عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

أيمن عيسى: اللهجة العامية القاهرية

عرفت مصر قبل الفتح الإسلامى عددًا من اللغات التى انتشرت بها، نظرًا لتعدد الأجناس فيها، فعرفت اللغة اليونانية، واللغة العبرية، وبعض ألفاظ من العربية بحكم الرحلات التجارية، إلا أن اللغة السائدة فيها كانت اللغة القبطية، كانت اللغة التى تجرى على الألسن. وفى أواخر سنة 19 هـ تحرك عمرو بن العاص بجيش قوامه أربعة آلاف مقاتل ليفتح مصر فى خلافة الفاروق عمر بن الخطاب، حتى فتحها واستقرت سيطرته عليها عام 20 هـ.

بدأت العربية تخطو خطوات سريعة حتى سارت جنبًا إلى جنب مع اللغة القبطية، وما لبثت أن ظفرت وتغلبت على القبطية، ثم اكتمل هذا الظفر فى العصر الأموى عندما أصدر والى مصر عبد الله بن عبد الملك بن مروان قرارًا بتعريب الدواوين، ومن ثم أصبحت العربية هى اللغة الرسمية فى مصر.

ومنذ تعرَّف المصريون العربية، كانت كل إقطاعية تتحدث العربية وتمارسها ولكن وفق طريقتها هى، بتحولات فى الأصوات أو التراكيب أو الدلالات، فعلى سبيل المثل تجد فى الإسكندرية لهجة، وفى الدلتا والفيوم لهجات، وفى الصعيد لهجات، وللقاهرة مركز مصر لهجتها التى أصبحت هى الأشهر والأكثر شيوعًا وانتشارًا حتى وقتنا الحالى.. أسباب شهرة وغلبة العامية القاهرية

1 – العامل الحضارى

القاهرة هى المركز الحضارى والعلمى والثقافى فى مصر، وهى مركز استقطاب للكثيرين من أبناء البلاد والمحافظات لما فيها من سبل الحياة والأسباب المتنوعة التى تشجع على النزوح إليها. فبهذه القوة الحضارية تمكنت القاهرة أن تبسط سلطان لهجتها.

2 – العامل السياسى

القاهرة هى عاصمة مصر، السياسيون فى الخطابات واللقاءات والحوارات، حين يركنون إلى العامية، فإن عاميتهم قاهرية. حتى وإن كان بعضهم غير ذى جذور قاهرية، إلا أنه اكتسب اللهجة القاهرية وأصبحت ذات الجريان الأول على لسانه. من هنا منح هذا العامل السياسى العامية القاهرية أن تكون هى الأكثر ذيوعًا.

3 – وسائل الإعلام

كافة وسائل الإعلام، التليفزيون والراديو والصحافة، وغيرها من مستجدات وسائل الإعلام. فى كل نشاطاتها اللسانية هى قائمة على العامية القاهرية، إلا ما استدعى الحديث بالفصحى. فوسائل الإعلام هذه داخلة فى كل بيت فى أقطار عديدة، بأى صورة كانت عليها، من هنا كانت أحد أهم الوسائل لغلبة العامية القاهرية.

4 – الأعمال الفنية

أنت ترى ذلك بنفسك حين تشاهد فيلمًا أو مسلسلا أو مسرحية أو تسمع أغنية، تجدها عامية قاهرية، إلا ما استدعى الحوار أو بنية العمل أن يجرى وفق لهجة صعيدية على سبيل المثال، أو سكندرية، أو لهجة فلاحى أى لهجة ريفية.

5 – خفة تراكيب العامية القاهرية وبساطة الألفاظ والدلالات

تجد العامية القاهرية خفيفة التراكيب بسيطة الألفاظ والدلالة، فهى تنأى عن التعقيد، هى لهجة مباشرة. ذلك مما مكنها أن تكون هى الأيسر على الألسن والأكثر ذيوعًا.

من سمات اللهجة العامية القاهرية

1 – أكثر اللهجات تأثرًا بالتقدم التكنولوجى والتطور الحضارى.

وذلك بحكم أنها المركز الحضارى والثقافى والمعرفى. وهى الأسبق لملاحقة أى تطور حادث، فتأخذ من كلماته ومصطلحاته وتشتق وتحوِّر فى البنية الصرفية. ومثال ذلك: الفيس بوك، اشتقت العامية القاهرية: نفيِّس- نفسبك ". ومن ذلك أيضًا: هاديك رنة، ومنها رِّن له أى نبهه. وتجد الشخص الذى يسعى لإشعال الخصومة يوصف بأنه بوتاجاز بينما فى اللهجة الريفية يوصف بأنه باجور. والشخص دؤوب العمل يوصف بأنه مكنة شغل أى ماكينة عمل بينما فى الريف يوصف بأنه حمار شغل. والشخص الذى يقوم عليه عبء العمل وينجزه يوصف بأنه دينامو. والكلام المكرور الذى يتكرر ولا جديد فيه يوصف بأنه إسطوانة. فكل ذلك وغيره كثير، من الثابت أنه ناتج تقدم تكنولوجى وحضارى.

