عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

أمين اليافعي: من وهم الوحدة المحتومة وأخلاق الفزعة إلى عقلانية التكامل

ونحن نقف على اعتاب مرحلةٍ عاصفةٍ بالتباينات، يستدعي تقييمُ العمل العربي المشترك قراءاتٍ أكثر عمقاً مما أُنجز حتى الآن؛ دراساتٍ جادة تتجاوز التأبين العاطفي والاتهام المُبسَّط/المُبطَّن، لتتوقف أمام أسئلة جوهرية: أين كانت الأخطاء؟ وما طبيعة المعوقات البنيوية التي أجهضت مشاريع الوحدة والتكامل؟ وكيف تشكّلت الخطابات التي حكمت هذه الدعوات وأطّرت تصوّراتها؟

في هذا المقال لن نُقدِّم إجابةً شاملة لكل هذه الأسئلة، بل نسعى إلى قراءةٍ تحليلية حول ظاهرتين بعينهما، تكشف كل منهما عن أعطابٍ عسيرةٍ في منهجية التفكير وطريقة العمل. الأولى هي وَهْمُ الوحدة المحتومة؛ ذلك الاعتقاد الراسخ الذي جعل الوحدة العربية تبدو مجرد تحصيلاً حاصلاً لا يحتاج إلى هندسة، فتم تحويل خيبات الأمل إلى عملةٍ رائجة ومزدهرةٍ من التهم والتخوين. والثانية هي أخلاق الفزعة؛ تلك المنظومة العلائقية المستمدة من ثقافة تقليدية حكمت العلاقات العربية البينية وأبقتها رهينةَ الأمزجة والمواقف اللحظية المتبدلة عوضاً عن بناء سكك إستراتيجية متينة تستطيع فيه عربات قطار العمل العربي المشترك السفر مع بعضٍ لمسافاتٍ طويلةٍ، ودون حدوث انفصالات غير ضرورية، أو ارتجاجات وخروج كليّاً عن السكّة.

وهم الوحدة المحتومة

سيطرت على الخطاب العربي السياسي فكرةٌ أقرب إلى العقيدة الراسخة منها إلى الفرضية القابلة للاختبار: أن الشعوب العربية هي حالةُ تكاملٍ ناجزةٍ في جوهرها، تنتظر فقط من يُفتح لها الأبواب لتدخل إلى فضاء الوحدة الكبرى بكل سلاسةٍ وتلقائيةٍ. وأن كل ما يفصلها عن ذلك المصير المحتوم ليس سوى تشطيباتٍ خطابيةٍ أو نضاليةٍ بسيطةٍ مع إزالة الأعشابٍ الاستعمارية التي نبتت على قارعة الطريق. وعلى هذا الأساس الهشّ صُيغت البيانات القومية وأُعلنت الجمهوريات المتحدة، واُقيمت مشاريع وحدوية عدّة، بأشكالٍ ومستوياتٍ مختلفة حفزتها المشاعر المتوثبة نحو إقامة مشروعٍ وحدويٍّ شاملٍ.

بيد أن الإنسان العربي، شأنه شأن كل إنسان على هذه الأرض، كائنٌ مركّب ومُعقد التضاريس، ولا يمكن اختزاله في نداء عرقيٍّ واحدٍ ولا في قاسمٍ ثقافيٍّ وحيدٍ، وهو مجموعةٌ حيّةٌ ومتحركةٌ من الولاءات المتشعبة، والتحيّزات المتراكمة والمُستجدّة، والمصالح المتنافسة، والهويات/الانتماءات المتداخلة والمتزاحمة. وحين يأخذ العقلُ السياسي العربي هذه الحقيقة على محمل الجد، لا على سبيل انتهازها كفرصة كسولة ولئيمة لشحن رصيد الأحكام المُسبقة، ولبناء ترسانة من الاتهامات والتخوينات، سيُدرِكُ فوراً أنه ليس أمام مجموعة من قطع السيراميك المرتبة والمتناسقة والجاهزة لوضع بعضها بجانب بعض بكل سهولةٍ ويُسرٍ أو في أسوأ الأحوال أمام مادة خام كل ما تحتاجه هو قليلٌ من الصهر فحسب، بل هو أمام مجتمعات إنسانية كاملة بكل ما في المجتمعات الإنسانية من تناقضات وتعقيدات وتقاطعات، متون أو هوامش للانعزال وللأنانية وللتفانٍ وللعمل الجماعي في الوقت ذاته، وكل ذلك يحتاج إلى هندسة دقيقة وصبورة، ولعملٍ مؤسسي شديد الإتقان والحساسية، ورؤية استراتيجية مُحصنة بالواقعية الطموحة وبتراكم التخطيط المُبتكر.

