قراءة في كتاب
عبد السلام فاروق: "ولي النعم".. جلاد الفلاحين!
خالد فهمي يعيد قراءة تاريخ محمد علي
كثيراً ما أجد نفسي أتساءل لماذا يبدو التاريخ الذي ندرسه في قاعات المدارس والمعاهد، ونقرأه في الكتب الرسمية المزينة بأغلفة فاخرة، مختلفاً تمام الاختلاف عن التاريخ الذي تنقله إلينا الذاكرة الشعبية المتوارثة عبر الأجيال، أو ذلك الذي نستشفه من بين سطور الوثائق الأرشيفية المحفوظة في دهاليز المخازن السرية؟ يبدو الأمر كما لو أن ثمة تاريخين يسيران على خطين متوازيين لا يلتقيان: تاريخ الصفوة والنخبة، المسطور على الورق الرسمي والمنحوت في التماثيل الضخمة والمخلد في اللوحات الفنية الباهظة، وتاريخ العامة والكادحين، المدفون في قبور النسيان والمتوارث عبر همسات الأجداد وحكايات الجدات وأغاني المواويل الشعبية التي تحمل بين طياتها أفراحاً محبوسة وآهات مكبوتة.
هذا التساؤل الوجودي يفرض نفسه بقوة جارفة عندما ننظر إلى فترة حكم محمد علي باشا لمصر (1805-1848)، تلك الحقبة التاريخية التي طالما قيل عنها، وبشر بها، إنها فجر مصر الحديثة، وبداية النهضة المعاصرة. لقد تعلمنا منذ نعومة أظفارنا، وتشربنا عبر مناهج التعليم ووسائل الإعلام، أن ننظر إلى هذا الرجل باعتباره بطلاً قومياً، ومجدداً عظيماً، ومؤسساً لدولة عصرية، ورائداً للتحديث والبناء. لكن هل كانت هذه حقاً كل الصورة المتكاملة؟ أم أن هناك وجهاً آخر، مظلماً وقاسياً، طمسته كتابات المؤرخين الرسميين المدجنين، وأبقت عليه ذاكرة أولئك البسطاء الذين تحملوا وطأة مشروعه التحديثي على أكتافهم الهزيلة، ودفعوا ثمنه من دمائهم وأرزاقهم وكرامتهم الإنسانية؟
هذا هو السؤال المحوري الذي يحاول المؤرخ الجريء الدكتور خالد فهمي الإجابة عليه، وبجرأة علمية لافتة، في كتابه الجديد المهم "ولي النعم: محمد علي باشا وعالمه" الصادر عن دار الشروق. إنه لا يسعى إلى إنكار ما قام به محمد علي من إنجازات مادية مرئية ومعروفة، لكنه يحاول أن يضيف إلى هذه الصورة النمطية بعداً غائباً، أو بالأحرى، بعداً مقصوداً ومغيباً بعناية، وهو البعد الإنساني الأخلاقي. ماذا كان الثمن البشري الفادح الذي دفعه الشعب المصري، وخصوصاً الفلاحون البسطاء الذين يشكلون عصب الأمة وقلبها النابض، مقابل هذه الإنجازات المادية؟ ومن المستفيد الحقيقي منها؟ وهل كان مشروع محمد علي في جوهره مشروعاً لصالح مصر وأهلها، أم كان مشروعاً لصالح أسرة محمد علي وطموحاته الشخصية والعائلية الضيقة؟
في هذا المقال، أحاول أن أستعرض الرؤية النقدية الثاقبة التي يقدمها المؤرخ خالد فهمي، من خلال عدسة تحليلية نقدية، متأثرة بمنهج يحاول دائماً أن يبحث عن الجذور العميقة والخفية للأحداث، وعن الروابط المعقدة بين الظواهر الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، لأن التاريخ في رأيي كائن حي متشابك الأوصال، لا يمكن فهم عضو منه بمعزل عن بقية الأعضاء.
تفكيك أسطورة "المؤسس الوحيد"!
يبدأ خالد فهمي تحليله العميق بتفكيك أسطورة محمد علي كمؤسس وحيد وأوحد لمصر الحديثة. فهو يشير إلى أن هناك سرديتين رئيسيتين تتنازعان تفسير هذه الفترة التاريخية الحاسمة.
