لا يجيء كتابي "مستعمرات الضوء: سؤال تشكيل الوعي في زمن الشبكات" بوصفه امتدادا تقنيا أو تتمة موضوعية لكتابي السابق "في سوسيولوجيا الإعلام والرقمنة"، بقدر ما ينبثق باعتباره تحولا في أفق السؤال نفسه؛ انتقالا من مساءلة الوسائط بوصفها أدوات تواصل وإنتاج للمعنى، إلى تفكيك البنية العميقة التي تصوغ الوعي الإنساني داخل الإمبراطوريات الرقمية الجديدة، حيث لم تعد السلطة تُمارَس بالعنف الرمزي التقليدي فقط، بل عبر هندسة الإدراك، وتوجيه الانتباه، وإعادة تشكيل الرغبة والذاكرة والزمن.
إن ما أسميه بـمستعمرات الضوء ليس سوى تلك الجغرافيا اللامرئية التي تحتل الإنسان من الداخل، لا عبر الجيوش أو الحدود، بل بواسطة التدفق اللامتناهي للصور والخوارزميات والمنصات. إنها استعمار جديد للوعي، يتسلل في هيئة إشعاع ناعم، يقدّم نفسه باعتباره حرية مطلقة، بينما يعيد إنتاج أشكال أكثر تعقيدا من الانضباط والمراقبة.
ربما نستعيد ها هنا أطروحات ميشيل فوكو وراهنيتها القصوى، خصوصا في حديثه عن المجتمعات التأديبية وتقنيات الضبط، غير أن السلطة اليوم لم تعد مؤسسة مغلقة أو جهازا مرئيا، بل تحولت إلى خوارزمية تتخفى داخل الاقتراح الذكي والتفضيل الشخصي واقتصاد الانتباه.
لقد أصبح الإنسان الرقمي، كما يتبدى في هذا الكتاب، يعيش داخل ما يشبه البانوبتيكون الشبكي، حيث يراقب ذاته بنفسه، ويعيد إنتاج صورته وفق ما تقتضيه معايير القبول الرقمي. ومن هنا، فإن سؤال الوعي لم يعد سؤالا فلسفيا مجردا، بل أضحى سؤالا سياسيا وأنثروبولوجيا وأخلاقيا يتعلق بمصير الإنسان نفسه داخل حضارة الشاشة.
وفي هذا السياق، يقترب الكتاب من تشخيصات غي ديبور في مجتمع الفرجة، حيث تتحول الحياة إلى تمثيل دائم، وتصبح الصورة بديلا عن التجربة الحية. غير أن الفرجة اليوم تجاوزت بعدها الاستعراضي إلى مستوى أعمق؛ إذ لم تعد الصورة تكتفي بعرض العالم، بل صارت تعيد إنتاجه وصياغته وفق منطق المنصة. فالمنصات الرقمية لا تنقل الواقع، بل تبنيه، وتعيد ترتيب أولوياته وقيمه وأوهامه.
إن الضوء في هذا الكتاب ليس استعارة بريئة، بل هو ضوء الشبكات الذي يسطع إلى درجة العمى، ضوء يكشف الأشياء بقدر ما يخفيها، ويمنح الاتصال فيما يعمّق العزلة، ويخلق وفرة في المعلومات مقابل فقر متزايد في المعنى.
كما وتتقاطع أفكار الكتاب مع نقد جان بودريار لمجتمع المحاكاة، حيث يغدو الإنسان سجين علامات وصور تفوق الواقع ذاته كثافة وهيمنة، حتى يصبح الفرق بين الحقيقي والافتراضي مسألة متلاشية.
ومن جهة أخرى، يحاول هذا المشروع مساءلة التحولات التي مست بنية المجال العمومي في العصر الرقمي، انطلاقا من الأسئلة التي أثارها يورغن هابرماس حول الفضاء العمومي والعقل التواصلي. فالمجال العمومي الشبكي، الذي وُعدنا به باعتباره فضاء للتحرر والتعدد، تحول تدريجيا إلى سوق كبرى للانفعالات، وإلى فضاء تُدار فيه الحشود بمنطق الترند لا بمنطق النقاش العقلاني، حيث تُختزل القضايا المعقدة في ردود فعل سريعة، وتُستبدل الحقيقة بقابلية التداول.
ولذلك فإن كتابي "مستعمرات الضوء" لا يشتغل فقط على نقد التكنولوجيا، بل على تفكيك الميتافيزيقا الرقمية التي جعلت الإنسان الحديث يؤمن بأن الخلاص يمر عبر الاتصال الدائم، والتدفق المستمر، والحضور الإلكتروني اللامنقطع. وهي الفكرة التي تحيلنا إلى تأملات مارتن هايدغر حول التقنية، حين اعتبر أن الخطر الحقيقي للتكنولوجيا لا يكمن في أدواتها، بل في الطريقة التي تجعل الإنسان يرى العالم باعتباره مخزونا قابلا للاستعمال.
إن القلق المعرفي الذي يحرك هذا الكتاب ينبع من إدراك أن المعركة الحقيقية في زمن الشبكات لم تعد معركة المعلومة، بل معركة الوعي ذاته؛ أي معركة الإنسان ضد تحوله إلى بيانات، وضد اختزاله في ملف رقمي قابل للتوقع والتوجيه والتسليع. فالرأسمالية الرقمية، كما أعتقد لم تعد تكتفي باستغلال العمل، بل انتقلت إلى استغلال الانتباه والعاطفة والميول النفسية، وهو ما يجعلنا قريبين من تحليلات زيغمونت باومان حول الحداثة السائلة، حيث تصبح العلاقات والهويات والقيم في حالة سيولة دائمة، فاقدة لأي يقين أو استقرار.
هذا المشروع الفكري لا ينتمي إلى سوسيولوجيا الإعلام بالمعنى التقليدي، بل ينفتح على فلسفة التقنية، ونقد الثقافة الرقمية، وأنثروبولوجيا الشبكات، بوصفها حقولا متداخلة لفهم التحولات الجذرية التي يعيشها الإنسان المعاصر. إنه محاولة لتفكيك الكيفية التي تتحول بها الشاشة إلى سلطة رمزية شاملة، وكيف تصير الخوارزميات فاعلا خفيا يعيد تشكيل الحس المشترك والخيال الاجتماعي وتمثلات العالم.
وفي العمق، يظل سؤال الكتاب سؤالا وجوديا:
كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على حريته الداخلية في زمن تُدار فيه الرغبات رقميا؟
وكيف يمكن استعادة المعنى وسط هذا الفيض الضوئي الهائل الذي يبتلع التأمل والبطء والمسافة النقدية؟
ذلك أن أخطر ما تنتجه مستعمرات الضوء ليس فائض الاتصال، بل تآكل القدرة على التفكير الحر، وانطفاء المسافة الضرورية بين الإنسان والعالم.
***
د. مصطفـــى غَلْمـــان
.........................
* كلمة ألقيتها خلال اللقاء الثقافي الذي نظمته مديرية الثقافة بمراكش، بمناسبة معرضها الجهوي في دورته ال16 ، يوم الثلاثاء 19 ماي 2026 بساحة الكتبية مراكش







