التي نبحث عنها.

في القرن الثامن عشر عقد فولتير إجتماعات في المقهى الباريسي المُفضل لديه، (لا بروكو)، حيث صقل أفكاره حول المنطق، وتطوير العلوم الطبيعية حول البشر، وبعد قرنين من ذلك، طور جان بول سارتر فلسفته الوجودية تحت المصابيح المُزخرفة بقطع الزجاج في مقهى (كافي دي فلور)، ولكن تلك المقاهي كانت مُقتصرة على النُخبة، بينما يشهد عصرنا عودة المقاهي الفلسفية بنكهة مُختلفة ومُعاصرة، لا تقتصر على طبقة معينة من الناس، ولا تبحث عن الإجابات القطعية، ولا تدعي المعرفة اليقينية، بل تتبع أثر سقراط الذي لم يدعي يوماً أنه يعرف ويمتلك جميع الإجابات، سقراط كان يدعو الى العيش بالفلسفة، ويمارس التفلسف بين الناس، وفي الشوارع، والأسواق، بإسلوبه الشهير المعروف بالحوار، وكان يؤمن أن كل معرفة، وكل إفتراض، يجب أن يُشكك فيه، ويتم فحصه، وتحليله، ولا يوجد اي أمر يمكن حسمه بشكل نهائي، فكل نتيجة قابلة للبحث من جديد، وكان سقراط يُردد ويُكرر مقولته الشهيرة دائماً: أن الشيء الوحيد الذي يعرفه، هو انه لايعرف شيئاً.

هنالك شيء مهم يجب إدراكه عن المقاهي الفلسفية المعاصرة، إنها في كل نقاشاتها لا تحتكر الإجابات، لأن هنالك دائماً المزيد لأكتشافه، وهنالك دائماً وجه آخر للحقيقة.

إن المقهى الفلسفي المعاصر ليس مجرد مكان لإستعراض ما نملك من معلومات، ولا مجرد عرض لما قرأناه عن فلاسفة الماضي، وآراءهم ونظرياتهم، إنه مكان يأتي إليه الناس من مختلف الخلفيات، والمستويات الثقافية، ليس لمُجرد البحث الفلسفي، ومناقشة الأفكار الفلسفية، بل لممارسة الفلسفة بوصفها إسلوباً في العيش، وطريقة حياة.

***

شيماء هماوندي

في المثقف اليوم