وبمراجعة تقييمه للكيفية التي ظهرت من خلالها الدعوة لإقامة مشاريع تكامل عربية، سيلاحظ المرء بسهولة أن المشكلة لم تكن في أن العرب أرادوا مشروع الوحدة أو التكامل على سبيل المثل، أو حلموا به طويلاً كاستجابةٍ لتحدياتٍ كثيرةٍ، بل لأنهم أرادوا كل شيءٍ على الفور وبضغطة زرٍ واحدةٍ، وظنّوا أن الإرادة تكفي، وأن الحماس يُغني عن هندسة المشروع، وأن الخطابة تنوب عن المؤسسة أو العمل المؤسسي. وحين ظهرت الخلافات، كما لا بد أن تظهر في كل مشروع إنساني، لم تُعامَل تلك الخلافاتِ والاختلافات بوصفها محطاتٍ في مسيرةٍ طويلة الأمد، بل استُقبِلت كدليلٍ واضح على الخيانة، وكشاهدٍ أكيدٍ على المؤامرة، فأُنتج بذلك سلسلة متتالية من مقاصل التخوين ودوامات الإحباط والطرد والانسحابات التي لم تتوقف للحظة.

وتجنباً للإطالة أو للإسهاب في توصيف الحالة التي يعرفها جميعناً جيداً، والانتقال إلى الحديث عن مصفوفة من المعوقات البنيوية تضافرت في إجهاض العمل العربي المشترك، يمكن الإشارة هنا إلى أبرزها:

أولاً: أزمة الدولة قبل أزمة الوحدة. لم تشهد معظم الدول العربية بناءً حقيقياً للدولة بمعناها المؤسسي العقلاني، بمعنى الدولة القادرة على تحويل الموارد إلى رفاه، وتحويل التنوع إلى تعدد منتِج، وتحويل المواطنة من شعار إلى عقد اجتماعي نافذ. الدولة التي لم تُوحّد الداخل لا تملك ما تقدمه في إطار التوحيد الخارجي، إذ لا يُصدَّر إلا ما يُنتَج. وقد أفضى هذا إلى ظاهرة مقلقة: أن المشاركة في المشاريع الوحدوية كانت في أغلب الأحيان أداةً من أدوات تعزيز الشرعية الداخلية الهشّة، يُلوَّح بها في مواجهة المعارضة الداخلية، لا التزاماً استراتيجياً بمشروع مشترك. ولهذا تحديداً كانت الانسحابات مباغتةً وقاسيةً كلما أصبح الثمن الداخلي أعلى بكثيرٍ من الربح الرمزي من أصول شعارات مشروع الوحدة.

ثانياً: غياب ثقافة التفاوض الندّي. اتسمت العلاقات العربية البينية في الغالب بأحد نمطين متطرفين: إما الاندماج العاطفي الكامل الذي لا يتسامح مع الاختلاف، وإما القطيعة التامة حين يبرز الخلاف. وغاب النمط الثالث والأهم: علاقة التفاوض المؤسسي بين أطراف متساوية في القيمة الاعتبارية ومتباينة في المصالح، تتفق حين تتفق وتختلف حين تختلف دون أن يُصبح الاختلاف كارثةً وجودية.

