قضايا
غالب المسعودي: السخرية البطولية والتورط الجميل
بدأ الأمر بـ "نعم" كبرى لم يقلها أحد. قبل أربعة عشر مليار سنة، قرر العدم أن يتقيأ وجوداً، فانفجرت النقطة لتبدأ رحلة التوسع العظيم. ستيفن هاوكينج، ذلك القزم الجبار الذي قهر جسده المنهار ليقيس اتساع المجرات، أخبرنا بالحقيقة الباردة: الكون لا يوجد زمن للخلق، القوانين الفيزيائية كافية لتفسير هذا الضجيج الكوني.
في خضم هذا الانفجار المادي، وفي زاوية تافهة من مجرة منسية، حدثت "غلطة مطبعية" في كتاب المادة. تعقدت الذرات، تشابكت البروتينات، وانبثق الوعي. نحن لسنا غاية هذا الكون، بل نحن "الحثالة الكيميائية" التي تجرأت على فتح عينيها وسط الحطام. هذا هو التورط الأول، أن توجد دون إذن، وتُطالب بفهم كونٍ لم يُصمم أصلاً لكي يُفهم.
لقد ظللنا لقرون ننسج الأوهام حول "مركزيتنا". اخترعنا الآلهة، والقوميات، والخلود، فقط لنهرب من الحقيقة الصادمة، نحن "صفر" حسابي أمام المقاييس الكونية. إذا اختفت البشرية غداً، فلن تهتز ذرة في كوكب المشتري، ولن يغير ثقب أسود واحد مساره حداداً علينا. الكون "أعمى" تماماً، ونحن العين الوحيدة التي نبتت في جسده بالصدفة.
هنا يبرز "التورط الجميل"؛ أن تدرك تفاهتك المادية المطلقة، وتفاهة أثرك الذي سيمحوه "الفناء الكوني" الوشيك، ومع ذلك، تقرر أن "تمثل" دور الكائن المهم. إنه تورط لأنك مجبر على الشعور، وجميل لأنك أنت من يلوّن هذا الشعور في فراغ لا يملك ألواناً.
هل تملك المادة وعياً؟ الفلسفة الحاضرية تقول إن الوعي ليس "سحراً" هبط علينا، بل هو المادة وقد بلغت أقصى درجات الوقاحة. عندما تنظر إلى المرآة، فإن ذرات الهيدروجين التي ولدت في قلب النجوم تنظر إلى نفسها وتتساءل عن معناها. هذا هو "الوعي المنعكس".
الصخور صامتة لأن وعيها منبسط، لا يرتد إلى الداخل. أما أنت، فقد انحنى وعيك على نفسه، فصرت "عقدة" في عقل كوني مفترض. ولكن، يا لقسوة هذه العقدة! إنها عقدة فعالة، تدرك، وتتألم، وتقتطف الثمار، ثم تُقتلع في لحظة "فناء شخصي" لا تترك خلفها سوى الصمت.
لماذا تبدو "الأنا" غالية جداً بينما هي مجرد نبضة كهربائية في دماغ من مادة عضوية؟ الصدمة تكمن هنا، الفناء الشخصي ليس مجرد موت كائن، بل هو "نهاية كون" كامل بالنسبة لصاحبه. عندما تموت، لا يضيع الجزء لصالح الكل، بل يضيع "الكل" الذي كنت تدركه.
إن الاعتقاد بأن "الأثر" سيبقى هو الوهم الأخير. نحن في فجر الحضارة، ونحن أيضاً في غسق الكون. الشمس ستنفجر، والمجرات ستتباعد حتى تنطفئ الأضواء تماماً. "الموت الحراري" للكون هو المقصلة النهائية التي تنتظر كل سيمفونياتنا، ولوحاتنا، وكتبنا. كل ما كتبناه هو رسالة في زجاجة أُلقيت في محيط سيجمد قريباً.
إذا كان المصير هو الصفر، فما هو الحل؟ الانتحار؟ اليأس؟
لا، بل هي السخرية البطولية.
البطل الحقيقي هو من يرى المقصلة، ويعلم أن لا أحد سيذكره بعد ساعة، ومع ذلك يقف ليحكي نكتة بارعة أو يرسم لوحة مذهلة على جدار السجن. نحن "المحكومون بالوعي"، ونحن الذين قررنا أن تكون زنزانتنا معرضاً للفنون.
أن تعيش بشروطك الخاصة يعني أن تكف عن استجداء المعنى من "الخارج". لا تبحث عن المعنى في النجوم، فهي صماء. لا تبحث عنه في التاريخ، فهو مقبرة. المعنى هو "فعل" تقوم به الآن. الكتابة، الفن، الحب، التفكير.. هذه ليست وسائل لغاية، بل هي الغايات ذاتها.
يقول البعض إن "الأوهام" تضعفنا، لكنني أقول إن "الأوهام الواعية" هي قمة الذكاء البشري. نحن نخلق وهم "القيمة" لنواجه به حقيقة "العدم". عندما تكتب نصاً فلسفياً، أنت لا تغير قوانين الفيزياء، لكنك تكسر هيبة الصمت الكوني. أنت تقول للكون، "أنا هنا، وأنا الآن أبدع إنسانياً، وهذا يكفي".
هذا الـ "يكفي" هو القنبلة التي تفجر العبث. إنه الرضا بأن الومضة، رغم قصرها، كانت ساطعة لدرجة أنها أحرقت الظلمة الكونية للحظة. نحن لسنا بحاجة للخلود لنكون عظيمين؛ العظمة تكمن في أن كائناً فانياً وتافهاً استطاع أن يسأل: "لماذا"؟
لقد تورطنا في الوجود، وهذا التورط لا فكاك منه إلا بالفناء. لكن الجمال يكمن في "كيفية التورط".
