هناك مقولة قديمة تقول إن أخطر أنواع الهزائم ليست تلك التي تقع في ساحات القتال، بل تلك التي تقع داخل العقول. فالجيوش قد تنهزم ثم تعود، أما الأفكار التي تفقد صدقيتها فغالبا ما تترك فراغا يصعب ملؤه. وإذا كانت النخب هي عقل المجتمع، فإن أزمة النخب ليست أزمة فئة محدودة، بل أزمة أمة بأكملها. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس لماذا تتراجعة الديمقراطية في العالم العربي والإفريقي؟ بل لماذا عجز المثقف الذي جعل الديمقراطية والحرية مشروعه الأساسي عن أن يصبح قوة قادرة على تغيير الواقع؟
منذ عقود طويلة، قدم المثقف الليبرالي نفسه بوصفه ممثل العقلانية والحداثة، وحامل مشروع الدولة المدنية، والمدافع الأول عن حرية الإنسان وكرامته. كان خطابه جذابا، وشعاراته براقة، ولغته مليئة بالمفاهيم الحديثة. غير أن الحصيلة النهائية تكشف مفارقة قاسية؛ فقد بقي حضوره في الجامعات والندوات والمؤتمرات ووسائل الإعلام أكبر بكثير من حضوره داخل المجتمع نفسه. كان مؤثرا في صفحات الجرائد، لكنه محدود التأثير في الشارع. كان يملك اللغة، لكنه لم يملك الجمهور. وكان يحسن نقد الآخرين، لكنه لم يتقن مراجعة نفسه. ليست المشكلة أن الليبرالية فكرة فاشلة. فالليبرالية، في أصلها الفلسفي، أسهمت في بناء دول القانون، وترسيخ الحريات العامة، وتقييد سلطة الدولة، وحماية الحقوق الفردية في كثير من التجارب التاريخية. لكن الأفكار لا تنتصر بقيمتها النظرية وحدها، بل بقدرتها على التجسد في واقع الناس. وهنا تبدأ الأزمة؛ إذ تحولت الليبرالية عند كثير من مثقفي العالم العربي والإفريقي إلى خطاب نخبوي منفصل عن المجتمع، وإلى هوية ثقافية أكثر منها مشروعا سياسيا واجتماعيا قابلا للحياة.لقد اعتاد المثقف الليبرالي أن يفسر كل إخفاقاته بأن المجتمع متخلف، أو أن الثقافة السائدة معادية للحرية، أو أن الدين والقبيلة والتقاليد تمنع الناس من تبني أفكاره. لكن هذا التفسير، رغم احتوائه على جانب من الحقيقة، يخفي سؤالا أكثر إزعاجا: ماذا لو كانت المشكلة أيضا في المثقف نفسه؟ ماذا لو كان قد أخطأ في فهم المجتمع، وفي بناء خطابه، وفي ترتيب أولوياته؟ ماذا لو كان قد تحول، من حيث لا يدري، إلى جزء من الأزمة التي يدعي أنه جاء لحلها؟
إن المثقف الذي يطالب الجميع بالنقد، ثم يرفض أن يكون هو نفسه موضوعا للنقد، يفقد أهم شروط الثقافة الحقيقية. فالمثقف ليس نبيا معصوما، ولا وصيا على المجتمع، ولا مالكا للحقيقة. إنه إنسان يخضع لأخطائه وتحيزاته ومصالحه مثل غيره. وعندما يتعامل مع أفكاره باعتبارها مقدسات، فإنه يعيد إنتاج العقلية التي يزعم محاربتها. أكثر ما يكشف أزمة المثقف الليبرالي هو أنه كثيرا ما تحدث عن الحرية باعتبارها القيمة العليا، لكنه نادرا ما سأل نفسه: حرية من؟ ولمن؟ وهل يمكن للإنسان الذي يعيش تحت وطأة الفقر والجوع والنزوح والبطالة أن يجعل حرية التعبير أولويته الأولى؟ وهل يكفي أن تمنح المواطن حق التصويت إذا كان عاجزا عن الحصول على تعليم جيد أو علاج كريم أو فرصة عمل تحفظ كرامته؟ لقد اختزل كثير من الليبراليين السياسة في الحقوق المدنية، واختزلوا الدولة في الدستور، واختزلوا الديمقراطية في الانتخابات، بينما الواقع أكثر تعقيدا من ذلك بكثير. فالديمقراطية لا تزدهر في مجتمع تسوده الأمية، ولا تحمي نفسها في اقتصاد يحتكر الثروة، ولا تستقر في دولة تنهشها المحسوبية والفساد. إن الحرية ليست جزيرة معزولة عن العدالة الاجتماعية، بل إن كل واحدة منهما تحتاج إلى الأخرى كي تكتمل. إن أزمة المثقف الليبرالي ليست أزمة خطاب فحسب، بل أزمة تصور كامل لدوره في المجتمع. لقد انشغل بمعارك الهوية أكثر من انشغاله بمعارك التنمية، وأصبح قادرا على مناقشة أحدث النظريات الفلسفية، لكنه عاجز عن تقديم إجابة عملية لسؤال بسيط يطرحه المواطن: كيف سأعيش حياة أفضل؟
لقد تحول جزء معتبر من الخطاب الليبرالي إلى خطاب استهلاكي، يكرر المصطلحات نفسها في كل مناسبة: المجتمع المدني، الحوكمة، الشفافية، المواطنة، التعددية، الإصلاح المؤسسي. وهي مفاهيم مهمة بلا شك، لكنها فقدت معناها عندما تحولت إلى شعارات جاهزة تردد أكثر مما تمارس. فالكلمات، مهما بلغت بلاغتها، لا تغير الواقع إذا لم تتحول إلى مؤسسات وسياسات وإرادة اجتماعية. أن بعض المثقفين الليبراليين وقعوا في تناقض لا يمكن تجاهله. فهم يطالبون بحرية الرأي، لكنهم لا يتسامحون مع الرأي المخالف. يدافعون عن التعددية، لكنهم يقسمون المجتمع إلى فئتين: متنورون وجهلاء. يتحدثون عن التسامح، لكنهم يمارسون الإقصاء الفكري ضد كل من لا ينتمي إلى دائرتهم الثقافية. وهكذا تصبح الليبرالية، التي جاءت لتحرر الإنسان من الاحتكار، أداة لاحتكار جديد يرتدي لغة أكثر أناقة.
إن المقال لا يستهدف الليبرالية كفلسفة، ولا يسعى إلى هدم قيم الحرية والدولة المدنية، بل يحاول مساءلة النموذج الذي حمل هذه القيم في واقعنا العربي والإفريقي. فالأفكار العظيمة لا تسقط بسبب خصومها فقط، وإنما قد تسقط أيضا بسبب سوء من يمثلها. وحين يفشل حامل الفكرة في تجسيدها، فإن المجتمع لا يحاكمه وحده، بل يحاكم الفكرة معه. ولذلك فإن الأزمة التي سنناقشها ليست أزمة تيار سياسي بعينه، وإنما أزمة المثقف العربي والإفريقي الذي استبدل بناء المجتمع بإدارة الخطابات، واستبدل إنتاج المعرفة بإعادة تدوير الشعارات، واستبدل النزول إلى الناس بالحديث عنهم من خلف المكاتب والمنصات. وما لم يخضع هذا النموذج لمراجعة جذرية، فإن الفجوة بين النخبة والمجتمع ستتسع أكثر، وسيظل المثقف يتحدث عن الحرية في قاعات مغلقة، بينما يواصل المجتمع البحث عمن يستطيع أن يقدم له الخبز، والعمل، والأمن، والكرامة.
***
زكريا - نمر








