عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قاسم المحبشي: في اختلاف وتنوع السياقات وتفاعل وتلاقح الحضارات

لطالما حيرني سؤال يبدو، للوهلة الأولى، بسيطًا، لكنه كلما تعمقت فيه ازداد تعقيدًا: إذا كان الواقع المرئي والمحسوس والملموس واحدًا بالنسبة إلى البشر جميعًا، فلماذا يختلفون في رؤيته وتفسيره وتأويله وفهمه؟ لماذا يرى الإنسان الشيء نفسه بصورة مختلفة عن أخيه الإنسان، مع أن كليهما ينظر إلى العالم ذاته، وتشرق عليهما الشمس نفسها، ويعيشان فوق الأرض نفسها، وتخضع أجسادهما للقوانين الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية ذاتها؟

وهذا ما دفعني للاهتمام بالعلاقة بين الجغرافيا والثقافة وأنماط التفكير. هل تفكر المجتمعات بالطريقة نفسها مهما اختلفت بيئاتها الجغرافية والتاريخية؟ وهل للجغرافيا أثر في تكوين العقل الجمعي؟ أم أن الثقافة، بما تراكمه من لغة ودين وعادات وذاكرة ورموز ومؤسسات، هي التي تصنع الطريقة التي ننظر بها إلى العالم؟

اتذكر دراسات نشرتها عن معنى القوافل الأدبية في مجلة المنار العدنية الصادرة عن اتحاد الادباء والكتاب عام 2007م

في إحدى ندوات العولمة والمجايلة التاريخية للدكتور سيار الجميل، استوقفتني مقارنات ذكية بين عدد من الدول العربية وبعض الدول الآسيوية، مثل ماليزيا وسنغافورة وتايلاند وغيرها، وهي دول كانت في مراحل تاريخية سابقة أقل تقدمًا من بعض الدول العربية على مستويات متعددة، ثم حدث تحول نهضوي جعل مساراتها تتباعد بصورة لافتة. وقد دفع هذا السؤال الدكتور بن شرقي بن مزيان إلى طرح إشكالية وجدتها جديرة بأن تصبح موضوعًا للتفكير: ما الذي يفسر اختلاف المسارات بين المجتمعات؟

هل يتعلق الأمر بالأنثروبولوجيا التكوينية لهذه المجتمعات؟ أم بالثقافة وهيمنة بعض المؤسسات التقليدية؟ أم بالجغرافيا وسياقاتها؟ أم بنمط الدولة ومؤسساتها؟ أم أن الأمر برمته نتيجة تفاعل تاريخي مركب لا يمكن اختزاله في عامل واحد؟ ومنذ ذلك الحين وجدتني مأخوذًا بهذا السؤال، لأنني لا أبحث عن إجابة جاهزة بقدر ما أبحث عن معنى يفسر هذا الاختلاف الإنساني الهائل.

وتذكرت في أثناء ذلك كتاب عالم النفس الاجتماعي الأمريكي ريتشارد إي. نيسبت، «جغرافية الفكر: كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف… ولماذا؟»، الذي يحاول أن يفسر بعض الفروق في طرائق التفكير بين الثقافات الغربية والآسيوية. والفكرة الأساسية التي أثارتني في الكتاب هي أن الإنسان لا يستقبل العالم استقبالًا محايدًا كما تستقبل الكاميرا صورة أمامها، وإنما يراه من خلال بنية ذهنية وثقافية تشكلت تاريخيًا في سياقات جغرافية وثقافية مختلفة فالعالم واحد، لكن خرائطه الذهنية متعددة.

يذهب صاحب جغرافية التفكير ريتشارد إي. نيسبت،، إلى رصد نمط من التفكير التحليلي في تشكل بعض البيئات الغربية، يميل إلى عزل الأشياء وتصنيفها والبحث عن القوانين التي تحكمها، بينما تطور في بعض البيئات الآسيوية نمط أكثر ميلًا إلى رؤية الأشياء داخل سياقاتها وعلاقاتها وشبكاتها المتبادلة. وليس المقصود بالطبع إقامة جدار نهائي بين «الغرب» و«الشرق»، أو تحويل البشر إلى قوالب جامدة، وإنما محاولة فهم الكيفية التي تؤثر بها البيئة والثقافة والتاريخ في الإدراك نفسه.

وهنا أجدني أعود إلى سؤال الوجودية الأولى ماذا يملك الإنسان قبل أن يصبح غربيًا أو شرقيًا، مسلمًا أو مسيحيًا، عربيًا أو آسيويًا، مؤمنًا أو غير مؤمن؟ غير كونه كائنا حيا يمشي على قدمين

