صاحب الضويري.. دراسات في حياته وشعره
لمناسبة الذكرى الأربعين على رحيل الشاعر الشعبي العراقي (صاحب الضويري 1947 ــ 1985) صدر عن دار لندن للطباعة والنشر كتاب الباحث والمحقق " صادق جعفر الروازق " الموسوم (محنة في قطار الزمن) الذي تناول فيه التجربة الحياتية والابداعية للشاعر المذكور وقد ضم الكتاب مجموعته الشعرية (كتابات على جدار الزمن) اضافة الى دراسات وأراء نقدية في حياته وشعره بأقلام أكثر من ثلاثين باحثا وناقدا وشاعرا وصديقا.
يستهل المؤلف كتابه بمقدمة بقلمه عنونها " عمق العزف على أوتار الضويري " يشير فيها الى قصور الكتابات التي تناولت منجز الضويري، ويصفها بالكتابات السطحية التي لم تسبر اغوار عالمه الخاص وهو رأي فيه بعض التجني اذ ان هناك عددا من الكتابات والمقالات التي انصفت الشاعر ودخلت الى أعماق تجربته الشعرية والدليل على ذلك الكم الكبير من الدراسات والمقالات التي أسهمت في تحرير هذا الكتاب، ثم يعرج في مقدمته على نشأة الشاعر والبيئة الفقيرة التي ترعرع فيها وهي " محلة الجديدة " احدى اقدم المحلات الشعبية في مدينة الديوانية حيث عاش الشاعر فيها ظروف الفقر والحرمان الأمر الذي حال دون مواصلة دراسته بعد تخرجه من الإعدادية الفرع الأدبي ليلتحق بكلية الشرطة ويتخرج فيها برتبة ملازم أول عام 1969 وفي هذا العام بدأت موهبته الشعرية بالظهور متمثلة بقصيدة " متعوب " التي تعد من بواكير شعره، ويلمّح المؤلف أيضا الى ان الشاعر كان يعيش انكسارا داخليا اذا كان ( يرى في حياته اضطرابا من زحمة وصراع فكري وجودي أتعبه كثيرا ص 21)، كما يرصد شيوع المفردة الخليجية في اشعار الضويري وذلك بحكم اقامته في مدينة البصرة فترة من الزمن وعلاقاته بأدبائها وفنانيها واحتكاكه بأبناء الخليج المقيمين فيها، كذلك يشير الى مصادر ثقافة الشاعر ومنها الشعر العباسي اذ كان متأثرا بالشاعر المعري الذي شاركه فكرة العزوف عن الزواج، اذ كان يرى ان الانجاب في هذه الحياة نوع من الجناية على المولود، ويمثّل هذا التحليل رؤية المؤلف.
ويشهد الكاتب زهير كاظم عبود على تمكن الضويري في الكتابة بأجناس شعرية متعددة فيقول (كانت مقدرته الشعرية متميزة بحق، قادرا على خوض الدارمي والأبوذية والزهيري والموال، سجل العديد منها بصوته، يمتلك قدرة سحرية في تطويع كلمات القصيدة ص117)، كما يورد المؤلف شهادة صديق الشاعر، المهندس كريم هاتف، التي يكشف فيها عن ظروف ولادة القصيدة عند الضويري ومراحل اكتمالها فيقول (سألته في احد الأيام.. كيف تكتب قصائدك ؟.. قال: يستحضرني مطلع القصيدة نتيجة موقف حياتي معين او فكرة تقدح في عقلي وأذهب الى الفراش، اكمل المطلع واردده عشرات المرات وتتوارد بعده المقاطع وانا اغطي رأسي وانجز المقطع الأول واردده حتى احفظه ويأتي الثاني والثالث وهكذا انهض من الفراش وقد أنجزت قصيدة بأربع او خمس مقاطع ص 119).