السردية الأولى، وهي السائدة والمهيمنة على الخطاب التاريخي الرسمي، تقدم محمد علي كعبقري استثنائي، استطاع بقوة إرادته الفولاذية وحنكته السياسية والعسكرية الفذة أن ينهض بمصر من سباتها العميق، ويحولها من ولاية عثمانية متخلفة إلى دولة قوية يحسب لها حساب وتخشى بأسها الدول الأوروبية العظمى. هذه السردية، التي يمثلها بشكل واضح المؤرخ عبد الرحمن الرافعي وغيره من المؤرخين التقليديين، تركز على الإنجازات المادية الظاهرة للعيان: بناء جيش حديث قوي، وإنشاء مصانع للنسيج والبارود والسفن، وإرسال بعثات تعليمية إلى أوروبا لاستيراد العلوم الحديثة، وتأسيس نظام تعليمي على النمط الأوروبي، وحفر الترع والمصارف، وإدخال زراعات جديدة.
أما السردية الثانية، فهي التي يحاول المؤرخ خالد فهمي أن يسلط الضوء عليها بقوة، وهي سردية "التاريخ من أسفل"، أو تاريخ المسحوقين والمهمشين. هذه السردية النقدية لا تنكر وجود تلك الإنجازات المادية، ولكنها تطرح سؤالاً محرجاً ومقلقاً، ما الثمن البشري والاجتماعي الذي تم دفعه مقابل هذه الإنجازات؟
تركز هذه السردية على الجانب الإنساني المفقود، على معاناة أولئك البسطاء الذين تحملوا عبء بناء هذه الصروح الحديثة على أكتافهم المنهكة. إنها تسأل بجرأة من الذي دفع تكلفة بناء هذا الجيش الجرار؟ ومن الذي عمل في تلك المصانع الحديثة، وبأي أجر وبأية ظروف معيشية قاسية؟ وأين ذهبت ثمار كل هذا الجهد والعناء؟ هل عادت على الشعب المصري ككل، أم تراكمت في خزائن الأسرة العلوية وطبقة كبار الموظفين والعسكريين الموالين لها، فوسعت هوة التفاوت الطبقي وزادت من غنى الأغنياء وفقر الفقراء؟
وهنا تكمن أهمية منهج الدكتور خالد فهمي النقدي. فهو لا يقدم مجرد "رواية بديلة" عاطفية، بل يحاول أن يثبت أن السرديتين متلازمتان، وأنه لا يمكن فهم الإنجازات المادية دون معرفة الثمن البشري الفادح الذي تم دفعه مقابلها. وكما يقول هو نفسه بعبارة شعرية مؤثرة، فإن "صوت الأجراس في المدارس الحديثة كان يعلو على أنين مفقوعي الأعين". إنه يذكرنا بأن النهضة، إذا بنيت على أنقاض كرامة الإنسان، تظل ناقصة ومشوهة، وأن التحديث القسري الذي لا يراعي الظروف الاجتماعية والثقافية والنفسية للمجتمع، قد ينتج دولة قوية على الورق، ولكنه ينتج في الوقت نفسه مجتمعاً مكسوراً ومقهوراً وخاوياً من الداخل.
والي عثماني طموح أم أب الأمة الحنون؟
إحدى النقاط الجوهرية التي يثيرها المؤرخ خالد فهمي، والتي تتوافق كثيراً مع تحليلي للتاريخ الاقتصادي المصري، هي إعادة تأطير شخصية محمد علي. فبدلاً من الصورة الرومانسية له كقومي مصري، يحرر البلاد من الحكم العثماني المتخلف ويسعى لاستقلالها، يقدمه خالد فهمي على حقيقته التاريخية والي عثماني طموح وذكي، استغل فراغ السلطة في مصر بعد خروج الفرنسيين وصراعات المماليك الدامية، ليحولها إلى قاعدة لنفوذه الشخصي والعائلي، وإلى مملكة وراثية لأبنائه من بعده. كان همه الأول والأخير هو تدعيم حكمه، وتمويل طموحاته التوسعية في الشام والسودان والجزيرة العربية، والاستعداد لمواجهة السلطان العثماني نفسه إذا لزم الأمر، بل والانقلاب عليه.
