لماذا يقاوم الانسان العقلانية كما يقاوم الظلامية؟
لماذا يتشبث الإنسان بعالمه القديم حتى لو كان سجناً، ويرفض الحقيقة حتى لو كانت خلاصه؟ هذا سؤال طالما شغلني، وطالما وجدت له صدى في تجربة أوروبا الفكرية قبل أن تجد صداه في تجربتنا نحن. فحين كان فولتير وديدرو وكانط يطلقون صيحاتهم المدوية ضد الجهل والخرافة في القرن الثامن عشر، لم يكونوا يواجهون فقط الكنيسة والسلطة، بل كانوا يواجهون شيئاً أعمق وأخطر: العقل الجمعي المتشبث بيقينياته القديمة، ذلك العقل الذي فضّل ظلام الكهف على نور الخارج، لأن الظلام كان مألوفاً والنور كان مرعباً بغرابته. هذه هي المفارقة الكبرى التي لم يفهمها الكثيرون: أن التنوير ليس معركة ضد الجهل بالمعنى البسيط، بل معركة ضد الألفة، ضد ذلك الحنين العميق إلى عالم نعرف حدوده حتى لو كانت حدود زنزانة.
وأنا حين أتأمل حالنا نحن العرب اليوم، أجد المشهد نفسه يتكرر بحذافيره، بل ربما بقسوة أكبر. فالإنسان العربي، الذي تشكّل وعيه عبر قرون من التراث المغلق والفكر الأصولي الذي لا يقبل المساءلة، لا يدافع عن هذا التراث لأنه مقتنع ببراهينه، بل يدافع عنه لأنه بيته الوحيد، لأنه الأفق الذي وُلد داخله ولم يتعلم قط أن هناك آفاقاً أخرى ممكنة. وهنا أستعيد ما قاله كانط في مقالته الشهيرة عن التنوير: إن القصور الذي يعيشه الإنسان هو قصور يفرضه على نفسه بنفسه، لأنه يخشى استخدام عقله دون وصاية الآخرين. وهذا بالضبط ما يحدث حين تُطرح الحقيقة الجديدة، الحقيقة التي تتحدى النص الموروث أو السلطة القائمة: فالإنسان لا يرفضها لأنه فحصها ووجدها باطلة، بل يرفضها لأنها تهدد ذلك القصور المريح الذي اعتاد عليه، ذلك الاتكاء الدائم على سلطة خارجية تُعفيه من عناء التفكير المستقل.
ولو تأملنا التاريخ الأوروبي جيداً، لوجدنا أن معركة العلمنة والتنوير لم تكن معركة أفكار مجردة تُطرح في الصالونات الفكرية فحسب، بل كانت معركة نفسية بامتياز، معركة ضد الخوف من فقدان المعنى. فحين أعلن نيتشه موت الإله، لم يكن يقصد فقط سقوط عقيدة، بل كان يشير إلى تلك الهاوية الوجودية التي ستفتح أمام الإنسان الأوروبي حين يفقد يقينه القديم، تلك الهاوية التي دفعت الكثيرين إلى الارتماء من جديد في أحضان أيديولوجيات شمولية جديدة، فاشية كانت أم شيوعية، لأن الإنسان، كما يقول إريك فروم في كتابه الرائع “الخوف من الحرية”، يهرب من الحرية بقدر ما يهرب من العبودية، لأن الحرية تضعه وجهاً لوجه مع فراغ وجودي لا يحتمله إلا القلة النادرة من الأرواح الشجاعة.
نحن، في عالمنا العربي، لم نمر بعد بهذه اللحظة الحاسمة، لحظة الجرأة على استخدام العقل دون وصاية، كما فعلت أوروبا في عصر الأنوار. ولهذا فإن كل من يحاول اليوم أن يطرح حقيقة جديدة، سواء في قراءة النص الديني أو في نقد السلطة السياسية أو في مساءلة الموروث الاجتماعي، يصطدم بهذا الجدار النفسي العميق: جدار الخوف من فقدان العالم المألوف. وهو خوف لا يجب أن نستهزئ به أو نستخف بأصحابه، فالمسألة ليست مسألة غباء أو تخلف كما يظن بعض المتحمسين للحداثة، بل هي مسألة بنية نفسية متجذرة، تحتاج إلى معالجة تدريجية صبورة، لا إلى صدمة عنيفة تزيد المتشبثين تشبثاً وتُحصّن جدرانهم أكثر فأكثر.
ولعل الدرس الأهم الذي تعلمته من متابعتي الطويلة للفكر الأوروبي الحديث هو أن التنوير الحقيقي لم يأتِ بالقطيعة الفجائية، بل جاء بمسار طويل ومتراكم من التشكيك المنهجي، من ديكارت إلى سبينوزا إلى لوك إلى فولتير، جيلاً بعد جيل، كل واحد منهم يفتح شقاً جديداً في جدار اليقين القديم دون أن يهدمه دفعة واحدة. لأن الهدم الفجائي، كما علّمتنا كل الثورات الكبرى التي انقلبت على نفسها، يُنتج فراغاً مرعباً سرعان ما يمتلئ بأشكال جديدة من الاستبداد، أشد قسوة أحياناً من الاستبداد القديم الذي ثارت عليه. فالإنسان الذي يُقتلع فجأة من عالمه المألوف، دون أن يُمنح بديلاً يمنحه الطمأنينة نفسها، سيبحث بلا وعي عن سجن جديد يأوي إليه، لأن السجن، مهما بدا قاسياً، أهون عليه من العراء الوجودي الذي لا حدود له. وهذه هي المهمة الحقيقية للمثقف التنويري اليوم: لا أن يهدم الأصنام بغضب انفعالي، بل أن يبني، بصبر الحكيم وأناة المربي، عالماً بديلاً يستحق أن يُغامر الإنسان من أجله بيقينه القديم.
***
دكتور أحمد فاتح محمد








