عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

أكرم عثمان: الساعة البيولوجية

حين ينتظم إيقاع الجسد فتتحسن جودة الحياة

لا نعيش أيامنا وفق ساعات عقارب الساعة فقط، بل وفق نظام داخلي دقيق ينظم إيقاع أجسادنا ووظائفنا الحيوية، ويؤثر بصورة مباشرة في نومنا واستيقاظنا وحركتنا وسكوننا، ومستوى نشاطنا، ومزاجنا، وتركيزنا، وحتى شهيتنا. وهذا النظام يعرف بـ الساعة البيولوجية. فالساعة البيولوجية هي نظام داخلي في جسم الإنسان ينظم إيقاع عدد من الوظائف الحيوية على مدار الليل والنهار.

وكلما كانت عادات الإنسان اليومية أكثر انتظاماً وتحكماً، وخاصة في النوم والغذاء والنشاط البدني، كان من الأسهل على الجسم أن يعمل بانسجام وتوافق وتناغم، وأن يحافظ الإنسان على نشاطه وحيويته وقدرته على أداء أدواره اليومية بحيوية وكفاءة وفعالية. الليل للراحة والسكون والطمأنينة وتجديد لخلايا الجسم وتزويده بالطاقة الحيوية والإيجابية والنهار للعملوالكد والتعب من طبيعة الإنسان أن يكون أكثر نشاطاً وحركة خلال النهار، وأن يحصل على الراحة والسكون خلال الليل.

 وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا التوازن في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ۝ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: 10-11]. فالليل مساحة للراحة والتأمل واستعادة التوازن، والنهار مجال للعمل والحركة والإنتاج. وعندما يحصل الإنسان على نوم كافٍ ومنتظم وغذاء صحي ونشاط بدني، يمنح جسمه فرصة لاستعادة نشاطه والاستعداد ليوم جديد.

  أما عندما يختل هذا الإيقاع بسبب السهر واللهو المستمر على الدوام، أو النوم في ساعات النهار، أو تغير مواعيد النوم والاستيقاظ بصورة متكررة، فقد تظهر آثار ذلك على النوم والطاقة والمزاج والتركيز والأداء اليومي. فقد تضطرب الساعة البيولوجية ينعكس على حياتنا، وقد يبدو للبعض أن السهر أو عدم انتظام النوم مجرد عادة بسيطة، لكنها قد تتحول مع الوقت إلى نمط يؤثر في جوانب متعددة من حياة الإنسان ويحد من طاقته وعمله، مما يحول دون الوصول إلى الأهداف المتوقعة والمخطط لها.

فاضطراب الساعة البيولوجية قد يرتبط بصعوبة النوم أو الاستيقاظ، والشعور بالنعاس خلال النهار، وضعف التركيز، وتقلب المزاج، واضطراب الشهية، وانخفاض مستوى النشاط والإنتاجية. ولهذا فإن تنظيم النوم ليس مجرد مسألة تتعلق بالراحة فحسب، بل هو جزء من إدارة الإنسان لطاقته ووقته وصحته وأدائه اليومي

كيف نحافظ على انتظام الساعة البيولوجية؟

هناك مجموعة من العادات اليومية التي تساعد على تنظيم الإيقاع اليومي للجسم، ومن أهمها:

أولاً: الانتظام في مواعيد النوم الكافي والاستيقاظ المبكر: كلما حافظ الإنسان قدر الإمكان على مواعيد ثابتة ومنتظمة للنوم والاستيقاظ، ساعد ذلك جسمه على بناء إيقاع أكثر انتظاماً ونشطاً وحيوية.

ثانياً: التعرض لضوء النهار: التعرض للضوء الطبيعي في الصباح يمثل إشارة مهمة للجسم تساعده على التمييز بين بداية اليوم وصحوته ووقت الليل وسكونه، وبالتالي دعم انتظام دورة النوم والاستيقاظ

ثالثاً: تنظيم الوجبات: الساعة البيولوجية لا تتأثر بالنوم وحده، وإنما تتأثر كذلك بتوقيت الطعام والدوام والانتظام عليه. لذلك فإن الانتظام النسبي في مواعيد الوجبات يساعد على بناء نمط يومي أكثر استقراراً وثباتاً وتوازناً.

