قضايا
غالب المسعودي: من أنانية الذات إلى تأويلية الاستبداد
تفكيك الوجود السلطوي في الفضاء الشرقي
مأزق البنية وجذور التضخم الوجودي: تُمثّل السلطة في الفضاء الشرق أوسطي نموذجاً فريداً للدراسة الفلسفية والاجتماعية؛ حيث لا تقتصر أزمتها الراهنة على انحرافات إدارية مؤقتة، أو فساد مالي عابر يمكن إصلاحه بترميم الهياكل القانونية، بل إنها تضرب بجذورها العميقة في أعماق بنية نفسية ومعرفية شديدة التعقيد والتشابك. ينطلق هذا التفكيك الفلسفي من فرضية أساسية صادمة، مفادها أن فساد السلطة في هذه المنطقة يعود في جوهره الأصيل إلى تضخم مرضي في "الذات الأنانية" لدى الحاكم. هذه الذات المتضخمة تحيل العمل السياسي من كونه فضاءً عمومياً حراً لإدارة المصالح المشتركة وتحقيق العقد الاجتماعي، إلى مشروع "استملاك وجودي" مطلق يتغذى على النفوذ العاري، ونزعات الثأر، وصناعة الهيبة المصطنعة، واحتكار المعنى الإنساني والديني على حد سواء.
إن هذه النزعة الأنانية لا تقف عند حدود كونها صفة أخلاقية ذميمة أو خياراً سلوكياً فردياً، بل تتحول في كواليس الأنظمة إلى محرك معرفي شامل يعيد صياغة طرق التفكير، ويمنح الشرعية المطلقة لأدوات السيطرة والقمع. مستعينة في ذلك بخطاب استبدادي مصمم بعناية، يعمل عبر آليات "التأويلية القهرية" على إعادة إنتاج الخضوع الطوعي، وتعطيل ملكة التأويل النقدي وحس المساءلة لدى الجماهير. وفي الوقت ذاته، تتكامل هذه البنية الوجودية الداخلية مع فضاء دولي ومناخ جيوسياسي نفعي، يوظف التدخلات الخارجية لترسيخ ما يمكن تسميته بـ "تطبيع الظلم"، وإعادة إنتاج الطغيان عبر استراتيجيات مبتكرة لـ "التحديث السلطوي" الذي يرتدي قناع المعاصرة ويخفي أنياب القهر.
تحولات مفهوم السياسة.. من التدبير التشاركي إلى الاستملاك الوجودي
عندما تنصبّ الذات الأنانية كمعيار نهائي ووحيد لصياغة القرار وصناعة المجال العام، يطرأ تحول جوهري جذري على طبيعة السياسة ومفهومها التاريخي. إذ تكف السياسة تماماً عن كونها عملية تدبير تشاركي وتوزيع عادل لمقدرات المجتمع المادية والرمزية، لتتحول إلى مشروع استملاك مطلق للتشريع والأرض والإنسان. هذا الاستملاك الشمولي لا يقف عند حدود الهيمنة الاقتصادية أو العسكرية، بل يمتد ليتغلغل في رغبات الحاكم الذاتية، مثل إشباع نزوات الثأر الانتقامي من الخصوم الحقيقيين أو المتوهمين، وتشييد "هيبة" وهمية مصنوعة بالكامل من الرهبة والخوف والترويع.
في هذا السياق، نستحضر أطروحة الفيلسوف الفرنسي المعاصر ميشيل فوكو حول "المراقبة والعقاب"، حيث يوضح أن السلطة الحديثة لا تسعى فقط إلى معاقبة الجسد، بل إلى امتلاك الروح وصياغة الوعي وتوجيه الحقيقة الرمزية للمجتمع. الأنانية هنا تصبح هي النسق الإدراكي الذي يرى الحاكم من خلاله أن الدولة هي ملكية خاصة، وأن القانون ليس سوى إرادته الشخصية وقد صيغت في نصوص تشريعية. إنها رغبة عارمة في إلغاء مسافة الاختلاف بين الحاكم والوطن، بحيث يصبح نقد الحاكم نقداً للوطن، ومعارضته خيانة للوجود بأسره.