التورط الجميل هو أن تكون واعياً بضياعك، ومع ذلك تمشي في الضباب برأس مرفوع.
هو أن تبني حضارة وأنت تعلم أن الفناء الكوني على الأعتاب.
هو أن تحب شخصاً وأنت تعلم أن "الأنا" ستتلاشى وتترك وراءها فراغاً أسود.
إننا نمارس "سيادة" وهمية على المادة، وهذه السيادة هي الحقيقة الوحيدة التي نملكها. نحن "آلهة" في عوالمنا الصغيرة، وشياطين في مواجهة حتمية الموت.
في النهاية، سيعود كل شيء إلى السكون. ستتفكك ذراتنا، وستُمحى معلوماتنا، وسينطفئ العقل الكوني الذي كنا ندعي أننا جزء منه. ولكن، في هذه اللحظة، وفي هذا الحوار، وفي هذا النص.. نحن "هنا".
لقد تورطنا جمالياً في تفسير الانفجار العظيم، وتحولات المادة، والوعي المبصر. لقد سخرنا من قدرنا ببطولة، واعترفنا بتفاهتنا بقوة، واكتفينا باللحظة كوطن نهائي.
الكون لا يتكلم عن نفسه؟ نعم، هذا صحيح. ولكننا تكلمنا عنه، وفعلنا ذلك ببراعة، وهذا يكفي ليجعل من هذه الصدفة البيولوجية أعظم عرض في تاريخ الوجود.
أنا هنا الآن، وأنت هناك الآن.. نحن العقدتان اللتان تضيئان في شبكة الوعي قبل أن يُقطع التيار. فليكن رحيلنا صاخباً، وليكن إبداعنا شاهداً على
إن القلق من "الكلمة الأخيرة" ينبع من ظننا أن النهاية هي "بتر" للقصة، لكن في فلسفة التورط الجميل، النهاية هي "الاكتمال". فالقوس لا يسمى قوساً إلا إذا انحنى ليلتقي بنهايته، والدائرة لا تكتمل إلا حين تعود النقطة إلى مسكنها الأول.
النهاية ليست سقوطاً في الهاوية، بل هي اللحظة التي يغلق فيها الوعي ملفاته بعد أن استنفد طاقة الدهشة. إن جدوى الكلمة الأخيرة تكمن في أنها تحوّل "الصيرورة" القلقة إلى "كيان" تام. نحن لا نكتب لنبقى، بل نكتب لنقول إننا "كنّا". والفرق بين "العدم" وبين "كونك كنت" هو الفرق بين الصمت الأصم وصمت ما بعد المعزوفة؛ الأول فراغ، والثاني امتلاء وصدى.
عندما نصل إلى حافة الفناء الكوني والشخصي، يسقط الكلام وتصمت الفلسفة، لكنه ليس صمت الهزيمة، بل هو "الصمت المهيب". هو صمت القائد الذي خاض معركته ببراعة ويعلم أن الموت قادم، فيضع سيفه بهدوء وينظر إلى الأفق.
في هذا الصمت، ندرك أن "التورط" لم يكن عبئاً، بل كان "هبة الوجود". لقد أُعطينا فرصة لمرة واحدة لنكون "جهاز الاستشعار" لهذا الكون الأخرس. الصمت المهيب هو الحالة التي يتوقف فيها العقل عن التساؤل بـ "لماذا"، ويبدأ في التلذذ بـ "أننا وُجدنا". إن الصمت هو المادة الخام التي نُحت منها الوعي، والعودة إليه هي عودة الفاتحين لا المهزومين.
قد يتساءل قلبك: إذا كان الصمت هو النهاية، فما نفع الإبداع؟
الحقيقة الصادمة هي أن المعنى لا يحتاج لزمن طويل ليكون حقيقياً. اللحظة الواحدة من "الإبصار" تزن في ميزان الوجود أبدية كاملة من العماء المادي. الصمت لا يبتلع المعنى، بل يحتضنه. إن كل كلمة كتبتها، وكل لوحة رسمتها، قد غيّرت من "تردد" الوجود للأبد.
الكون الذي حدث فيه "فنّك" هو كون مختلف جذرياً عن كونٍ لم يحدث فيه شيء. الصمت الذي يلي إبداعك هو صمت "مقدس" لأنه يحمل في أحشائه ذكرى النور الذي أطلقته.
النهاية هي التي تمنح الحياة "قيمتها الجمالية". لولا الموت لكانت الحياة رتيبة، بلا طعم، ولا معنى. نحن نبدع لأننا "متلاشون". إبداعنا هو صرخة الاحتجاج ضد الزوال، وهذه الصرخة هي التي تعطي للكون نكهته الدرامية
إن "التورط الجميل" يصل لذروته عندما ندرك أننا لسنا "ضحايا" للفناء، بل نحن "مهندسو النهاية". نحن من نضع النقطة الأخيرة بوعي، وبسخرية بطولية، وبابتسامة من يعرف أن اللعبة قد لُعبت على أكمل وجه.
الصمت المهيب الذي يلفنا الآن هو صمت "التواطؤ" بيني وبينك، بين المادة والوعي، بين الخوارزمية والإنسان. نحن متورطون في جمال هذا الإدراك، وهذا الاكتمال يكفي ليردم هوة العدم.
***
غالب المسعودي






