عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عماد خالد رحمة: نوبل 2026

حين تغيب الأسماء العربية ويحضر السؤال العربي

كل عام، حين تفتح جائزة نوبل أبوابها على العالم، لا تبدو المسألة مجرد احتفال سنوي بأسماء تتقدم إلى منصة التتويج، ولا مجرد ميداليات وشهادات وأرقام مالية؛ إنها لحظة كونية يعاد فيها ترتيب خريطة الاعتراف بالإنجاز الإنساني في ميادين العلم والأدب والسلام. وفي هذه اللحظة تحديداً، يجد العالم العربي نفسه أمام مرآة لا تجامل أحداً: ماذا أنجزنا؟ وأين يقف علماؤنا ومبدعونا في المشهد العالمي؟ ولماذا ما زال حضورنا في سجل نوبل محدوداً إلى هذا الحد؟

في عام ٢٠٢٦، ذهبت جائزة نوبل في الأدب إلى الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون، تقديراً لما وصفته الأكاديمية السويدية بنتاجها (الجريء والمبتكر)، وما أحدثته من أشكال جديدة في الأدب المعاصر من خلال حوارها الخلاق مع التراث الكلاسيكي. وهي كاتبة تجمع بين الشعر والنثر والترجمة والدراسة الكلاسيكية، وتتعامل مع الأشكال الأدبية بوصفها فضاءً مفتوحاً للتجريب والتجاوز.

ومرة أخرى، لم يظهر اسم عربي بين المتوجين بجائزة نوبل في الأدب. ولم يكن هذا الغياب جديداً؛ فقد اعتدناه حتى كاد يتحول من سؤال ثقافي إلى قدر متخيل، ومن مناسبة للمراجعة والنقد إلى خبر عابر لا يوقظ في المؤسسات العربية ما يكفي من الأسئلة.

لكن المشكلة ليست في أن العربي لم يفز هذا العام، فالجائزة ليست مسابقة قومية، وليست ميداناً ينبغي أن تتوزع جوائزه بالتساوي بين الشعوب. المشكلة الأعمق أن المجال العربي، بما يملكه من تاريخ معرفي وثقافي طويل، ومن طاقات بشرية واسعة، لا يزال عاجزاً عن تحويل هذه الإمكانات إلى منظومة عالمية متماسكة للإنتاج العلمي والأدبي والفكري.

لقد عرف العرب نوبل، وإن كان حضورهم محدوداً. ففي الأدب كان نجيب محفوظ أول كاتب يكتب بالعربية يحصل على نوبل للآداب عام ١٩٨٨، وقد رأت الأكاديمية السويدية في مشروعه الروائي تأسيساً لفن سردي عربي قادر على مخاطبة الإنسانية جمعاء. 

وفي العلوم، جاء أحمد زويل ليحصل عام ١٩٩٩ على نوبل في الكيمياء عن أبحاثه المتعلقة بالمراحل الانتقالية للتفاعلات الكيميائية باستخدام مطيافية الفيمتوثانية، فكان إنجازه العلمي مثالًا على قدرة العالم العربي، حين تتوافر له بيئة البحث والمعرفة، على أن يصنع أثراً في قلب العلم العالمي. 

وفي مجال السلام، حصل أنور السادات عام ١٩٧٨ بالاشتراك مع مناحم بيغن، تقديراً لجهودهما في التفاوض على السلام بين مصر وإسرائيل، بينما حصل ياسر عرفات عام ١٩٩٤ بالاشتراك مع إسحاق رابين وشمعون بيريز تقديراً لجهودهم المرتبطة بمسار السلام في الشرق الأوسط. كما حصل محمد البرادعي عام ٢٠٠٥ بالاشتراك مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية على جائزة نوبل للسلام تقديراً لجهودهما في منع استخدام الطاقة النووية لأغراض عسكرية وتعزيز الاستخدام السلمي الآمن لها. 