البنية النفسية للمستبد وقابلية العيش في الاستعباد
يكشف التحليل النفسي والاجتماعي لشخصية المستبد عن تداخل سمات مرضية معقدة، تصنفها الأدبيات النفسية المعاصرة تحت بند "الشخصية الاضطهادية الملوثة بنزعات التمجيد الذاتي، والنفعية الذرائعية، والاعتلال النفسي المضاد للمجتمع". يرجع منشأ هذه الشخصية الاضطهادية الشكاكة غالباً إلى تنشئة أولية مضطربة تفتقر إلى الأمان والدفء الإنساني، مما يعزز في وعي طاغية المستقبل قناعة مطلقة بأن العالم الخارجي غابة قاسية تتسم بالعدوانية، وأنه لا مكان فيها إلا للقوي المتسلط الذي يسبق الآخرين بالبطش. يتعلم الطاغية منذ وقت مبكر تحقير العواطف الإنسانية كالحب، والرحمة، والتعاطف، معتبراً إياها علامات ضعف وهوان، لتصبح القوة والسيطرة العارية هما القيمة الوحيدة المقبولة لديه للتحقق الوجودي.
يصاحب هذا الاضطراب حالة شك دائم بيقين متأصل بوجود مؤامرات خفية تُحاك ضده في عتمة الليل من أقرب المقربين إليه، مما يدفعه باستمرار إلى احتكار أدوات العنف كدرع نفسي وجسدي لحمايته من غدر المحكومين المتوهم. وتتكامل هذه البنية مع تمجيد مفرط للذات النرجسية يفصل المستبد تماماً عن الواقع الخارجي ويصيبه بجنون العظمة. يحاول المستبد دائماً تقمص وهم التفوق والتميز، مدعياً امتلاك معارف استثنائية وعلاقة ميتافيزيقية بقوى عليا تمنحه حق الوصاية والتسلط، وهو ما أكده المفكر عبد الرحمن الكواكبي حين أشار إلى أن المستبد يتخذ صفة قدسية يشارك بها الذات الإلهية ليفرض هيبته على العوام.
تلتقي هذه الرؤية مع التحليلات الفلسفية المفصلة للكاتبة والفيلسوفة السياسية حنّا أرندت في كتابها "أسس التوتاليتارية"، حيث تجد أن النظام المستبد يعتمد على تحويل الأفراد إلى ذرات معزولة فاقدة للروابط الاجتماعية، مما يسهل سيكولوجياً زرع "الخوف الوجودي" في نفوسهم. تنحو سيكولوجية الطاغية نحو التعامل مع المحكومين وفق تصنيف أدواتي صرف:
فإما أن يكونوا أتباعاً ومساعدين يستحقون الحظوة والامتيازات المقيدة المقرونة بالولاء الأعمى، أو معيقين ومتمردين يجب سحقهم وتجريدهم من حق الوجود، أو كتلة مهملة من العوام يتم تصريف شؤونهم الحياتية بقسوة وتحت رقابة صارمة، مما يولد مجتمعاً يعاني من "قابلية الاستعباد" نتيجة الخوف والإنهاك اليومي.
تأويلية الخطاب الاستبدادي وتفكيك آليات تعطيل الوعي النقدي
لا يستند الحكم إلى فوهات البنادق واحتكار المال وحدهما، بل يحتاج بالضرورة إلى شبكة لغوية معقدة ومنظومة رمزية تصنع المعاني وتمنع تشكل أي وعي جمعي مضاد. تدرس "التأويلية السياسية" والتحليل النقدي للخطاب كيف يقوم النظام السلطوي بإنتاج أنساق لغوية تبدو متسقة في ظاهرها، لكنها مصممة بنيوياً لتعطيل الفكر النقدي وإلغاء فاعلية المتلقي وتحويله إلى وعاء مستهلك فقط. لا تتوقف غاية التحليل الفلسفي للخطاب عند الكشف المعياري والتفسيري عن عيوب البنية الاجتماعية، بل تسعى، بوصفها أداة معرفية تحررية، إلى تقديم وسائل لتغيير الواقع وتخليص الفضاء اللغوي من إساءة استعمال السلطة التي تشوه الحقائق.
هنا يبرز إسهام الفيلسوف الألماني المعاصر يورغن هابرماس في نظريته حول "الفعل التواصلى"، حيث يوضح كيف تعمد الأنظمة التسلطية إلى "تشويه التواصل اللغوي بصورة منظمة" لإنتاج إجماع زائف. يمنع الاستبداد قيام مناقشات حرة وعقلانية داخل المجتمع، ويستبدلها بخطاب أحادي الجانب يكرس السلطة.