ولهذا الغرض، لم يتردد في استنزاف موارد البلاد حتى النخاع، وخصوصاً الفلاحين، الذين شكلوا العمود الفقري للاقتصاد المصري آنذاك. فقد فرض نظاماً اقتصادياً قاسياً قائماً على الاحتكار الشامل، حيث أصبحت الدولة - أي محمد علي وأسرته - تحتكر المحاصيل الزراعية الرئيسية كالقطن والحبوب، وتجبر الفلاح على بيع إنتاجه لها بأسعار زهيدة، ثم تقوم هي ببيعها في الأسواق العالمية بأسعار عالية، لتحقق أرباحاً طائلة توجه إلى الخزينة العامة، التي كانت في الحقيقة خزينة محمد علي الخاصة والعائلية. لقد حول الفلاح المصري من منتج مستقل له كرامته إلى مجرد أجير في أرضه، يعمل لصالح الدولة الجشعة، كالآلة التي لا تعترض ولا تحتج.
وحتى الصناعة التي أنشأها محمد علي، لم تكن صناعة موجهة لتحقيق التنمية الاقتصادية الحقيقية المستقلة، أو لتحسين مستوى معيشة المصريين. إنما كانت صناعة حربية في المقام الأول، تهدف إلى تلبية احتياجات الجيش والأسرة الحاكمة. وكان العاملون فيها يعيشون في ظروف قاسية، أشبه بظروف السخرة، منعزلين عن المجتمع في مجمعات صناعية مغلقة، أشبه بالثكنات العسكرية أو السجون الكبيرة. فقد كان مشروع محمد علي مشروعاً تحديثياً شكلياً وقسرياً، يفتقر إلى الروح الإنسانية، ويهدف في الأساس إلى خدمة مصالح ضيقة، وليس إلى تحقيق النهضة الشاملة للمجتمع بكل أبعادها الإنسانية.
هندسة بشرية قسرية
ربما يكون هذا هو الجانب الأكثر إثارة للقلق في تحليل الدكتور خالد فهمي، حيث يطبق بأسلوب نقدي حاد نظريات الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حول السلطة والجسد والانضباط على تجربة محمد علي التحديثية. فهو يرى أن الباشا لم يحاول فقط بناء دولة حديثة، لكنه حاول إعادة هندسة المجتمع المصري نفسه من جذوره، وصياغة "إنسان مصري جديد"، مطيع ومنضبط ومنتج، وفق الرؤية الأحادية التي يريدها هو. كانت هذه محاولة لخلق "إنسان آلي"، يخدم أهداف الدولة دون تفكير أو اعتراض، كترس في آلة ضخمة.
وكانت أداة هذه الهندسة الاجتماعية القسرية هي "نظام التجنيد الإجباري". فالبناء الضخم للجيش النظامي، الذي يعد من أبرز إنجازات محمد علي في السردية الرسمية، كان في الواقع مأساة إنسانية كبرى. فالتجنيد لم يكن طوعياً أبداً، بل كان عملية قمعية وحشية. كانت فرق التجنيد تطارد الفلاحين في قراهم وحقولهم، وتقبض عليهم كما تقبض على الحيوانات، وتقيدهم بالحبال، وتسوقهم إلى مراكز التدريب، حيث تنتظرهم حياة من الشقاء والمرض والعنف والموت البطيء.
وكرد فعل يائس على هذه السياسة الوحشية، لجأ الفلاحون إلى أساليب مروعة لتجنب المصير المجهول. فكانوا يشوهون أنفسهم عمداً، يفقؤون أعينهم، أو يكسرون أطرافهم، ليعتبروا غير لائقين طبياً للخدمة العسكرية. وتشير الوثائق الأرشيفية التي يستعرضها خالد فهمي إلى حالات هروب جماعي للفلاحين من قراهم إلى الصحاري والمناطق النائية، هرباً من قبضة "جلاوزة" التجنيد. إنها صورة مأساوية تكشف عن حجم الخوف واليأس الذي سيطر على المجتمع الريفي المصري في ذلك العصر، وتكشف عن الوجه القبيح للتحديث القسري.
وحتى داخل الجيش نفسه، لم تكن حياة المجند أفضل حالاً. فسوء التغذية، والأمراض المعدية، والانضباط الحديدي القاسي، جعلت من الخدمة العسكرية حكماً بالموت البطيء للكثيرين. وهكذا تحول الفلاح المصري، الذي كان يعيش في انسجام نسبي مع بيئته الزراعية، إلى أداة في آلة حرب ضخمة، تستخدمه في معارك بعيدة، لا يعرف عنها شيئاً، ولا تعنيه في شيء، سوى أنها تخدم طموحات الحاكم وأسرته وتوسعاته الإمبراطورية.