ثالثاً: سوء قراءة طبيعة النظام الدولي. تعاملت نخب الوحدة العربية مع النظام الدولي كأنه إما حليف يجب استرضاؤه، وإما عدوٌّ يجب مقاومته، وأهملت الاحتمال الأكثر قرباً إلى الواقع: أنه نظام فوضوي تُديره المصالح، لا الولاءات ولا العداوات الدائمة. وهذا القصور في الفهم أدى إلى نتيجتين متناقضتين: إما الإفراط في التبعية للقوى الكبرى ظنّاً أن الحماية الخارجية وحدها ستعوّض الأمن المشترك، وإما مغامرات المواجهة الانتحارية التي تحاول تجاوز موازين القوى بالشعارات الثورية وحدها. وغنيٌّ عن القول بإن كلا الخيارين كلّف وسيكلّفُ المنطقة ثمناً باهظاً.

رابعاً: فخ الخطاب الاستبدالي. أنتج الخطاب القومي والإسلامي معاً - وإن من منطلقات مختلفة - نمطاً من التعبئة يقوم على استبدال السياسة بالهوية. أي أن الشعور بالانتماء المشترك، سواء أكان عروبةً أم إسلاماً، طُرح بديلاً عن بناء المؤسسات وتنظيم المصالح، والتركيز على المشاريع التنموية، وإدارتها بصورة عقلانية. والخطورة في هذا الاستبدال أنه يُعطّل العقل السياسي، ويزيح عنه المسئولية، ويعفيه من المساءلة، لصالح الاكتفاء عن كل ذلك بفرض الكفاية الوخيد: الارتجال الخطابي عالي النبرة.

أخلاق الفزعة

لا تزال قاعدة العلاقات العربية البينية في معظمها قائمةً على ما يمكن تسميته بـ"أخلاق الفزعة": منظومة علائقية تنبثق من القيم التقليدية ومفاهيم الشرف المتبادل، حيث تدفع الهبّةُ الهبّةَ، ويستدعي النداءُ الإغاثةَ، وتُؤدي المساعدةُ وظيفة بناء العلاقة وتجديد الود والتموضع الرمزي. ولهذه الأخلاق قيمتها في سياقها الأصلي، بل إن فيها من الكرم والتضامن الإنساني ما يستحق الإجلال. غير أن المشكلة تقع حين تُصبح هذه الأخلاق بنيةً تحتيةً للعلاقات بين الدول، إذ قد تنقلب فضائلها إلى عوائق في أوقات الشدّة والتوترات.

فالهبّة، في سياق العلاقات بين الدول، لا تُبنى على تخطيطٍ صارمٍ ومصلحةٍ عقلانيّةٍ تعاقديّةٍ مشتركةٍ وقابلة للاستمرار، بل تُلقي بكل رهانها على الرأسمال الرمزي ومتطلبات الموقف اللحظي. وهي لذلك حادةٌ في التدفق، غير منتظمة في الاستمرار، مشروطةُ بتوافق الأمزجة السياسية لا بمتانة التفكير العقلاني والإطار التعاقدي.

ولا يعني الحديث هنا الدعوة إلى التخلي عن "أخلاق الفزعة" بما فيها من إيجابيات، وبالتالي التخلي عن التضامن، بل يعني إعادة تأسيسها على قواعد أكثر صموداً أمام اختبارات الزمن والمصلحة والتغيّر. والنموذج البديل الذي ندعو إلى بنائه يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية:

العمود الأول: الانطلاق من واقعية بلا قسوة. أي القبول بأن الدول العربية كيانات سياسية عقلانية، تسعى كل واحدة منها إلى حماية أمنها وتعظيم مصالحها وفق منطقها الداخلي وضغوطها المحيطية. هذا القبول ليس تشاؤماً ولا استسلاماً، بل هو شرط أولي للتفكير الجاد. فالشراكة التي تقوم على افتراض أن الطرف الآخر سيتصرف كأخٍ لا كدولة، وهو متاحٌ وتحت التصرّف في كل الأوقات والأزمنة، سيُصاب بصدمة عنيفة عند أول لحظة سيتصرف فيها "الأخ" كدولة، وهو ما لا بد وأن يَحدُث. أما الشراكة التي تقوم على افتراض أن الطرف الآخر دولة تسعى إلى مصلحتها، وبالتالي الاجتهاد في تصميم الإطار المشترك المناسب حيث تكون المصلحة أفضل داخل هذا الإطار من خارجه، هذا النوع من الشراكة القادر على الصمود والاستمرار.