عندما يخفق الاستبداد في تلبية الوعود التنموية الوردية، أو يمنى بهزائم سياسية وعسكرية نكراء، تلجأ الآلة الخطابية السلطوية فوراً إلى إنتاج "خطاب الهزيمة الكاذب" أو التمويه الرمزي. هذا الخطاب يعوض الخسائر المادية والواقعية بانتصارات بلاغية ولغوية وهمية؛ فتُسوّق الهزائم الكبرى والنكبات التاريخية كـنجاحات مبهرة صمد فيها النظام، ويُجبر المواطن المسحوق على الاحتفال بهذه الانتصارات اللغوية قسراً عبر وسائل الإعلام ومسيرات التأييد، مما يخلق في نهاية المطاف وعياً زائفاً وانفصاماً معرفياً معزولاً تماماً عن حقيقة الواقع المعيش. تتكامل هذه الآليات الخطابية مع تحول تاريخي خطير في بنية الدولة الحديثة بالمنطقة، يتبلور في احتكار السلطة التنفيذية لأدوات العنف والقوة جنباً إلى جنب مع احتكار التشريع وصياغة القوانين، لتصبح اللغة والقانون والسلاح أدوات في يد ذات أنانية واحدة.
التحديث الاستبدادي والجيوسياسية الريعية.. تفكيك استراتيجيات النجاة
يتغذى الاستبداد في الشرق الأوسط من تفاعلاته المستمرة مع النظام الدولي والتدخلات الخارجية النفعية التي تساهم بشكل مباشر في "تطبيع الظلم". ويحدث تطبيع الظلم عندما تصبح ممارسات القمع، والانتهاكات، واللامساواة جزءاً من المشهد اليومي المألوف والاعتيادي، حيث يتحول سعي المواطن من النضال الجماعي المنظم لنيل الكرامة والعدالة الاجتماعية، إلى تفعيل "استراتيجيات نجاة فردية" أنانية داخل المنظومة السلطوية ذاتها التي تسلبه إنسانيته. في هذه المرحلة المتقدمة من الطغيان، تستقر بنية الظلم وتتأسس عميقاً دون الحاجة إلى حضور دائم ودبّابات القوة المسلحة في الشوارع؛ لأن الناس يتعلمون التكيف النفسي والعيش في ظل القمع، بل ويبررون اللامساواة كأمر واقع وقدر لا مفر منه لحماية ما تبقى من أمن شخصي.
تساهم القوى الدولية والتدخلات الخارجية بشكل فاعل في استمرار هذا الاستقرار السلطوي؛ إذ ترتبط أزمة تعثر بناء الدولة الديمقراطية الحديثة بالمنطقة بشكل رئيسي بالعوامل الدولية والتدخلات الإقليمية المصممة لخدمة المصالح الجيوسياسية الضيقة وحفظ تدفق الموارد، على حساب تطلعات الشعوب وحقوقها المشروعة. وقد طوّع المستبدون في المنطقة هذه التدخلات الخارجية والضغوط الدولية بذكاء لصالح بقائهم واستمرار عروشهم عبر ما يُعرف بـ "التحديث الاستبدادي المرن".
لا يواجه الاستبداد الحديث التغيرات الكونية والعولمة بالعزلة التامة والرفض المطلق، بل يعيد ترتيب أوراقه واستراتيجيات حكمه للتكيف الذكي مع الظروف الدولية والمطالب المحلية الشكليّة بالإصلاح، دون التخلي بأي حال من الأحوال عن الركائز العميقة لسلطته المطلقة. وفي هذا الإطار، يمكن الاستشهاد بأطروحات الفيلسوف المعاصر جيل دولوز حول "مجتمعات المراقبة"، حيث لم يعد القمع يعتمد على جدران السجون التقليدية فقط، بل على آليات رقابة مرنة، وسائلة، وممتدة تتغلغل في الحياة اليومية والاقتصاد والاتصالات.
نحو تقويض الهرمنيوطيقا السلطوية
إن تفكيك "الذات الأنانية" ومسارات "تأويلية الاستبداد" يوضح أن مواجهة الطغيان في الفضاء الشرقي لا يمكن أن تقتصر على الأدوات السياسية التقليدية أو تغيير الوجوه في هرم السلطة. إن المعركة الحقيقية هي معركة معرفية ولغوية وتأويلية في المقام الأول؛ تقتضي تقويض الخطاب المشوه الذي يصنعه الاستبداد، واستعادة الفضاء العام كفضاء للتواصل الحر والعقلاني، والتخلص من استراتيجيات النجاة الفردية الأنانية لصالح وعي جمعي تضامني يؤمن بالحرية والكرامة الإنسانية كقيم غير قابلة للاستملاك أو المقايضة.
***
غالب المسعودي