2 – أكثر اللهجات تضمينـًا لمفردات غربية

فتجدها أكثر اللهجات انفتاحًا على الأخذ من ألفاظ لغات أخرى، وتجرى هذه الألفاظ على الألسن فى الحياة اليومية، مثل: علـِّى التـُون- وطـِّى التـُون، أى رفع وخفض الصوت. أوكيه، باى، مستر، مس، ديسك.

3 – أكثر اللهجات تأثيرًا فى اللهجات الأخرى

وذلك بحكم ذيوعها وفرض سيطرتها للعوامل السابق ذكرها. فهى تؤثر فى غيرها من اللهجات المحلية، ويصعب أن تتأثر هى بلهجة محلية أخرى. هى تتأثر وتنمو بالتقدم التكنولوجى والحضارى والمعرفى، تتأثر وتضمِّن ألفاظـًا غربية، أمَّا أن تؤثر فيها لهجة محلية أخرى فهذا أمر صعب التحقق.

4 – إبدال الحروف صوتيًا

فتجد مثلا إبدال القاف إلى "همزة /ألف"، مثل: قال تصبح آل، قلم تصبح ألم، قفا تصبح أفا، قاعد تكون آعد، قادر تكون آدر. والتاء ثاء، مثل: ثعلب- الثلاثاء- ثوم- ثعبان، تكون: تعلب- التلات- توم- تِعبَان. والذال دال، مثل: ذهب- ذيل، تكون: دهب- ديل. الظاء ضاد، مثل: الظهر- ظهرى، تكون الضهر- ضهرى. والصاد سين، مثل: صقر، تكون: سقر، وتبدل القاف همزة فتكون سأر.

5 – غلبة الجملة الاسمية فى الاستعمال

يغلب على العامية القاهرية تغليب الجملة الاسمية فى الاستعمال، فالمتكلم عادة ما يجرى كلامه على الجملة الاسمية، مثل: الدنيا ليلت أى جاء الليل. النهار طلع. الجو حَر. الجو برد. المشمش طلع. البطيخ ظهر. فلان اتجوَّز.

6 – الإبدال الموضعى بين الحروف

وذلك مثل: ملعقة تجدها معلقة. زوج تجدها جوز.

7 – الاختصار

الاختصار من سمات العامية القاهرية، مثل: الولد- البنت- شاطىء، تكون: الواد- البت- شط.

8 – سرعة الإيقاع

سريعة الإيقاع بعض الشىء عن اللهجات الأخرى، وذلك راجع لسهولتها وخفتها على اللسان.

9 – الترقيق

من حيث الصوت تميل إلى الترقيق، وذلك بحكم العامل الحضارى والبيئى والمستوى الثقافى ورفاهية المدن.

10 – النحت

النحت اللغوى ظاهرة لغوية، مثل " بسم الله الرحمن الرحيم " فنقول: بسملة، " لا حول ولا قوة إلا بالله " نقول: حوقلة. إذن أنت تبينت أن النحت هو اختصار كلمتين أو أكثر فى كلمة واحدة منحوتة من أحرف الكلمات التى اختصرتها.

وكذلك العامية القاهرية عرفت النحت، مثل: كلشنكان أى كل شىء كان، إنشلـَّه أى إن شاء الله، اسملـَّه أى اسم الله، مشئلـَّه أى ما شاء الله، إزيَّك أى أىُّ زى زيك؟ ومعناها كيف حالك؟، جابلى أى جاء لى بكذا.

10 – احتواء الكثير من الكلمات الفصيحة

تحتوى العامية القاهرية الكثير من الكلمات العربية الفصحى، واللهجات العربية الفصيحة الموروثة، وهى أكثر اللهجات التى تتحلى بهذه السمة، والعامة يتحدثون وهم لا يعلمون أن تلك الكلمات التى يظنونها عامية هى فى الأصل فصيحة.

وذلك مثل:

أ – تشديد " هوَّ – هىَّ "، وتلك لهجة همدان. وهمدان قبيلة يمنية وهى غير همذان التى هى منطقة فى إيران.

ب – استعمال الكلمات مثل: قفش بمعنى مسك – جعجع أى علا صوته دون فعل – ينبش و ينكش يبحث عن شىء فى الأرض – بَسْ هى كلمة فصيحة فهى اسم فعل أمر بمعنى كفى وحسب- دَش فى كلامه أى أكثر منه – دَعكَ: دعك الشىء أى دلكه وليَّنه.

11 – أكثر اللهجات استعمالا للمجاز

هى أكثر اللهجات استعمالا للمجاز اللغوى فتنتقل باللفظة من أصلها اللغوى وتستعيره لمعنى جديد، مثل:

أ – ملط: هو من لا شعر له على جسده، واستعيرت لمن لا ثياب على جسده.

ب- أرن بكسر الراء: أى نشيط ومرح، وأصبحت بمعنى المتكبر.

ج – إسفين: هو الوتد يدق فى الأرض، وأصبحت بمعنى المكيدة توضع بين اثنين للتفريق بينهما.

د – همج: هم جماعات البعوض المتفرقة، ثم استعيرت للبشر العشوائيين.

وختامًا نرجو أن نكون قد حققنا قدرًا من المعرفة والمنفعة فى كساء من المتعة والثراء اللغوى.

***

د. أيمن عيسى - مصر