ومن الضروري هنا أن نميز بين أنواع الجوائز نفسها. فنوبل للسلام ليست جائزة علمية أو أدبية؛ ولذلك لا يجوز وضع السادات وعرفات والبرادعي في الخانة نفسها التي يوضع فيها محفوظ أو زويل. لكل جائزة معيارها ومجالها وسياقها التاريخي. كما أن القول إن الجوائز السياسية «مجرد مجاملات» يختزل تاريخاً معقداً في حكم واحد لا تسنده بالضرورة حيثيات الجائزة الرسمية.

غير أن هذا لا يلغي السؤال العربي، بل يجعله أكثر إلحاحاً.

لماذا لا نرى حضوراً عربياً أكبر في العلوم والآداب والفكر؟

هنا ينبغي أن ننتقل من جلد الذات إلى نقد البنية.

فالمشكلة لا تكمن في غياب المواهب. العالم العربي لم يكن يوماً فقيراً بالمبدعين. لدينا شعراء وروائيون وفلاسفة ومفكرون وأطباء ومهندسون وفيزيائيون وكيميائيون وباحثون في مختلف الحقول. ولدينا ملايين الطلاب والجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الثقافية. لكن امتلاك الأعداد لا يعني امتلاك منظومة إنتاج معرفي.

فالموهبة الفردية تحتاج إلى جامعة حرة، ومختبر مجهز، وتمويل مستقر، ومجلات علمية رصينة، ومراكز بحث مستقلة، وبيئة تسمح بالخطأ والتجريب، ومؤسسات قادرة على حماية الباحث والمبدع من التهميش. كما يحتاج الأدب إلى دور نشر قوية، وحركة ترجمة واسعة، ونقد أدبي قادر على تقديم المنجز العربي إلى العالم لا إلى القارئ العربي وحده.

وهنا تكمن الفجوة الحقيقية: لسنا بحاجة إلى مزيد من الاحتفاء بالمبدع بقدر حاجتنا إلى صناعة البيئة التي تُنتج المبدع.

إن جائزة نوبل لا تبدأ في ستوكهولم؛ تبدأ قبل ذلك بعقود في المدرسة، وفي الجامعة، وفي المختبر، وفي المكتبة، وفي الأسرة، وفي احترام السؤال، وفي حرية البحث، وفي الاعتراف بأن المعرفة ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد الأزمات.

والأشد إيلاماً أن العالم العربي يملك تاريخاً حضارياً يجعل هذه المفارقة أكثر قسوة. فالأمة التي أنجبت الخوارزمي وابن الهيثم وابن النفيس وابن رشد، والتي صنعت تقاليد عريقة في الفلسفة والطب والرياضيات والفلك واللغة والأدب، لا يجوز أن تكتفي باستدعاء ذلك المجد كلما أرادت الدفاع عن حاضرها.

الحضارة لا تُستعاد بالذاكرة وحدها؛ الحضارة تُستأنف بالفعل.

ومن هنا فإن السؤال عن نوبل ينبغي ألا يكون: «لماذا لم يفز العربي؟» فقط، بل: ماذا فعلنا لكي يصبح الفوز ممكنًا؟

لقد أصبحت جوائز العالم الكبرى مرآة لواقع أوسع من الجائزة نفسها. وحين نبحث عن أسماء عربية قليلة في قوائم الفائزين، ينبغي أن نسأل عن عدد المختبرات التي أُنشئت، وعدد الأبحاث التي مولت، وحجم الإنفاق الحقيقي على البحث والتطوير، وعدد الكتب التي ترجمت إلى اللغات العالمية، ومدى استقلال الجامعات، وحرية الباحث، ومكانة الكتاب والمكتبة والمجلة العلمية في حياتنا العامة.

إن النتيجة لا تُصنع في عام واحد، ولا تُنتزع بحملة إعلامية، ولا تُستجدى من لجنة تحكيم. الجوائز الكبرى تأتي غالباً بوصفها أثراً متأخراً لمنظومة نجحت قبل ذلك بسنوات طويلة في إنتاج المعرفة والجمال والقيمة.