فالجسد البشري، أينما وجد، يخضع لقوانين الطبيعة نفسها. الجوع لا يحتاج إلى ترجمة، والعطش لا يعرف الحدود القومية، والألم لا يسأل عن الدين، والحاجة إلى الأمن ليست اختراعًا ثقافيًا خالصًا. ومن هذا المستوى الأساسي يمكن فهم أهمية هرم أبراهام ماسلو للحاجات الإنسانية: الحاجات الفسيولوجية، ثم الأمن، ثم الحب والانتماء، ثم التقدير، ثم تحقيق الذات والحاجات العليا. قد نختلف في ترتيب هذه الحاجات أو في تفسيرها الثقافي، لكن الإنسان، في النهاية، يحتاج إلى الطعام والماء والأمان والانتماء والاعتراف والمعنى. وحتى حين يصل إلى مرحلة البحث عن الحقيقة والجمال والعدل وتحقيق إمكاناته الإنسانية، فإنه لا يخرج تمامًا من شروط وجوده البيولوجي والاجتماعي، بل يرتقي فوقها دون أن يلغيها.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الإنسان كائن طبيعي، لكنه لا يعيش في الطبيعة وحدها؛ إنه يعيش أيضًا في عالم من المعاني التي صنعها بنفسه وهذا هو الكائن الوحيد، في حدود معرفتنا، الذي يستطيع أن يقول: «أنا».

ومن هذه الـ«أنا» تبدأ الحكاية الطويلة للوعي واللغة والثقافة والهوية والذاكرة والتاريخ والحضارة فالكائن البشري المتعين لا يرى العالم كما هو فقط، وإنما كما تسمح له لغته وثقافته وذاكرته وتجربته التاريخية أن يراه. وهذا ما يضيء جانبًا مهمًا من أعمال الأنثروبولوجي الأمريكي إدوارد تي هول، الذي نظر إلى الثقافة بوصفها نظامًا لإنتاج المعنى، لا مجرد مجموعة من العادات والمعلومات والمعتقدات وكل جماعة بشرية تبني، بصورة واعية أو غير واعية، تصورًا عن الزمن والمكان والحقيقة والهوية والحياة والموت والخير والشر. ثم تنشأ المشكلة عندما تتحول هذه التصورات من أدوات لفهم العالم إلى حقائق مطلقة لا تقبل النقاش؛ عندها لا يعود الاختلاف مجرد اختلاف في الرأي، بل يتحول إلى تهديد للهوية ذاتها.

هنا نفهم لماذا يستطيع الإنسان أن يقتل من أجل فكرة، وأن يموت من أجل رمز، وأن يعادي إنسانًا آخر لمجرد أنه ينتمي إلى سردية مختلفة. فالمعتقد، حتى حين يكون غير قابل للاختبار التجريبي، يستطيع أن يصبح قوة مادية هائلة حين يؤمن به الناس ويتصرفون على أساسه.

وبهذا المعنى يمكن القول إن التاريخ الإنساني يمكن أن يُقرأ، في جانب منه، بوصفه تاريخًا لصراع السرديات الكبرى: من الأسطورة إلى الدين، ومن الطوطم إلى الأيديولوجيا، ومن الأساطير السياسية القديمة إلى العقائد السياسية الحديثة.وهذه هي الاطروحة التي انتبه اليها المفكر المصري أنور عبد الملك 1924- 2012م إذ تميز بمشروع فكري عقلاني وحضاري مبكر، انشغل بنقد المركزية الأوروبية وتفكيك الاستشراق التقليدي قبل سنوات من صدور كتاب إدوارد سعيد «الاستشراق». سعى عبد الملك إلى إعادة صياغة مفاهيم النهضة والثورة والأصالة والحداثة من منظور الخصوصية الحضارية، داعيًا إلى استعادة التعددية الثقافية في النظام الدولي، ومبشرًا بصعود الشرق، ولا سيما الصين والعالم العربي، بوصفه فضاءً حضاريًا قادرًا على إعادة تشكيل موازين القوة العالمية. وقد جمع في تحليله بين البنى الاجتماعية والتحولات السياسية والعسكرية والعمق التاريخي للأمم. ومن أبرز كتبه: «المجتمع المصري والجيش»، «نهضة مصر»، «ريح الشرق»، «تغيير العالم»، «من أجل استراتيجية حضارية»، «الجدلية الاجتماعية»، «الفكر العربي في معركة النهضة»، «مدخل إلى الفكر العربي المعاصر»، «الإبداع والمشروع الحضاري»، «الشارع المصري والفكر»، «الوطنية هي الحل»، و**«في أصول المسألة الحضارية»**؛ وهي في مجملها تعكس انشغاله بسؤال النهضة واستعادة الشرق فاعليته الحضارية والتاريخية. وهو يرى أن الحضارات لا تتحرك جميعها داخل السياق التاريخي نفسه، وأن اختلاف تجاربها الاجتماعية والقومية والتاريخية ينتج اختلافًا في رؤيتها للزمن وللصيرورة وللعلاقة بين الفرد والجماعة.

لقد نشأت حضارات شرقية قديمة، مثل مصر والصين وفارس واليابان، داخل مجتمعات ذات استمرارية تاريخية عميقة، وتماسك اجتماعي وثقافي قوي، جعل الزمن فيها يبدو أقل تجزؤًا من التصور الحديث الذي يميل إلى تقسيم التاريخ إلى مراحل منفصلة ومتتابعة.

