قراءة في كتاب
زهراء ماجد: ليس للميتافيزيقا من يكاتبها
إن السؤال عما هو موجود وطبيعته لا يكاد ينفك عن وعي الإنسان، ذلك أن هذا الوعي قائم، في جوهره، على الفضول والاندهاش ازاء الواقع وحقيقته دائماً، ومن هنا، فإن إشكالية الوجود والماهية لا تنتمي إلى تاريخ الفلسفة بوصفه ماضياً منقضياً، بل تظل سؤالاً حياً يتجدد حضوره عبر العصور، فأستفهام الوعي الدائم عن وجود الشيء وماهيته لا يعرف حدوداً، بل يتموضع داخل تاريخ الفلسفة بوصفه إشكالية فعلية على المستويين الأنطولوجي والوجودي معاً، حيث يكمن اهتمام الأول في الكائن بصيغته التجريدية، اما الاخر فيعاين الكائن من خلال تجربته الواقعية، وهذا يعكس بالضرورة استمرار الاهتمام الفلسفي بالمسألة رغم تغير الاهتمامات المعرفية الأخرى.
من هذا الأفق تحديداً يندرج كتاب (فلسفة الوجود والماهية) للأستاذ الدكتور حسون السراي، أستاذ الميتافيزيقا في الجامعة المستنصرية، بوصفه محاولة معاصرة لإعادة مساءلة هذه الاشكالية الجذرية في الاشتغال الفلسفي، لا باعتباره تراثاً ميتافيزيقياً مغلقاً، بل بوصفه أفقاً مفتوحاً للفهم.
وهنا يحسن التوقف عند علاقة الدكتور حسون بالميتافيزيقا، لا من حيث تخصصه الأكاديمي فحسب، بل من حيث طريقته في تفكيك هذا المبحث الذي طالما وصف بالجفاف والتعقيد، فعلى الرغم من أن الميتافيزيقا تعد من أكثر المباحث الفلسفية تعقيداً، لما تنطوي عليه من تفكير في عمق الكون وكينونة النفس، فأن الدكتور حسون ينجح في تقديمها بوضوح كبير، وكأنها قد بلغت لديه درجة من الوضوح تجعلها قابلة للشرح دون الاخلال بعمقها، وهذا ما يتيح للقارئ أن يتلقاها نقية واضحة، غير ممتزجة بمباحث معرفية أخرى، وفي سياقها الفلسفي السليم، بوصفها تفكيرا فيما وراء المدركات الحسية لا انفصالاً عن الواقع، بل تعميقاً له.
ينطلق المؤلف في طرحه الإشكالي إلى حدود تمييز الفلسفي عن غير الفلسفي، بقوله عبارة " موضوع هذا الكتاب هو موضوع اصيل" وأصالة الموضوعات الفلسفية لديه لا تتجاوز حدود الميتافيزيقا وما سواها هو ثقافة فلسفية ومجرد توظيفات لا تصل الاصالة، وهذا الرأي بالتأكيد هو محل نقاش فنطرح السؤال التالي : ما المعيار أو الفيصل الذي يمكن من خلاله التمييز بين ما هو فلسفي أصيل وما هو توظيف معرفي آخر؟ فالفلسفة، بخلاف معظم الاختصاصات، تمتلك أفقاً مفتوحاً ومحددات عليا تسمح لها بالولوج إلى ميادين معرفية متنوعة، ليس لتكرار الأسئلة، بل لمساءلتها والنظر في طبيعتها. وهنا يبرز التساؤل عما إذا كان السراي يبحث عن خاصية جوهرية للفلسفة لا تمتلكها غيرها، بحيث سحب بذاكرتنا نحو سؤال الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز في كتابه ( ما الفلسفة) عندما ناقش مسألة موت الفلسفة ونهايتها، أقول ان السراي يعتقد بأن الميتافيزيقا وموضوعاتها الاصيلة، هي التي تضمن ديمومة العمل الفلسفي، مهما حاولت السياسات الرأسمالية والاقتصادية اعلان موتها.
فجاء الكتاب مصنف ثلاثة أقسام، يخصص المؤلف القسم الأول منها لتحليل العلاقة بين مفهومي الوجود والماهية، من خلال مقاربة تاريخية–فلسفية تسعى إلى الكشف عن الدوافع المعرفية التي تقف وراء انقسام الفلاسفة بشأن أولوية أحد المفهومين على الآخر: هل الوجود سابق على الماهية، أم الماهية سابقة على الوجود، أم أن بينهما تلازماً وجودياً لا يمكن فصله؟
ولا يكتفي المؤلف هنا بعرض هذا الخلاف بوصفه اختلافاً نظرياً فحسب، بل يتخذه مدخلاً لمساءلة كيفية اشتغال العقل البشري ذاته في مقاربته للواقع، وذلك عبر ما يطلق عليه بـ(الوثائقيات)، أي النماذج الفلسفية لكل اتجاه مبيناً أنماط التفكير التي ينطلق منها الفيلسوف في فهم الشيء، فثمة من يرى أن الوجود يسبق الماهية، بمعنى أن الشيء يوجد أولاً في الواقع ثم تكتشف ماهيته وطبيعته تالياً، إذ لا يمكن للماهية أن تدرك أو تلاحظ ما لم يكن للشيء وجود فعلي، ويعد أرسطو في مقدمة ممثلي هذا الاتجاه.
و في المقابل، يرى الاتجاه الاخر أولوية الماهية على الوجود، انطلاقاً من القول بوجود صورة عقلية أو نموذج أولي سابق على تحقق الشيء في الواقع، وهو التصور الذي بلوره أفلاطون في نظريته في المثل حيث تكون الماهيات سابقة على الموجودات الحسية ومؤسسة لها.
ويتضح من كل هذا أن الكتاب، من خلال صرامته في عرض المسألة، ومنهجيته الواضحة، يحافظ على حيوية السؤال الفلسفي، ويقدم إطاراً يمكن الرجوع إليه لأي باحث مهتم بمسألة الوجود والماهية، ويظل بمثابة مرجع واضح لمن يسعى لفهم هذه المسائل، محافظاً على حيويتها وتأثيرها في الفكر المعاصر، دون أن يغلق النقاش، بل مؤكداً على استمرار السؤال ذاته في مختلف الأزمنة.
***
زهراء ماجد