رابعاً: ممارسة النشاط البدني: الحركة وممارسة الألعاب الرياضية من العادات المهمة التي تساعد الإنسان على المحافظة على نشاطه خلال النهار، كما ينبغي تجنب النشاط المجهد جداً في وقت قريب من النوم إذا كان يؤثر في القدرة على الاسترخاء والشعور بالسكينة والهدوء.

خامساً: تهيئة غرفة النوم: من الأفضل أن تكون غرفة النوم هادئة ومظلمة ومريحة وحراراتها تتلائم مع حراراة الجسم والشعور بالراحة، مع تقليل مصادر الضوء والإزعاج والفوضى قدر الإمكان.

سادساً: الابتعاد عن شرب الكافيين في ساعات المساء: تناول المشروبات التي تحتوي على الكافيين في وقت متأخر قد يؤثر في بعض الأشخاص على القدرة على النوم والاستغراق فيه، ولذلك من المفيد الانتباه إلى توقيت تناولها والكمية التي يتم أخذها.

لماذا يمثل السهر مشكلة خاصة لدى الشباب؟

من أكثر الأنماط شيوعاً لدى بعض الشباب السهر واليقظة حتى ساعات متأخرة من الليل، ثم محاولة تعويض ذلك بالنوم خلال النهار. ومع تكرار هذا النمط قد يصبح الليل وقتاً للنشاط والنهار وقتاً للنوم، وهو ما قد يتعارض مع متطلبات الدراسة والعمل والحياة الاجتماعية والشعور بالراحة وامتلاك الطاقة الإيجابية التي تسهم في زيادة النشاط والبذل والجهد خلال النهار. وتزداد المشكلة عندما يتحول هذا السلوك من حالة مؤقتة إلى عادة دائمة ومستمرة؛ لأن الإنسان قد يجد نفسه بعد فترة غير قادر على الاستيقاظ بنشاط في الصباح، أو التركيز خلال ساعات الدراسة والعمل، أو الاستفادة من وقته بكفاءة وفعالية. لهذا فإن تعديل العادات اليومية يحتاج إلى إرادة واستمرارية وتدرج والإصرار على التغيير والعودة للفطرة والوضع الطبيعي، وليس إلى قرار مؤقت ليوم أو يومين فقط.

 الساعة البيولوجية نظام متكامل:

من المهم ألا ننظر إلى الساعة البيولوجية باعتبارها مرتبطة بالنوم واليقظة فقط. إنها جزء من نظام متكامل يتأثر بالنوم، والغذاء، والضوء، والنشاط البدني، والحركة، ونمط الحياة اليومي. فإذا كان الإنسان معتاداً على تناول وجبة في وقت معين ثم أصبح يبكر بها او يؤخرها باستمرار، أو كان ينام ويستيقظ في مواعيد ثابتة ثم بدأ يغيرها بشكل متكرر وقد تحولت عاداته إلى ممارسات أخرى تتعارض مع صحته وعاداته الطبيعية، فإن هذا التغيير المستمر والدائم قد يجعل نمطه اليومي أقل صحة وانتظاماً واستقراراً. ومن هنا تأتي أهمية الروتين الصحي؛ فالجسم يحب الإيقاع والعادات المنتظمة، والعادات المتكررة تساعده على التكيف والتوافق مع نمط واضح من النوم والعمل والراحة والغذاء.

متى يكون الإنسان أكثر نشاطاً؟

 تختلف مستويات النشاط والطاقة من شخص إلى آخر، كما تختلف باختلاف طبيعة العمل والعمر ونمط الحياة. لكن كثيراً من الناس يشعرون بارتفاع مستوى النشاط والتركيز خلال ساعات الصباح، خاصة بعد الاستيقاظ والتعرض لضوء النهار وتناول وجبة مناسبة تزيد من طاقته وفعاليته ونشاطه. وقد يشعر الإنسان ببعض الخمول بعد تناول وجبة الغداء، ثم يستعيد قدراً مناسباً من النشاط خلال فترة بعد الظهر مع وجود فترة وجيزة من الهدوء. ومع اقتراب المساء يبدأ الجسم تدريجياً في الانتقال إلى حالة أكثر استعداداً للسطون والراحة والنوم. لذلك من المفيد أن يستثمر الإنسان ساعات نشاطه الأعلى في الأعمال التي تتطلب تركيزاً وطاقة وإنتاجية أكبر، وأن يترك المهام الأقل تطلباً جهداً في الأوقات التي ينخفض فيها مستوى النشاط وتراجعه.