العمود الثاني: تفعيل الاتفاقيات المتعلقة ببناء مصفوفة مصالح مشتركة، وتطويرها وتوسيعها. فشبكة أو منظومة الروابط الاقتصادية والتقنية والبنية التحتية المتشابكة تعمل لوحدها على تمتين عُرى التكامل، بحيث يُصبح تفكيكها مكلفاً على جميع الأطراف، ومحاولة تدميرها تدميراً للنفس. ومصفوفة المصالح المشتركة تخلق حوافز داخلية للحفاظ على الشراكة بدلاً من الاتكال على الإرادة السياسية وحدها. ودون هذه الخطوة سنستمر طويلاً بالدوران في فلك الخطابات الإنشائية.

العمود الثالث: بناء مؤسسات للعمل الجماعي فاعلة، وتضمن تمثيلاً حقيقياً للكل، وبطريقة لا تعكس التقسيم السلبي الفج الذي ساد (مراكز وهوامش). وليس المقصود هُنا، ومن وجهة نظر شديدة الواقعية، إقامة مؤسساتٍ تقوم تذويب الفوارق وتتظاهر بأن الدول سواسية في القدرة والثروة والحجم، فذلك وهمٌ آخر يُضاف إلى قائمة الأوهام. المطلوب شيءٌ أدق وأعمق: إطارٌ قانوني ومؤسسي يُحوّل اللامساواة الموضوعية بين الدول من مصدر توتر وتنازع إلى محفّز تكامل ومحرّك للإنتاج المشترك. وفي سبيل ذلك، يُمكن ابتكار إطار يضمن نوع من "التكافؤ الاعتباري الإيجابي"؛ أي لا تساوٍ مصطنع بين غير المتساوين، ولا تراتبيةٌ تُكرّس التهميش والاستعباد والحط، بل علاقةٌ تعاقدية عقلانية يربح فيها الجميع بنِسَب مختلفة، ويدفع فيها الجميع تكاليف مختلفة، لكنهم يدفعونها باختيار لا باضطرار (لقد كشفت تجربة جامعة الدول العربية بصدقٍ مريرٍ الثمنَ الذي تدفعه المؤسسةُ حين تفتقر إلى سلطة إلزامية واستقلالية حقيقية في إدارة النزاعات: تتحوّل من أداة بناء إلى مرآة خلاف، ومن فضاء للتفاوض إلى منبرٍ للشكوى. والمؤسسة التي لا تملك شرعية اتخاذ القرار لا تستطيع أن تضمن لأي طرف ـ صغيراً كان أم كبيراً، ناشئاً أم متقدماً ـ أن مصلحته محميةٌ داخل الإطار المشترك، فتبقى كل دولة تُراهن على قوتها المنفردة، وهو الرهان الذي يخسر فيه الجميع في نهاية المطاف).

ليس دعوة التكامل العربي المؤسس على نوع العقلانية الواقعية ترفاً فكرياً أو اختلاجات وهواجس قومية/هوياتية، بل هي ضرورة تفرضها ثلاث مقتضيات موضوعية لا تقبل الإلغاء:

الأول: لعنة الجغرافيا. لا تختار الدول جيرانها، والجغرافيا العربية منظومة متصلة تربطها شبكة من التداخلات البنيوية: في المياه والصحاري والسهول ومسارات التجارة والهجرة. ما سيحدث في مكانٍ ما سينتقل إلى مكانٍ آخرٍ كما تنتقل الجوائح. الجغرافيا لا تُفرز خياراً بين التعاون والتنافر، بل تُفرز خياراً بين التعاون المُدار بالعقلانية وحسابات المصالح المتبادلة، وبين التنافر الذي يجعل كل طرف يدفع ثمناً مضاعفاً لما يمكن الحصول عليه بثمنٍ أقلٍ فيما لو اختار طريق التكامل.