لماذا نجح المشروع؟
لا يمكن فهم نجاح محمد علي النسبي في تنفيذ مشروعه التحديثي القاسي دون وضعه في سياقاته التاريخية والجغرافية الأوسع. وهنا يقدم خالد فهمي تحليلاً مهماً يتفق مع رؤية الكثيرين لتاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي.
أولاً: السياق العثماني والإقليمي: محمد علي لم يكن ظاهرة معزولة. لقد ظهر في لحظة ضعف شديد للدولة العثمانية، واستطاع بحنكته أن يلعب على تناقضات القوى الكبرى، خاصة بريطانيا وفرنسا، لتعزيز موقفه. ولكن في النهاية، اصطدمت طموحاته بحدود النظام الدولي آنذاك. فمعاهدة لندن عام 1840، التي فرضت عليه التراجع عن معظم فتوحاته في الشام، والعودة إلى ولاية مصر فقط، تحت السيادة الاسمية للسلطان العثماني، كانت دليلاً على أن قوته كانت محدودة بألاعيب القوى الاستعمارية، التي لم تكن تريد انهيار الدولة العثمانية بالكامل، حفاظاً على مصالحها وتوازن القوى في المنطقة. والصورة المذلة لمحمد علي وهو يحاول تقبيل قدم السلطان العثماني في عام 1846، ترمز إلى فشل مشروعه الاستقلالي في النهاية، وعودته إلى الحظيرة العثمانية.
ثانياً: الفراغ الاجتماعي في مصر: هذا هو العامل الحاسم في رأيي. فعلى عكس مناطق أخرى في الإمبراطورية العثمانية، مثل الأناضول أو بلاد الشام، حيث كانت هناك طبقات إقطاعية وعسكرية وراثية راسخة تقاوم محاولات المركزية، كانت مصر، بعد الحملة الفرنسية والفوضى التي أعقبتها، مجتمعاً "مسطحاً" إلى حد كبير. فقد تم تدمير طبقة المماليك التي كانت تحكم البلاد، ولم تكن هناك طبقة إقطاعية محلية قوية أو نخبة وطنية راسخة. كان الفلاحون، وهم الغالبية العظمى من السكان، مشتتين وضعفاء التنظيم. وهذا ما أتاح لمحمد علي أن يفرض نظامه المركزي القاسي دون مقاومة منظمة يمكن أن تهدد حكمه. لقد وجد مادة خام بشرية سهلة التشكيل، فشكلها كما أراد، بقبضة من حديد، دون أن تقف في وجهه أي قوة اجتماعية مضادة.
ثالثاً: الإرث الفكري والسياسي الثقيل: مشروع محمد علي لم يخلق دولة قوية فحسب، بل خلق أيضاً ثقافة سياسية جديدة، هي ثقافة الدولة البوليسية الشمولية، التي تتدخل في كل شئون حياة المواطن، وتفرض عليه نمطاً معيناً من الحياة، باسم "المصلحة العليا" و"التحديث" و"النهضة". هذه الثقافة، التي تبرر القمع باسم التقدم، وتسحق الفرد في سبيل الجماعة (أو في سبيل الحاكم)، أصبحت إرثاً ثقيلاً ترزح تحته الحياة السياسية المصرية حتى اليوم. إنها ثقافة "الغاية تبرر الوسيلة"، وهي ثقافة خطيرة، لأنها تفتح الباب أمام كل أنواع الاستبداد والظلم، وتقتل روح المبادرة والإبداع لدى الأفراد.
صروح شاهقة.. وأرواح مهشمة!
كيف يمكن إذن أن نقيم إرث محمد علي بشكل متوازن؟ يقدم المؤرخ خالد فهمي، وأنا أتفق معه في ذلك، تقويماً مزدوجاً، يرصد الإيجابيات والسلبيات، دون أن يغفل عن حقيقة أن السلبيات كانت جزءاً جوهرياً من تجربة التحديث ذاتها، وليست مجرد أخطاء عرضية أو هفوات يمكن تجاوزها.
من الناحية المادية والمؤسسية، لا شك أن محمد علي ترك وراءه بعض الأسس التي يمكن البناء عليها: جيشاً نظامياً، وبعض المنشآت الصناعية والتعليمية، وبدايات بيروقراطية دولة مركزية. هذه كلها عناصر مهمة في بناء الدولة الحديثة، ويمكن اعتبارها لبنات أولى في مسيرة طويلة.
