قضايا

غالب المسعودي: العظمة القذرة والعار السامي

تتمحور المعضلة الجوهرية للوعي الأخلاقي في سياقه المعاصر حول التداخل المعقد بين تجليات القوة المادية المشوبة بالانحلال القيمي، وبين الانكسار الوجداني الذي يتخذ طابعاً متعالياً. إن دراسة "العظمة القذرة" و"العار السامي" تتطلب فحصاً دقيقاً لآليات تشوه الوعي الأخلاقي، حيث لم تعد القيم تعمل كبوصلة مطلقة، بل أضحت خاضعة لعمليات إعادة تدوير جمالية وسياسية. يمثل الوعي المشوه حالة يغيب فيها الاتساق بين الفعل والقيمة، مما يؤدي إلى ظهور أنماط وجودية تجد في القذارة جلالاً، وفي العار رفعة، وهو ما يشكل جوهر هذه المقاربة التي تستند إلى معطيات غيبية وتاريخية وجمالية.

 التشوهات اللاهوتية وجدلية القدرة

ينبثق الوعي الأخلاقي المشوه تاريخياً من نقاشات غيبية (لاهوتية) عميقة حول طبيعة الإنسان وقدرته على الفعل الأخلاقي. برزت قضية "القدرة" كمرتكز لفهم المسؤولية؛ حيث يؤكد بيلاجيوس أن الإنسان يمتلك قدرة ذاتية على فعل الخير، مما يمنحه سيادة أخلاقية مستقلة. في المقابل، يجادل أوغسطينوس ومارتن لوثر بأن هذه القدرة منعدمة خارج إطار "الاتحاد الجوهري" مع المصدر المطلق، مشبهين العلاقة بين الخالق والمخلوق بالعلاقة بين الجذع والأغصان؛ فبدون الجذع تذبل الأغصان وتفقد ماهيتها الأخلاقية.

هذا الانقسام يؤسس لملامح "العظمة القذرة"؛ فعندما يتوهم الوعي امتلاك قدرة مطلقة منفصلة عن جذورها القيمية، فإنه يبني عظمة زائفة. إن التمييز بين النظام الطبيعي والنظام الروحي يضع الوعي في مأزق؛ فالفرع الطبيعي لا يمارس قدرته الخاصة، بل يستمدها. ومن هنا، نجد أن الحركات المتطرفة، مثل طائفة "الأبجديين" إبان عصر الإصلاح، بلغت ذروة التشوه برفضها لكل أشكال التعليم البشري، بحجة أن الإلهام الروحي وحده الكافي. جسدت هذه الطائفة نوعاً من "العظمة القذرة" التي ترى في الجهل المطلق رفعةً، وفي رفض المعرفة نقاءً، وهو ما يعكس كيف يقلب الوعي المشوه الرذيلة إلى فضيلة.

العظمة القذرة في سياق المادية والاغتراب

تنتقل العظمة القذرة من السياق الغيبي إلى المادي، حيث تصبح القوة التقنية والضجيج الصناعي رموزاً لعظمة بشرية مشوبة بالفساد الروحي. هنا، تبرز الرؤية الماركسية لتكشف أن هذه العظمة ليست إلا نتاجاً لعملية "الاغتراب"؛ فالعظمة المادية التي تتباهى بها الحداثة الرأسمالية هي عظمة "قذرة" في جوهرها لأنها تقوم على استلاب العامل وفصله عن ذاته ونتاج عمله. يرى كارل ماركس (في مخطوطات 1844) أن الوعي المشوه يقدس "صنمية السلعة"، حيث تصبح الأشياء ذات جلال، بينما يُختزل الإنسان إلى قوة عمل مستلبة.

يتجلى هذا المفهوم عند معاينة الضجيج الصناعي الذي ميز القرن التاسع عشر. يطرح هانز يواكيم براون تساؤلات حول "الأذن الصماء" تجاه الضجيج، حيث كان يُنظر إليه كعلامة على التقدم رغم تدميره للحواس. إن الوعي المشوه يعتبر أن "الاهتزازات" والقوة المادية هي الغاية القصوى، وهي "قذرة" لأنها تقوم على استراتيجيات النفي، حيث تُغرق المحاولات الإصلاحية الهادئة لصالح خطابات صاخبة تقدس الإنجاز المادي. هذا التوجه يخلق فجوة بين "العظمة" المجتمعية و"القذارة" الأخلاقية المتمثلة في تجاهل المعاناة الإنسانية، وهو ما يتسق مع نقد تيودور أدورنو في "جدل التنوير" حول توحش العقل الذي يسحق الفرد باسم المجموع.