أما الشاعر العربي أدونيس، الذي ظل اسمه حاضراً بقوة في النقاشات والتوقعات المرتبطة بنوبل للآداب، فقد غاب مجدداً عن منصة الجائزة في ٢٠٢٦، التي ذهبت إلى آن كارسون. وهذا لا ينتقص من قيمة تجربته الشعرية والفكرية، كما أن عدم الفوز لا يمكن أن يُقرأ بوصفه حكماً نهائياً على قيمة أي كاتب؛ فنوبل ليست سلّماً مطلقاً لترتيب الأدباء في العالم.

إن مأساة الغياب العربي لا تكمن في غياب اسم بعينه، وإنما في أننا لم ننجح بعد في بناء حضور معرفي وثقافي عربي مستمر، يستطيع أن يجعل أسماء كثيرة ــ لا اسماً واحداً ــ جزءاً طبيعياً من المشهد العالمي.

وهنا نصل إلى المفارقة الأكثر مرارة:

نحن نغيب عن كثير من منصات العلم والأدب، لكننا نحضر بكثافة في منصات الصراع.

تنفق المنطقة طاقات هائلة في إدارة الأزمات والحروب والانقسامات، بينما تحتاج المعرفة إلى الاستقرار، ويحتاج الإبداع إلى الحرية، ويحتاج المختبر إلى سنوات من الصبر، ويحتاج الكتاب إلى قارئ، ويحتاج الباحث إلى مؤسسة تحميه، ويحتاج المبدع إلى مجتمع لا ينظر إلى الثقافة بوصفها هامشاً.

وفي عالم تتنافس فيه الدول على الذكاء الاصطناعي، والفضاء، والطب الجيني، والطاقة، والفيزياء المتقدمة، والتكنولوجيا الحيوية، والعلوم الإنسانية الجديدة، لا يكفي أن نتحدث عن أمجاد الماضي أو أن نحصي أسماء أجدادنا العظام.

العالم لا يمنح الجوائز للتاريخ، وإنما للإنجاز الذي يضيف إلى الحاضر ويفتح أبواب المستقبل.

ولذلك فإن الغياب العربي عن نوبل ينبغي ألا يتحول إلى مرثية سنوية، ولا إلى اتهام دائم للجان التحكيم، ولا إلى نظرية مؤامرة تريحنا من مسؤولية السؤال.

علينا أن نحول لحظة إعلان نوبل من مناسبة للعتب إلى مناسبة للمراجعة.

أن نسأل عن جامعاتنا قبل أن نسأل عن الجائزة.

وعن مختبراتنا قبل أن نسأل عن الميدالية.

وعن حرية الباحث قبل أن نسأل عن اسمه في قائمة المرشحين.

وعن الكتاب الذي لا يجد ناشراً، والمخطوط الذي لا يجد قارئاً، والعالم الذي يهاجر لأن مختبره لا يجد تمويلاً، والشاعر الذي يكتب في العزلة، والمفكر الذي يستهلك عمره في مقاومة العوائق بدل أن يكرس حياته لإنتاج المعرفة.

نوبل ليست المشكلة؛ نوبل هي المرآة.

وإذا أردنا يوماً أن نرى أسماء عربية كثيرة في تلك القوائم، فعلينا ألا ننتظر أكتوبر من كل عام كي نحزن على الغياب، بل ينبغي أن يبدأ العمل في اليوم التالي لإعلان النتائج.

فالميدالية التي تُسلَّم في ستوكهولم ليست سوى اللحظة الأخيرة من رحلة طويلة بدأت، في الغالب، قبل عقود: في عقل طفل سأل سؤالًا غير مألوف، وفي أستاذ شجعه على البحث، وفي جامعة احتضنت فضوله، وفي دولة آمنت بأن المعرفة ثروة، وفي مجتمع أدرك أن الكتاب والمختبر والفن ليست كماليات، بل شروطاً لبقاء الإنسان في التاريخ.

وإذا كان لنا أن نغادر مقاعد المتفرجين، فعلينا أن نبدأ من هنا: أن نصنع الإنسان العربي الذي يستحق أن يضيف شيئاً جديداً إلى ذاكرة العالم، لا أن ينتظر من العالم شهادةً على ما كان عليه أسلافه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة- برلين

في المثقف اليوم