فالإنسان الشرقي، في قراءة عبد الملك، لا يرى نفسه دائمًا بوصفه فردًا منفصلًا عن التاريخ، وإنما بوصفه حلقة في سلسلة ممتدة عبر الأجيال.

فكرة تستحق التأمل، لأنها تجعلنا نعيد النظر في الطريقة التي نفهم بها التقدم نفسه. فهل التقدم مسار واحد تسير فيه جميع المجتمعات بالسرعة نفسها؟ أم أن لكل حضارة زمنها التاريخي الخاص، وإيقاعها الداخلي، وطريقتها في استيعاب الحداثة؟

لا يعني هذا أن نرفض منجزات الغرب أو أن نغلق أبوابنا أمام العلم والتكنولوجيا والحداثة، كما لا يعني أن نقد الغرب ينبغي أن يتحول إلى تمجيد للشرق. المسألة أعمق من ذلك: كيف نستفيد من منجزات الآخر دون أن نفقد القدرة على التفكير من داخل شروطنا التاريخية؟

فالنهضة ليست تقليدًا للآخر، كما أنها ليست عودة رومانسية إلى الماضي. إنها القدرة على إنتاج معرفة تنطلق من الواقع، وتستفيد من التجارب الإنسانية كلها، لكنها لا تتخلى عن حقها في طرح أسئلتها الخاصة.

ليس العالم واحدًا بالمعنى الذي يجعل البشر يرونه بالطريقة نفسها؛ فالعالم الخارجي قد يكون مشتركًا بين الجميع، لكن الإنسان لا يراه عاريًا من اللغة والذاكرة والثقافة والتاريخ والجغرافيا والتجربة. نحن لا نرى العالم فقط، بل نؤوله، والخطر يبدأ حين ننسى أننا نؤول فنخلط بين الحقيقة وصورتنا عنها.

ومن هنا لا ينبغي أن نفهم الشرق والغرب بوصفهما جوهرين ثابتين أو عقلين متناقضين، بل بوصفهما تاريخًا طويلًا من التفاعل والتبادل والصراع والتعلم المتبادل. فلا يوجد عقل شرقي خالص ولا عقل غربي خالص، كما لا توجد حضارة تمتلك وحدها مفاتيح التاريخ.

إن العالم المعاصر أصبح قرية من حيث الاتصال، لكنه لم يصبح عقلًا واحدًا؛ بل كلما اقترب البشر ماديًا، ظهرت بصورة أوضح اختلافاتهم الرمزية والثقافية. ولهذا نحتاج إلى رؤية كلية ترى الاقتصاد والسياسة والثقافة والدين والتكنولوجيا والتاريخ بوصفها عناصر مترابطة داخل شبكة واحدة.

أما الفلسفة، فوظيفتها ليست إنتاج يقينيات مقدسة، وإنما حماية العقل من تحول أفكاره إلى أصنام. إنها تعلمنا أن نسأل، ونشك، ونختبر، ونراجع أنفسنا.

وربما لا يكون السؤال: من يرى العالم بصورة صحيحة، الشرق أم الغرب؟ بل: كيف نتعلم أن نفكر معًا، رغم اختلاف الطرق التي تعلمنا بها رؤية العالم؟

ولهذا أجد في انعقاد مؤتمر جامعة حضرموت بمناسبة الذكرى البلاتينية للعلاقات اليمنية الصينية أكثر من مجرد استعادة لحدث تاريخي مضى؛ إنها فرصة لإعادة قراءة التاريخ بوصفه سؤالًا مفتوحًا على المستقبل. فالعلاقة بين اليمن والصين ليست مجرد علاقة دبلوماسية بين دولتين، وإنما هي امتداد لتاريخ أقدم من الدول والحدود، تاريخ طرق التجارة والبحار والموانئ، وتبادل السلع والأفكار والثقافات بين حضارتين عريقتين.

وتكتسب هذه الندوة أهميتها من أنها تتيح لنا أن ننظر إلى الصين واليمن خارج الصور النمطية التي صنعتها المركزيات القديمة، وأن نقرأ تجربة الصين المعاصرة في ضوء تاريخها الحضاري الطويل، كما نعيد التفكير في موقع اليمن وقدرته على استعادة دوره في شبكة التفاعل الآسيوي والعالمي.

إن الاحتفاء بسبعين عامًا من العلاقات اليمنية الصينية لا ينبغي أن يكون احتفاءً بالماضي وحده، بل مناسبة للسؤال: ماذا يمكن أن نتعلم من هذا التاريخ؟ وكيف نحول الذاكرة المشتركة إلى معرفة، والمعرفة إلى رؤية، والرؤية إلى مشروع للمستقبل؟

فالتاريخ لا يصبح حيًا حين نتذكره فقط، وإنما حين يساعدنا على فهم حاضرنا وفتح إمكانات جديدة للمستقبل. وربما تكون هذه هي الرسالة الأعمق للندوة: أن الحضارات لا تتقدم حين تنغلق على ذواتها، بل حين تتعارف، وتتفاعل، وتتبادل الخبرة، وتبحث معًا عن عالم أكثر تعددًا وعدلًا وإنسانية.

***

ا. د. قاسم المحبشي

في المثقف اليوم