 جدلية التقدم والزيف في الفكر المعاصر

يرى برونو لاتور أننا "لم نكن حديثين أبداً"، وهو طرح يفكك العظمة المدعاة للحداثة. الحداثة في نظره شبكة معقدة، وما نعتبره "عظمة" تقنية هو نتاج وعي يفصل بين العلم والأخلاق. كما أن "التفاؤل السياسي" الذي يناقشه والتر لاكور يعمل كغطاء لهذه العظمة، حيث تُزيف الحقائق للحفاظ على صورة إيجابية خادعة، مما يعمق تشوه الوعي العاجز عن رؤية القبح خلف ستار "التقدم". الوعي هنا يمارس "الوعي الزائف" بتعبير جيورجي لوكاش، الذي يمنع الطبقات المسحوقة من إدراك بشاعة وضعها تحت بريق العظمة العمرانية.

العار السامي: استعادة الأخلاق عبر الانكسار

في مقابل العظمة القذرة، يبرز "العار السامي" كاستجابة أخلاقية وجدانية. العار هنا ليس مجرد شعور بالنقص، بل تجربة "جليلة" تفكك الكبرياء الزائف. إن الشخص الذي يختبر العار السامي يمر بحالة من "ارتباك القوى العقلية"، تظهر جسدياً في "الخجل". هذا الارتباك يمثل لحظة الحقيقة؛ حيث يصبح العار "سامياً" عندما يواجه الإنسان نزواته وتكلفه الاجتماعي، مما يدفعه نحو التطهير.

في الأدبيات الفيكتورية، يُصوّر العار كقوة تفكك السلام المزيف لتكشف العيوب الكامنة. إن العار السامي هو اللحظة التي يدرك فيها الوعي قبحه الخاص، وهذا الإدراك فعلٌ "سامٍ" لأنه يفتح باب الإصلاح والرعاية، وهو ما يتقاطع مع رؤية سورين كيركغور حول "القلق" كطريق وحيد للارتقاء فوق الوجود المبتذل.

العار السامي والجماليات المضادة

يُعالج "العار السامي" في الدراسات المعاصرة كأداة لفهم الهويات التي تقاوم الخطابات السائدة. يُنظر إلى العار كفضاء جمالي لاستكشاف المتعة والحب بعيداً عن ضغوط "العظمة" الاجتماعية الزائفة. يتخلى العار السامي عن "قوة الجدل" لصالح "التأمل الهادئ". وبدلاً من السعي نحو عظمة قذرة قائمة على استبعاد الآخر ونفي الضعف، يتجه الوعي نحو عار سامٍ يقر بالضعف الإنساني ويحوله إلى منطلق للحب والتعاطف، محطماً بذلك أصنام القوة التي نصبتها المادية الحديثة.

 آليات الإنكار وآفاق المستقبل

يعمل الوعي الأخلاقي المشوه عبر "استراتيجيات النفي والشك" لتبرير العظمة القذرة وقمع أي شعور بالعار. تعتمد هذه الآليات على تحويل الانتباه من الجوهر الأخلاقي للفعل إلى مظهره وقوته التأثيرية. إن استخدام "المنهج الوثائقي" (كما اقترحه بول أوتليه) قد يُستخدم لتعزيز "العظمة القذرة" عبر إغراق الوعي بالبيانات الجافة وتجريدها من سياقها الإنساني. وهنا تبرز أهمية "نظرية اللعب" في الفكاهة؛ فالضحك وسيلة لمواجهة الجدية الزائفة للعظمة وكشف تناقضاتها.

إن مسار الوعي في المستقبل يعتمد على قدرته على التحول من تقديس "العظمة القذرة" إلى استيعاب "العار السامي". العظمة التي تتجاهل الاتحاد مع القيم المطلقة محكوم عليها بالفساد. في المقابل، فإن العار الذي يقود إلى الخجل يمثل بداية الوعي الحقيقي. إن "الاهتزازات" التي يجب أن نسعى إليها ليست اهتزازات الآلات، بل اهتزاز الضمير أمام قبحه الخاص، ليجد في هذا الارتجاف طريقاً نحو السمو. النجاة الأخلاقية تكمن في القدرة على رؤية القذارة في العظمة، والسمو في العار، مما يتطلب ثورة في الوعي تجعل من "الخجل" فعلاً من أفعال البطولة الفلسفية.

***

غالب المسعودي

....................

مراجع

أوغسطينوس: الاعترافات (بحث في الإرادة والنعمة).

ماركس، كارل: مخطوطات 1844 (تحليل الاغتراب المادي).

أدورنو، تيودور: جدل التنوير (نقد العقل الأداتي والضجيج الصناعي).

كيركغور، سورين: مفهوم القلق (حول السمو عبر الانكسار النفسي).

لاتور، برونو: نحن لم نكن حديثين أبداً (تفكيك أوهام الحداثة).

في المثقف اليوم