عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

سليم جوهر: تبرئة الفساد.. صراع الاخلاق والاجراء

"النظافة لا دين لها" علاء مشذوب/ حمام اليهودي

في رواية (حمام اليودي) للمرحوم الروائي علاء مشذوب يتم طرح سؤال الاخلاق بطريقة إشكالية، عبر تناوله لطبيعة النزاع حول "يجوز او لا يجوز" ليهودي ان يكون راعيا لنظافة اجساد المسلمين. فيحتدم الجدل مما يؤدي الى ان تواجه النظافة ذاتها اشكالية تتعلق بما حولها لا بها، فتنتكس النظافة. لاحظوا هذه "العلاقة الصراعية" بين (النظافة) كمفهوم اخلاقي، و(يجوز او لا يجوز) كمفهوم اجرائي، فنخسر النظافة. لأن الاخلاق حسنة بذاتها لا بمتعلقاتها.

لقد شهدنا خلال الايام الماضية حوادث كثيرة بل مصائب وازمات، اشدها ايلاما (حوادث الفساد التي تزكم الانوف) وحرائق وضحايا، ولكن ما يثير الاشمئزاز حقا، ما نشهده من غياب القيم الاخلاقية في تناول هذا الامر. فتم الادعاء مثلاً بان الحريق مفتعل لغرض صرف الانظار عن حريق في وزارة، وان النائب المدان ليس هاربا فيخرج لنا بتبرير ساذج، ان الفساد اولى من الفوضى. اعتراضي هنا لا يتعلق بدقة المعلومة، ولكن ان يتم تناول الفاجعة بكونها حدثا ثانوياً لحدث اكثر اهمية هو الخوف من الآخر كفاعل مشؤوم. التبرير هنا اكثر مأساوية من الحدث ذاته، فتكون سلامة الورقة، اكثر اهمية من سلامة الانسان، وسمعة الجهة المنتمي لها الفاسد اهم من فعل السرقة، والحفاظ على الواقع اهم من كل قيمة اخلاقية. هنا اقول قد نجد في ما ذهب اليه المرحوم علاء مشذوب في تسليط نقده عل العلاقة الجدلية بين (الاخلاق والاجراء) تفسيرا لازماتنا التي لا تنتهي.

فلو استعرنا ايضا مفهوم (سلافو جيجك) استطيع ان اقول ان رمزية الفساد لدينا يتأتى من فرط واقعيته التي لا تصدق، لتتحول الى مادة للتفكير بضرورة إيجاد حل، هذا التفكير هو الذي يجعلنا نختبر واقعيته على انه "كيان افتراضي" وتلك هي المفارقة. ان تتحول الواقعية المفرطة في كل مناحي حياتنا (مثل نقص الادوية) في معالجة المرضى، الى رمزية تتمثل في ان انقاذ الحياة تتطلب ايجاد حل عاجل "بالتبرع" من قبل المستثمرين كما طالب وزير الصحة، اي ان يتم تحويل نقص الخدمات الصحية في مستشفى الى (افتراض) فاعل مشؤوم. وان محاربة الفساد تصب في صالح العدو المفترض سواء كان داعشيا، اسرائيليا، بريطانيا، او امريكياً، بعثيا. او نتيجة صراع حزبي، كل ذلك يجعل من (محاربة الفساد او حياة الانسان) امر لا قيمة اخلاقية له، مقابل اجراء كشف الفاعل المشؤوم.

ان تحول مظاهر الفساد الى "كيان افتراضي" تخرجه من كونه معضلة سوء الادارة في مرسسات الدولة ودوائرها الى حل بالتبرع من اجل ترميم مستشفى. او الاشارة الى فاعل "رمزي" فتنتقل المسؤولية من واجب الموسسة، الى واجب المجتمع، من التخطيط والتنمية المستدامة، الى التبرع من اجل الدواء او ادامة المستشفيات ليتم التنازل عن دور الدولة في الضمان الصحي والاجتماعي بالاستعاضة عنها بالتكافل الاجتماعي. وقس ذلك على الكهرباء وكل مناحي حياتنا، فيقال لنا ان من يمنع تبليط شارع او بناء منظومة تصريف صحي، او اعمار مدينة منكوبة، او تقديم ماء صالح للشرب، هو بفعل فاعل مشؤؤم. فأزمة الكهرباء المستدامة، تُقدم لنا لا بكونها مشكلة واقعية تحتاج حلا واقعيا، بل بكونها تحمل من الرمزية الشيء الكثير. رمزيتها تتأتى من فرط واقعيتها التي لا تصدق، لتتحول الى مادة للتفكير بضرورة إيجاد حل، هذا التفكير هو الذي يجعلنا نختبر واقعية انقطاع الكهرباء على انه "كيان افتراضي"، بفعل فاعل مشؤوم. فنتعرض في الواقع الى ضغط غياب الكهرباء والحاح الحر المفرط في واقعيته، وبين افتراض ان الحل ممكن ولكن ليس بيدنا (بل لأن الفاعل المشؤوم لا يريد). يساق هذا الامر (كصراع بين الواقع والافتراض) من قبل الكثير من المنعزلين ويحيون حياة مفعمة بالحرية في مساحة (كيبورد) لا تمت للواقع بصلة، ولكن نتيجة الخبرة الكامنة لديهم، والتي يظهر فيها الواقع على شكل تحليل يكرس الذاتي لا الموضوعي، فيرفض التعرف على الفساد بنتيجته، ليقول لنا انها تعبير عن رمزية الشر الكامنة في الاخر.