ولكن من الناحية الإنسانية والاجتماعية والسياسية، كان الإرث كارثياً إلى حد كبير. لقد خلف وراءه مجتمعاً منهكاً، تعرضت بنيته الاجتماعية والثقافية للاهتزاز والتصدع. فقد فرض علاقة جديدة بين الدولة والمواطن، علاقة قائمة على الخوف والقهر والإذلال، بدلاً من الثقة والمشاركة والمواطنة. وأسس لثقافة سياسية تستمرئ الاستبداد، وتقدس الحاكم القوي، حتى لو كان ظالماً، وتهمش قيمة الفرد وكرامته وحريته وحقوقه.
والأكثر من ذلك، أن مشروعه، في جوهره، كان مشروعاً لصالح أسرته، وليس لصالح مصر كوطن وشعب. ولذلك، لم يستمر طويلاً بعد وفاته. فخلفاؤه من الأسرة العلوية، بدءاً من إبراهيم باشا وحتى الخديوي إسماعيل، لم يحافظوا على ما بناه، بل أسرفوا في الإنفاق والبذخ، ورهنوا البلاد بالديون للأجانب، مما مهد الطريق للاحتلال البريطاني لمصر عام 1882. لقد كانت "الدولة القوية" التي بناها محمد علي هشة من الداخل، لأنها لم تقم على مشاركة الشعب ورضاه، بل على خضوعه وقهره واستنزافه.
التاريخ ذاكرة حية
ما يقدمه الدكتور خالد فهمي في كتابه الجديد "ولي النعم" دعوة صريحة وجريئة لإعادة النظر في طريقة قراءتنا لماضينا. إنه يذكرنا بأن التاريخ الحقيقي ليس مكتوباً على الحجر، في التماثيل والنصب التذكارية، لكنه مكتوب في وجدان الناس، في ذاكرتهم الجماعية الحية، في قصص المعاناة والصمود والأمل التي يتناقلها الأبناء عن الآباء والأجداد، في الأغاني الشعبية، في الأمثال، في العادات والتقاليد.
إن قراءة التاريخ "من أسفل"، من منظور أولئك الذين دفعوا الثمن، ليست ترفاً فكرياً، ولا محاولة لتشويه الرموز كما يتهم البعض. هي ضرورة أخلاقية وعلمية معاً. ضرورة أخلاقية، لأنها تعيد الاعتبار للإنسان العادي، الذي طالما تم تجاهله وإهماله في كتابات التاريخ الرسمي الممجدة للحكام والقادة. وضرورة علمية، لأنها تمكننا من فهم أكثر شمولية وتعقيداً للتحولات التاريخية، فنتجنب السذاجة في تفسير الأحداث، والتبسيط المخل في تحليل الظواهر الاجتماعية المعقدة.
فنحن عندما ننظر إلى تمثال محمد علي الفخم في قلعة صلاح الدين، يجب ألا نرى فقط القائد العسكري الباسل، أو الحاكم المصلح، لكن يجب أن نرى أيضاً ظلال أولئك الذين سحقوا تحت عجلات مشروعه التحديثي الثقيل: الفلاح الهارب في الصحراء خوفاً من التجنيد، والعامل المجهد في المصنع، والجندي الميت في أرض معركة بعيدة لا يعرف عنها شيئاً. يجب أن نتذكر أن عظمة الدول لا تقاس بارتفاع صروحها ومبانيها فقط، بل تقاس أيضاً بمدى احترامها لكرامة مواطنيها، وبتوزيع عادل لثرواتها، وبمقدار الحرية التي تمنحها لهم، وبمستوى العدالة الاجتماعية الذي تحققه.
إن أمة تبنى مجدها على أنقاض كرامة أبنائها، هي أمة تبني على رمال متحركة. وقد آن الأوان أن نقرأ تاريخنا بعينين ناقدتين، عين ترى الإنجاز والمكسب المادي، وأخرى ترى الثمن البشري والاجتماعي الباهظ، حتى نستطيع أن نبني مستقبلاً أفضل، يكون فيه التقدم حقيقياً وشاملاً، ولا يتحقق على حساب إنسانيتنا المشتركة وكرامتنا الإنسانية الأصيلة.
***
عبد السلام فاروق






