عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

خالد سليكي: قراءة في كتاب "تمرد الانثى من خلال السرد النسوي

الهوية، الابوية، كتابة الجسد"

إلى روح الصديقة زبيدة الورياغلي.. الكتابة النسوية بوصفها مقاومة للبطرياركية

في زمن تتكاثر فيه الأسئلة المرتبطة بالهوية والحرية وتمثلات السلطة داخل المجتمعات العربية، يبرز كتاب الكاتبة والباحثة المغربية المقيمة في اسكتلندا، فاطمة واياو، باعتباره مشروعاً فكرياً ونقدياً يتجاوز حدود القراءة الأدبية التقليدية نحو مساءلة البنيات الثقافية العميقة التي تؤطر الوعي الجمعي العربي، وفي مقدمتها البنية البطريركية التي ما تزال تتحكم في تمثلات المرأة والجسد والحرية.

لا يقدّم هذا العمل مقاربة عابرة لقضايا المرأة، ولا يكتفي بتوصيف مظاهر الهيمنة الذكورية داخل الخطاب الثقافي العربي، بل ينخرط في تفكيك آليات اشتغال هذا الوعي السلطوي، عبر قراءة دقيقة للخطاب الإبداعي النسائي بوصفه فضاءً للمقاومة الرمزية وإعادة تشكيل الذات. ومن هنا تكمن القيمة المعرفية الأساسية لهذا الكتاب؛ إذ يضع الإبداع النسوي في قلب معركة الوعي، لا باعتباره ممارسة جمالية فقط، وإنما باعتباره فعلاً نقدياً وتحررياً يسعى إلى زحزحة أنظمة الهيمنة وإعادة تعريف موقع المرأة داخل المجتمع والتاريخ واللغة.

تتحرك فاطمة واياو داخل هذا المشروع من موقع الباحثة المنخرطة وجودياً في القضايا التي تدرسها. فهي لا تنظر إلى قضايا المرأة من مسافة نظرية باردة، بل من خلال تجربة فكرية وإنسانية تشكلت عبر سنوات طويلة من الاشتغال الصحافي والمدني والثقافي، ثم تعمقت أكثر مع تجربة الهجرة والإقامة في أوروبا. ولعل هذه التجربة الأخيرة منحت رؤيتها أفقاً مقارناً أكثر اتساعاً، جعلها أكثر حساسية تجاه الفوارق الثقافية وأنماط تمثل الحرية والاختلاف داخل المجتمعات الحديثة.

إن تجربة المنفى، كما يكشف الكتاب، ليست مجرد انتقال جغرافي، بل تحوّل في الوعي ذاته. فمن خلال تماس الذات المهاجرة مع سياقات ثقافية أخرى، تتولد أسئلة جديدة حول الهوية والانتماء والجسد واللغة والحرية. ولهذا تكتسب الكتابة النسوية لدى المرأة العربية المهاجرة بعداً مضاعفاً؛ فهي كتابة تواجه سلطة المجتمع الأصلي من جهة، وتعيش في الآن نفسه قلق الاغتراب والتشظي داخل مجتمع جديد من جهة أخرى. وهنا ينجح الكتاب في إبراز هذا التعقيد الوجودي الذي تعيشه المرأة المهاجرة، باعتبارها ذاتاً معلقة بين ثقافتين، ووعيين، ومنظومتين من القيم والتمثلات.

ومن أبرز ما يميز هذا العمل انفتاحه المنهجي وتحرره من الانغلاق النظري. فالكاتبة لا تجعل نفسها أسيرة مقاربة واحدة، بل تستثمر أدوات متعددة من النقد النسوي والدراسات الثقافية وتحليل الخطاب، في محاولة لتشريح البنية العميقة للعقل البطريركي العربي. وهي بذلك تقدم نموذجاً للبحث النقدي الذي لا يكتفي بتوصيف الظواهر، بل يسعى إلى مساءلة جذورها التاريخية والثقافية والرمزية.

كما يلفت الكتاب الانتباه إلى قضية بالغة الأهمية، تتمثل في العلاقة بين اللغة والسلطة. فاللغة، وفق هذا التصور، ليست أداة محايدة، بل حاملة لآثار الهيمنة الذكورية ومكرسة أحياناً لمنطق الإقصاء والتشييء. لذلك يصبح تحرير اللغة جزءاً من مشروع تحرير الذات النسوية ذاتها. ومن هنا تبرز الكتابة النسوية باعتبارها فعلاً لإعادة امتلاك الصوت والسرد والهوية، ومحاولة لتأسيس أفق جديد للوجود الأنثوي خارج القوالب الجاهزة التي فرضتها الثقافة الأبوية عبر قرون.

إن أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في موضوعه، بل أيضاً في توقيته الثقافي والفكري. فالمجتمعات العربية اليوم في حاجة ماسة إلى مثل هذه الأعمال التي تفتح النقاش حول أزمة الوعي البطريركي، وحول ضرورة إعادة التفكير في العلاقة بين الجنسين، وفي موقع المرأة داخل الفضاء الاجتماعي والثقافي والسياسي. كما أن هذا العمل يكتسب أهمية خاصة لأنه ينطلق من الإبداع بوصفه مرآة دقيقة لتحولات المجتمع وللتوترات العميقة التي تسكنه.

لقد استطاعت فاطمة واياو أن تقدم، عبر هذا المشروع، قراءة نقدية عميقة للخطاب الإبداعي النسائي، وأن تفتح أفقاً معرفياً رحباً لفهم العلاقة المعقدة بين الإبداع والسلطة والهوية. وهو ما يجعل هذا الكتاب إضافة نوعية إلى حقل النقد الثقافي والدراسات النسوية العربية، ومساهمة جادة في معركة الوعي ضد أشكال التكلس الفكري والهيمنة الرمزية.

إنه كتاب لا يكتفي بطرح الأسئلة، بل يدفع القارئ إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات الثقافية الراسخة، ويؤكد أن الكتابة النسوية ليست هامشاً في الثقافة العربية، بل واحدة من أكثر القوى الفكرية قدرة على خلخلة البنى المغلقة وفتح أفق جديد للحرية والمعنى.

***

بقلم د. خالد سليكي

................

* صدر الكتاب عن منشورات سليكي أخوين بطنجة 2026