لا يكتفي هذا المنعزل عن الواقع الذي نخبره من حولنا بمصائبه ونكباته واحزانه التي لا تنتهي، بل ويرغب ان يحررنا من وهمنا، ليقنعنا ان الفساد المفرط في واقعيته ما هو الا مظهر لشيء اكبر، لكننا لا نراه. ليقول لنا ان ما نراه كحقيقي (الفساد) هو الوهم الذي يقدم لنا على انه حقيقي (الفساد خير من الفوضى). هنا تقدم الدعوة لنصدق اننا نحيا في كون مصنوع بفعل فاعل بشع يهددنا طوال الوقت، ليعكس الجدل، في ان اي نقد للفساد هو تبرئة لفعل الفاعل المشؤوم. هي دعوة صريحة من قبل المنعزل لرفض التفسير الاجتماعي لفساد المفسدين، باعتباره تبريرا خفيا للفاعل المشؤوم.انها ثقافة تصرف النظر عن الواقع وتبرير لعدم تحمل مسؤولية الفساد من قبل المفسدين ذاتهم.

ان المشكلة الحقيقة تكمن في منظومة العمل ذاتها، وان نعزوا هذا الفساد الى فاعل خارجي، هو تبرئة لهذه المنظومة. فالصراع بين الفساد ونقضيه صراع داخلي محض، لذا علينا تغيير قواعد العمل الظاهرة لهذه المنظومة الداخلية. الفساد والشر لا يحتاج ان يرتكبه الشياطين، بل يرتكبه الحمقى والاغبياء كما تقول حنا ارندت، والانهيار الاخلاقي الذي يسببه فساد السلطة، والعجز عن التفكير او التفكير من وجهة نظر آخر (التفكير من خلال فكر تاج الراس).

كيف يمكن للوضع المساؤي ان يتحول الى وضع فلسفي (على قول باديو)، يقال عندما تحدث المفارقة، او عندما يفتقد المعيار المناسب بين حالتين المفروض ان تكون متشابهتين، لتتحول الى نقيضها. اخترع الانسان المشافي من اجل الشفاء، من اجل استعادة الصحة، لكن ان تتحول هذه المشافي الى محارق وقبور وموت مجاني وبالجملة تلك هي المفارقة المبكية المضحكة. واوجد الانسان الدولة من اجل تحقيق العدالة ونشر القيم الأخلاقية لتحفظ للمجتمع امنه وسلامته، لا للتمتع بمغانم السلطة، ونشر الفساد، وقتل كل القيم الاخلاقية والانسانية.

ان الطبيعة المتخفية للفساد يكمن في داخل نظام مغلق، تديرة مجموعة من المجرمين المرضى ويهدف الى نزع الشخصية الانسانية عن ضحاياه، عبر تصدير الفهم على انهم مجرد ضحايا لسوء الادراة، او نتيجة للعنف، اي عبر تحويل واقعية الموت المجاني المفرط في واقعيته على قول (جيجك)، الى رمزية "المسؤولية" لتتحول المسؤولية الاخلاقية لرجال السلطة الى سوء ادارة مثل"التفريط بشروط السلامة المهنية" فيتم تبرئة الفساد والمفدسين.

الاخلاق وحدها يمكن ان يكون جذرية، اما الفساد فلا يمكنه ذلك إلا ان يكون متطرفا (جورجير اغامبين)، لذا يتولد الفساد من فشل في التفكير، فهو يتحدى التفكير، فحين يتصدى الفكر له ويتقصى المقدمات واصولها، يصاب بالارباك حين لا يجد شيئا سوى ان المسبب "فاعل مشؤوم" مفارقة مبكية مضحكة. السؤال الجوهري حول ما نواجهه من كوارث يتلخص في؛ ما الذي يجعل اي قرار او خيار يتخذ على مستوى عام يؤدي الى اخطاء كارثية لدينا، سواء على مستوى السياسة والاقتصاد والثقافة ومنازلة الفساد. يقول الأمام علي (ع) رجال العلم على أربع:

1. رجل يعلم ويعلم أنه يعلم فذاك عالم فاتبعوه.

2. ورجل يعلم ولا يعلم أنه يعلم فذاك نائم فأنبهوه.

3. ورجل لا يعلم ويعلم أنه لا يعلم فذاك جاهل فعلموه.

4. ورجل لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم فذاك أحمق فاجتنبوه.

في التهديد الوجودي الذي واجهناه في ايام جائحة كورونا، لعبت معرفتنا دورا كبيرا في ما آلت اليه احوالنا. لقد زعزعت الجائحة الكثير من المسلمات فحدث شواش:

- حول المعرفة ذاتها.

- حول الاكراه على العزلة.

- والعيش بلا يقين.