وعن لغة القصيدة عند الضويري يذكر الباحث الأديب محمد علي محي الدين انها (لغة بسيطة في ظاهرها لكنها مشحونة بالايحاء والرمز، فالضويري يستخدم مفردات الحياة اليومية في لهجة الجنوب العراقي، واذا كان القدر قد اختطف الضويري مبكراً فان الشعر أبقاه حياً ص127)، "كما يرى المهندس باسم محمد نزال أن ثمة اغتراباً في شعر الشاعر، يتجلى في إحساسه الدائم بالوحدة والقلق والبحث عن عالم أكثر إنسانية وذلك من خلال تحليل مبسط لبعض نصوصه الشعرية، وتقف الباحثة والصحفية نوال جويد عند محطات في شعر الضويري تقول فيها (تعد تجربة الضويري قاسية.. وحزنه يوازي شغفه، عشق بكل خلايا جسده ولم يبلغ مراده ص 134)، كما يدلوا الشاعر قاسم شاتي بدلوه في تحليل خصائص قصيدة الضويري واسلوبه الشعري فيصفهما بالقول (يشكل الاغتراب العاطفي أحد أبرز المحاور الجوهرية في تجربة الشاعر صاحب الضويري، اذ ينبع من أعماق ذاته الجريحة ليغدو سمة فنية وجدانية تهيمن على شعره ص 140)، وعن حضور الضويري في الساحة الشعرية يرى د. نصير جابر ان مايميز تجربة الضويري هي الظاهرة الايقاعية فهو (يتصيد القافية الفخمة التي تعطي للقصيدة هيبة ايقاعية وتخصّب قصائده بموسيقى صاخبة تتناغم مع مواضيع النصوص ص 154)،، كما يصفه الباحث كاظم السيد علي بأنه (قيثارة حزن وسمفونية عذاب ص 159)، ويجد الأديب الناقد ريسان الخزعلي في الشاعر الضويري انه كان (متمترسا بذاته وبخصوصية املتها عليه ظروف حياتية / اجتماعية متشاغلا بفكرة الحياة والموت ص 163)، ويرى الأديب سعد صاحب في مقاله " شاعر مضطرب العواطف " ان (الضويري شاعر يوثّق الفواجع وغدر الدنيا والزمان وكأنه يتحدث على لسان الفلاسفة والمفكرين والأولياء وأهلا الالباب ص 167)، وتصف الأديبة انتظار الوردي ان الضويري رسم بنفسه نهايته المأساوية فهو (سعى الى ازهاق روحه تمردا على حياة لم تكن تليق به تاركاً قصائده التي خلدته في الذاكرة على الرغم من مر السنين ص173)، ومن طرائف الوصف للضويري جاء في عنوان مقالة الأديب ذياب مهدي ال غلام " شاعر سمفونية الوجع على إيقاع الهجع " التي جاء فيها ان قصائد الضويري (اتسمت برداء شفيف من الحزن كعاشق صوفي، وبناء متين صلد متزن، ليس تعبيرها عن همه الخاص لكنه دائما نجده في شعره وشاعريته توحي قصائده بالهم العام، فقصيدته طائر مذبوح ويرقص الهجع ص175)، ويشارك الاحتفاء بالضويري صديقه الشاعر منهل البحاثي من خلال الذكريات التي جمعته به ومنها مطلع القصيدة التي وصلته من الضويري بسبب جفوة حدثت بينهما (وين الرفاكة اللي بدراهم نمت.. والوادم يكولون نايم رغد) التي انتهت باعتذار الضويري له. وفي مقاله " محنة العمر عند الشاعر الضويري " يرصد الكاتب ثامر الحاج امين ظاهرة موت المبدعين بأعمار قصيرة ومن بينهم الضويري فيقول فيها (يأخذنا الشاعر في رحلة عذاباته التي ابرز ما جاء فيها فقدان الإحساس بجدوى الحياة وهي ظاهرة سلوكية تجعل الانسان محبطا وتدفعه الى النفور من الحياة والتفكير بالخلاص وللأسف هذا الإحساس لازم الضويري ص187)، ويشارك الأمين هذه الظاهرة د. زهير هداد السعداوي الذي يرى الشاعر انه عاش اليأس ولم يجد سوى الموت حلا (حتى صارت روحه اليائسة مثل كرة الغزل المتشابكة الخيوط لا يعلم اين رأسها ص196)، ويرصد الشاعر عماد المطاريحي زهد الضويري بالشهرة والامتيازات التي كان يحظى بها الشعراء المتكسبين من الشعر ويقول عنه (شاعر صاغ حزنه بلهجة الناس وبساطة الوجدان، ولم يكن من شعراء المنابر بل من شعراء التجربة الحقيقية، فقصائده لم تكتب لتصفق لها الجماهير بل لتقال في ساعة حزن، والضويري لم يكن باحثا عن المجد بل عن الخلاص ص 198)، وتأتي شهادة الشاعر رحيم الغالبي عن مكانة الضويري في قلوب الشعراء ليقول (الشاعر المبدع والمتفرد بالشكل والمضمون باشعاره، الذي قال عنه عريان السيد خلف يوما رداً على سؤال: لمن تحب ان تقرأ.. أجاب : لصاحب الضويري ص200)، كما اعتبر الكاتب نبيل عبد الأمير الربيعي الشاعر الضويري ايقونة الشعر الشعبي الفراتي واصفا تجربته (قاسية والصورة الشعرية لديه ليست طلسما بل هي وهج شعري منساب ص 209)، ويرصد