هل يمكن إعادة ضبط الساعة البيولوجية؟

نعم، من الممكن للمرء أن يعمل على تعديل عاداته اليومية وإعادة تنظيم نمط حياته سواء أكان في نومه أو استيقاظه، لكن ذلك قد يحتاج إلى إدارة وقناعة في التغيير والتعديل ووقت واستمرارية، ويختلف من شخص إلى آخر بحسب مقدار الاضطراب وطبيعة نمط الحياة ويسرها أو عسرها. ومن الخطأ أن نتوقع أن تتغير جميع العادات المتراكمة في عشية أو ضحاها. فمن الأفضل إجراء تعديلات تدريجية وثابتة ومستمرة، مثل تثبيت وقت الاستيقاظ، والتعرض لضوء الصباح وشمسه، وتخفيف السهر لمواقيت متأخرة، وتنظيم مواعيد الطعام وتناوله، وممارسة النشاط البدني وفعاليته، وتهيئة بيئة صحية مناسبة وهادئة للنوم.

فالساعة البيولوجية لا تحتاج إلى حلول سحرية أو فجائية، بقدر ما تحتاج إلى عادات منتظمة واستمرارية والتزا. قوي وإيجابي. النوم ليس وقتاً ضائعاً فمن الأفكار التي تحتاج إلى تصحيح وتعديل للنوم التي تمثل وقتاً ضائعاً يمكن الاستغناء عنه لصالح النجاح والتميز في العمل أو الدراسة وتسيير شؤو الحياة ومتطلباتها. فالحقيقة أن الراحة جزء مهم وأصيل من الإنتاجية.

فالإنسان الذي يحرم نفسه باستمرار من النوم قد يجد نفسه يعمل ساعات أطول، لكنه ينجز بصورة أقل كفاءة وفاعلية، لأن التركيز والطاقة والانتباه تتأثر. لذلك ينبغي أن ننظر إلى النوم باعتباره استثماراً في اليوم التالي، وليس انسحاباً أو تراجعاً من الحياة. والبالغون يحتاجون عادةً إلى نحو 7–9 ساعات من النوم ليلاً، مع اختلاف الاحتياج من شخص إلى آخر حسب صحته وعمره والجهد الذي يبذله.

قيمة الوقت تبدأ من احترام إيقاع الحياة ورتمها:

إن تنظيم الساعة البيولوجية ليس مجرد تنظيم لمواعيد النوم والاستيقاظ، وإنما هو شكل من أشكال إدارة الذات واحترام الوقت والجسد. فالإنسان الذي يعرف متى يعمل، ومتى يرتاح، ومتى يتحرك، ومتى يأكل، ومتى ينام، يكون أكثر قدرة على بناء يوم متوازن وفعال. ولا يعني ذلك أن تكون حياتنا جامدة لا تتغير، وإنما يعني أن يكون لدينا إيقاع عام منتظم نستطيع العودة إليه بعد الإجازات أو السفر أو الظروف الاستثنائية والطارئة

خلاصة:

إن الساعة البيولوجية ليست مجرد ساعة داخل أجسادنا أو مواعيد توقظنا، بل هي جزء من النظام الذي يساعدنا على تنظيم علاقتنا بالنوم والعمل والغذاء والنشاط والراحة. وقد لا نستطيع التحكم في كل ظروف حياتنا، لكننا نستطيع التحكم في كثير من عاداتنا اليومية. وممارساتها نم في وقت مناسب، استيقظ بانتظام، تعرض لضوء النهار، تحرك، نظم طعامك، وامنح جسدك حقه من الراحة. فحين ينتظم إيقاع الجسد، يصبح الإنسان أكثر قدرة على التركيز والانتباه، وأكثر نشاطًا، وأكثر استعداداً لأداء أدواره في الحياة. فالنجاح لا يحتاج إلى أن نعمل طوال الوقت أو نبدل عاداتنا مخالفة للفطرة السليمة والطبيعية، وإنما يحتاج إلى أن نعرف متى نعمل، ومتى نرتاح وننام، وكيف نوازن بين الاثنين بوعي ودراية وحكمة.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

مستشار وخبير تطوير ومدرب دولي في التنمية البشرية

22-10-2026

في المثقف اليوم