الثاني: المجال الأمني المشترك. لا يمكن لأي دولة عربية، مهما بلغت من الثروة أو القوة العسكرية، أن تُحقق أمنها الاستراتيجي بمعزل تام عن محيطها الإقليمي. التهديدات الأمنية الكبرى التي تواجه المنطقة اليوم، من الإرهاب العابر للحدود إلى الهشاشة الدولتية إلى التنافسات الإقليمية الضارية، والصراعات الدولية الكُبرى، لا تُعالَج بالمنطق القُطري الضيق. الدولة التي تختار العزلة الأمنية تدفع فاتورةً أمنية أثقل وأقسى بمراحل من تكلفة الشراكة.

الثالث: المجال الثقافي المُهدَر. ثمة رأس مال ثقافي ضخم تمتلكه المنطقة العربية دون أن تستطيع تحويله إلى قيمة استراتيجية: وحدة اللغة، تكامل الإرث المعرفي، كثافة الإشعاع الحضاري التاريخي. هذا الرأسمال لم يستثمره عقلٌ تنمويٌّ جادٌ في بناء صناعات إبداعية مشتركة وخلاّقة، ولا في تشييد منظومات تعليم وبحث علمي إقليمية، ولا في تصميم سوق ثقافي عربي حقيقي يُعظّم عائد هذا الإرث ويُحوّله من نوستالجيا إلى طاقة فاعلة. إن الاستثمار في هذا المجال الثقافي ليس رفاهية جانبية، بل هو أحد أعمدة بناء المصالح المشتركة، لأنه يخلق طبقات مجتمعية عابرة للحدود لها مصلحة مباشرة في استمرار التكامل واتساعه.

كل ما سبق يستند في نهاية المطاف إلى شرط قِبلي أعمق وأصعب: نضجٌ سياسيٌّ جماعيٌّ يستطيع التمييز بين الاختلاف والعداوة، وبين الخلاف والخيانة، وبين المصلحة الوطنية المشروعة والأنانية المدمِّرة. هذا النضج لا يُستورَد ولا يُفرَض بمرسوم، بل يُبنى في الزمن الطويل عبر تراكم التجارب والخبرات المشتركةـ وتطوير ثقافة المساءلة والمحاسبةـ وترسيخ قيم العمل المؤسسي داخل كل دولة على حدة، وفي إطار منظومة العمل العربي، وقبل كل ذلك بناء نمط من التفكير العقلاني المرتبط بالنزعة الواقعية الموضوعية لدى الأطفال.

ما ندعو إليه في نهاية هذا المقال ليس إصلاحاً برنامجياً جاهزاً يُطبَّق في خطوات معدودة. إنه دعوة إلى تحوّل في طريقة التفكير ذاتها: أن ننتقل من نزعات الوحدة العاطفية المُستعجلة إلى منهج التكامل الصبور المتدرج؛ من منطق "إما كل شيء أو لا شيء" إلى منطق "ما يمكن بناؤه اليوم أفضل من الانتظار أبداً"؛ من ثقافة التخوين حين يظهر الخلاف إلى ثقافة الحوار والتفاوض. وهذه الدعوة تدعو إلى التعلم من كل الدروس المتاحة، دروس التجربة الذاتية وتجارب الآخرين. وما أنجزه البشر في سياقٍ ما، يُمكن إنجازه في سياقٍ آخرٍ، بشروط هذا السياق، وبمنطقه هو، وبإيقاعه الخاص به.

وبطبيعة الحال، الطريق ليست قصيرة، والعوائق ليست هيّنة، والدعوة ههنا ليست إلى الوصول، بل إلى ضرروة البدء، ليس إلى اليقين، بل إلى الجديّة (الواقعية) في الرؤية والعمل.

***

أمين اليافعي