د. لطيف حاتم الزاملي موضوع الحزن في شعر الضويري قائلا (عندما راجعت قصائد صاحب الضويري التي جمعها الناقد الأستاذ ثامر الحاج امين تحت عنوان " كتابات على جدار الزمن " أدركت ان الهم والحزن يشغلان حياة الشاعر لأنهما يتشابهان ويتوحدان في الظروف المتشابهة ص 211)، أما الشاعر والناقد د. رحمن غركان فله وقفة مع اللهجة البدوية في شعر الضويري ويرى (كلما انفعل الشاعر وجدانيا بالخلوص العاطفي للمرأة الحبيبة لجأ الى اللهجة البدوية بشكل خاص مد صوتي لافت يستوعب الهم الوجداني وينفس عنه ص 217)، ويصف القاص نعيم شريف الشاعر الضويري في مقاله " كشهاب مر مضيئا وغاب " وانه (شاعر محمل بالقيم البدوية التي تحث على الإباء والكرم والشجاعة واحتقار الغدر والخيانه ص 225)، ويتوقف الباحث سليم جواد الفهد عند محاولة انتحار الشاعر الضويري ويبررها بقوله (انه كان يعاني من علة جسدية لا علاج لها قضّت مضجعه وحطمت روحه وألقته في حضيض اللاجدوى ص 230)، كما يشارك في مقالات الكتاب الأديب الخطاط هاتف العذاري ليصف عالم الشاعر (صاحب كان وترا نصغي له كيوم جديد يسبح الموجوعون والعاشقون على ضفاف ابجدياته المخضرة التي تحاكي قدر ناسه ص234)، ويخوض د. علي المرهج في موضوع البكاء عند الرجال، اذ يعتبر البكاء تعبير طبيعي عن وجودنا ويختار عددا من الأبيات الشعرية للضويري التي تشير الى بكائه ويصفها (رغم ما في شعر الضويري من طلاوة وترافة الا ان الطلاوة والترافة محفوفتان بالحزن والألم ص 239)، وتساؤل اخر يطلقه الأستاذ صاحب رويح حبيب في عنوان مقاله " صاحب الضويري أم صاحب المحن " بسبب ان الشاعر (عاش الكثير من المحن والأزمات وكانت اغلبها مع ذاته وبقي مأزوما محبطا مهزوما أمام ما مر به ص 241)، ويختار مؤلف الكتاب شهادة الشاعر كزار حنتوش بحق الشاعر الضويري (اننا نستطيع ان نصنع مئة مقاول وألف غجري وثلاثين ألف كذاب ومليون داعر لكننا نعجز عن صنع شاعر حقيقي ص 248)، وتمنح ذكريات الروائي سلام إبراهيم عن الشاعر صاحب الضويري الكتابَ قيمةً توثيقيةً وإنسانيةً إضافية، يقول في واحدة منها (أسمعني ابياتا من قصائده ذات البحر الواحد المبنية على فكرة الحسجة الفراتية في مرموزاتها الشدبدة المحلية، كان نبهاً شديد الذكاء يتفرس في وجهي وانفعالاته اثناء الانشاد ص 271)، كما يستذكر الشاعر الحلي صلاح اللبان ذكرياته مع الضويري ويقول في شعره (جمل الضويري الشعرية ولوحاته باذخة في التعبير المتسامق في الصياغة ومكللة بوحدة الموضوع ص 290)، ويستذكر الأستاذ جواد كاظم الرازقي ــ ابن خالة الشاعر ــ بعضا من ذكرياته عن الضويري ويقول عنه (شاعر القصيدة الموجعة، ويكتب القصيدة بنزيف دمه ويمفردات مشحونة بالحزن ص305)، ويصفه الأستاذ سعد نجم عبود السقا بأنه قلب الديوانية الحزين ويشهد له بأنه (لم يكن شاعرا طارئا على الشعر كباقي من اعرفهم من الشعراء الذين خدمهم الاعلام الحكومي او الاعلام المعارض، كان صاحب شاعرا معجون بالمحنة الغارقة بالمآسي والاحزان ص 306) وللفنان عايد نجم الهلالي حصته من الشهادات بحق الضويري فيقول عنه (شاعر لم يقلد أحد، كان متحصنا من تأثيرات شعرية في تلك المرحلة وقد أدهشني وصدمني بيت شعري في احدى قصائده مازلت اتذكره حتى هذه اللحظة يقول فيه " كبرنه ومادرينه هدومنه ازغار.. وعله كد الردن كصينه ادينه ص 308)، ويشير صديقه الشاعر شعلان حاجم الى مفارقة يتصف بها شعر الضويري بقوله (مع روعة نظرته للحياة لم يخضع للصلابة والخشونة التي يتطلبها عمله، بل كان طيبا سمحا، بل كان شديدا مع المجرمين والقتلة لإعتقاده ان هؤلاء هم أعداء الحياة والجمال والعشق ص 310) كما يضمن المؤلف كتابه قصائد رثاء الضويري بأقلام الشعراء، مرتضى السعيدي، قاسم شاتي، صفاء الشلاه، سالم الشباني، الشيخ تكليف رحم الصكبان، حسين الغبان، منهل البحاثي، ياسر العفلوكي، فليح أبو ماجد، حسن سوري، كما يضمنه ملحق بالصور تجسد محطات من حياة الشاعر.
لقد قدم المؤلف صادق جعفر الروزاق جهدا طيبا في توثيق سيرة شاعر أشعل شمعة في ساحة الشعر الشعبي العراقي ظلت مضيئة ولم تنطفيء.
***
ثامر الحاج أمين