المفارقة تكمن في المعرفة التي نحوزها، فقد واجه العالم الجائحة "بعلمه انه لا يعلم"، بينما نواجهها نحن، "بجهلنا أننا لا نعلم". فالمواجهة التي حصلت معرفيا حول الجائحة في العراق كانت بين نمطين من المعرفة:

- الاول الذي يعرف انه لا يعرف، فيحاول التعلم من اجل النجاة، وهم القلة.

- والثاني الذي لا يعرف انه لا يعرف، وهم الكثرة ولهم الغلبة.

المشكلة لا تكمن بعدم المعرفة بما يحدث حولنا. بل جهلنا التام بعدم المعرفة حول ما يحدث. هذا الجهل يوجب علينا التعامل معه كواقعة مجتمعية يتساوى فيها الاستاذ الجامعة مع الامي (الذي لا يقرأ)، يسوقهم عدم القلق لأنهم يستندون الى عدم تحمل المسؤولية نتيجة بعض الاعتقادات الراسخة، التي تعطيهم ضمانة موهومة ضد الخطر.

الغلبة هنا لهذا الصنف الثاني، فهم يملكون مفاتيح السياسة والاقتصاد والثقافة، القابضين على السلطة واما التابعين لهم فيملئون الارض عويلا وصراخا عن الحق المضيع، والمذهب المهدد، والطائفة التي في خطر...الخ، وسبب كوارثنا تكمن في العدو الماثل امام العين، لا في قرارتنا وخياراتنا، لانها تؤخذ تحت قهر وقسر معتقدنا باننا مظلومين، بل حتى فساد النفوس بسبب العدو لا غير. فلا مسؤولية يتحملها الحمقى والتابعين والمطبلين. لذا جل الحوادث تتحول الى كوارث لانها تقع تحت طائلة قرار او خيار يخرج من دائرة الحمق هذه.

علينا ان نعرف ان "المعرفة لا تعرض ذاتها" كما يقول الحكماء. فلا يمكن اعتبار تجاربنا الذاتية وهي مشتبكة بالشأن العام حدثا شخصياً، بل هي في احتدامها جزء من التجربة الاخلاقية والقيمية للمجتمع الذي ننتمي اليه. اي انني في اشتباكي بالشأن العالم ارسي قواعد اخلاقية وقيمية لمن هم معي وحولي ومن انا مشتبك معهم توافقا او تنافراً. ان عملية تشكيل الذات كما تذهب بتلر، لا تقع كلها في متناول الذات وبرغبتها، بل هي تقع تحت تأثير عوامل محكومة بالعلائقية ومعتمدة على معايير الاخر (المجتمع) بشكل رئيسي، وفي هذه الفجوة بين رؤيتنا لذاتنا، وتأثير الاخر في تشكيلها نقع في مطب التوازن بين رؤيتنا لذواتنا ورؤية الاخر لنا.

وكذلك في جدلية الصراع بين الطموح والواقع، تدخل ذواتنا محنة المفارقة بين ما نريد وما يمكن تحقيقه، فنصاب بالخيبة من سعة الفجوة، لذا تحاول ذواتنا ان تعيد ترتيب اولوياتها من جديد، معتقدة بقدرتها على النجاح، ولكنها (تخادع نفسها) لانها تفشل من جديد في ايصال الواقع الى ما تطمح اليه. فمحنة الذات المتوهجة انها لا تعترف بخداعها لنفسها، ولكنها بدلاً عن ذلك تتعالى على تجربتها باكتسبها فهما جديداً عبر هذا الخداع (قدرتها على الى ايصال الواقع لما تطمح اليه).

يكمن التعالي في العلاقة بين "الرغبة" الجارفة للذات المتوهجة بتغيير الواقع و"القوة"التي تحتاجها لتشكيل الواقع الذي تعيش فيه وتعتقد بانه "الغريب" عنها الى واقع تعتقد انها تعرفه وهو الذي لم يتحقق بعد "الحلم". في هذه الجدلية، الذات المأزومة بالتوهج، التي لا تعترف بالعجز عن التغيير التام، فهي اما ان تخسر الواقع الذي تحلم به بتصالحها مع ذاتها، واما ان تخسر نفسها بتوجهها للواقع الذي تحلم به. اي تسعى لتشكيل واقعها (الحلم) لتتشارك به مع الاخرين، فتدرك نفسها بوصفها اكثر غزارة مما كانت من قبل(بتلر).

تلك هي محنة الذات المتوهجة بالتغيير، تعاني الخوف من فقدان (الحلم)، والنشوة التي تشعر بها وهي ترى نفسها وقد حلت في آخر، الذي تشعر به امتداد لها "فتستملكه"، لذا فهي غير قادرة على تحمل فقدان هذا الاخر الذي استملكته. وللخروج من هذه المحنة تسعى الذات الى ممارسة الغطرسة ضد الاخر ما ان تشعر انه يسعى للاستقلال عنها. ان العنف الذي يمارس ضدنا، يعني انكشافنا امام الاخر وضعفنا وهشاشتنا المعرفية. (بتلر).

***

د. سليم حوهر

في المثقف اليوم