عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

محمد غاني: حين تنصهر الشغوف.. قراءة نقدية في كتاب "مسار الجذوة"

«مسار الجذوة: دليلك لاكتشاف حياة ملؤها التحقق والعيش في ضوئها» لبول كيربي

قراءة في الغلاف: الغلاف بياض قماشي يخترقه شريط أفقي من ضربات مائية عمودية: قرمزي وأزرق وبنفسجي ووردي يتدرج نحو البرتقالي والذهبي في أقصى اليمين. الضربات عمودية متجاورة، لكنها تتسرب في حواشيها بعضها إلى بعض، فلا حد صارما بين لون ولون. هذا التوتر بين التعدد العمودي والوحدة الأفقية هو أطروحة الكتاب مصوغة بصريا قبل أن تصاغ لفظيا.

وأذكى ما في التصميم أن كلمة FUSE ليست مطبوعة فوق الشريط اللوني، بل محفورة فيه بالبياض، أي أنها فراغ يكشفه اللون لا حبر يعلوه. الدلالة بليغة: الذات لا تضاف إلى الشغف من خارج، بل تنكشف من داخل امتزاجه. أما البياض المحيط فيشتغل كصمت تشكيلي، ومساحة إمكان لم تملأ بعد.

والعنوان نفسه يقوم على مراوغة لغوية ثلاثية يضيع أكثرها في الترجمة: fuse بمعنى الصهر والدمج، وبمعنى الفتيل الذي يشعل، وبمعنى المصهر الكهربائي الذي يقي من الاحتراق. المسار المعروض إذن انصهار وإشعال ووقاية معا.

ويبقى في الغلاف عنصر ناشز نقديا: الختم الذهبي المدمج بعبارة الأكثر مبيعا في أمازون. إنه علامة سوق لا علامة معنى، اقتحم التوازن التشكيلي من الزاوية العليا ليمنح الكتاب مشروعيته التجارية قبل أن يقرأ القارئ سطرا واحدا. ومفارقة أخرى: كتاب يمجد اندماج الفن بالآلة يرتدي جمالية مائية يدوية رومانسية، بينما صاحبه يرسم بروبوت. الغلاف يجامل ذائقة السوق أكثر مما يعبر عن أطروحة مؤلفه.

نبذة عن المؤلف

بول كيربي أمريكي من لافلاند بولاية كولورادو، تجاوز الخامسة والسبعين. ضابط سابق في السلاح الجوي، ومهندس، ورأسمالي مخاطر، وفنان، وهو صاحب مصطلح fusioneering الذي يصف به دمج شغفين متباعدين أو أكثر في حقل حياة جديد. تخرج مهندسا في الكهرباء وعلوم الحاسوب من بيركلي، وحصل على ماجستير في إدارة الأعمال من هارفارد، وكان شريكا في شركة استثمار بولاية كولورادو.

وفي سنة 1994، وهو في الرابعة والأربعين، زار معرضا لمخترعات ليوناردو دافنشي في مالمو بالسويد، فسأل نفسه: ماذا لو عاش دافنشي اليوم وجمع بين عشقه للآلات وعشقه للرسم؟ ومن هذا السؤال ولد مشروعه: دلسينيا، روبوت آلي بارتفاع ثلاثة أمتار يرسم لوحات أصلية. وهذا الكتاب باكورته، صدر في فاتح أبريل 2025 وبلغ صدارة مبيعات أمازون، عن دار غرينليف في نحو مئتين وثمانين صفحة.

والملاحظة النقدية هنا أن سلطة المؤلف سيرية لا أكاديمية: هو يكتب من تجربة معيشة لا من مختبر، ومن نجاح متحقق لا من فرضية مختبرة. وهذا مصدر قوة الكتاب في الإقناع، ومصدر هشاشته في البرهنة.

سياق الكتاب وسط النظريات الثقافية والمعرفية

ينتمي الكتاب إلى نسب أمريكي عريق يبدأ من صمويل سمايلز في القرن التاسع عشر، مرورا بديل كارنيغي وستيفن كوفي، وينتهي إلى علم النفس الإيجابي عند سليغمان ونظرية التدفق عند تشيكسنتميهاي. غير أن موقعه الأدق داخل خطاب آخر: خطاب نقد التخصص الضيق. فمنذ أن قسمت الحداثة المعرفة إلى حقول مسيجة، ظل ثمة تيار مضاد يدافع عن العبور بين الحقول: كوستلر في نظريته عن التلاقح بين نسقين ذهنيين متباعدين، وإدغار موران في الفكر المركب وعابر التخصصات، وإدوارد ويلسون في وحدة المعرفة، وفرانس يوهانسون في أثر آل ميديتشي.

وفي مقابل هذا التيار، ثمة نقد ثقافي يجب استحضاره لقراءة الكتاب قراءة متوازنة: نقد إيفا إيلوز وإدغار كاباناس لصناعة السعادة، ونقد بيونغ تشول هان لمجتمع الإنجاز حيث يتحول الفرد إلى مستثمر في ذاته ومستغل لها في آن. فلغة تحقيق الذات، حين تعزل عن شروطها المادية، تنقلب من تحرير إلى عبء أخلاقي جديد.

ويحسن بالقارئ العربي أن يلاحظ مفارقة معرفية: ما يقدمه الكتاب بوصفه اكتشافا كان بديهية في الثقافات المعرفية ما قبل الحديثة. فالجاحظ وابن سينا والبيروني وابن خلدون لم يكونوا يجمعون بين حقول متباعدة عن ابتكار، بل لأن قسمة العلوم لم تكن قد تصلبت بعد. الفيوجنيرينغ إذن ليس اختراعا بقدر ما هو استرداد.

قراءة في مضمون الكتاب

يقوم الكتاب على نموذج رباعي تختصره الكلمة نفسها: اعثر، وارتق، وابدأ، وتطور. والمفهوم المركزي هو الفيوجنيرينغ، أي دمج اثنين أو أكثر من اهتماماتك وشغفك لتكوين رؤية ونمط حياة أقرب إلى غايتك الحقيقية. ويشتغل النص بالسرد الذاتي شاهدا، وبأمثلة من سير أعلام، وبتمارين تأملية تحول القارئ من متلق إلى ممارس.

وأثمن ما في النموذج حلقته الأخيرة: التطور. فالكتاب لا يعد بغاية تبلغ فتستقر، بل بمسار يتجدد، وهذا ينقض أسطورة الشغف الواحد الذي يكفي العثور عليه مرة. وأضعف ما فيه أن برهانه سيرة واحدة ناجحة. فالذين صهروا شغفهم فلم يثمر لا يكتبون كتبا، وهذا ما يسميه المنهجيون انحياز الناجين. كما أن السرد الذاتي يمنح الماضي تماسكا لم يكن له وهو يعاش.

والكتاب في إخراجه المادي امتداد لأطروحته: تخطيط ملون، وصور فوتوغرافية، وعناصر فنية، وطباعة وتجليد رفيعان. لكنه أيضا عقدة في شبكة تسويقية أوسع تضم مؤسسة خيرية، ومحاضرات، وجولة افتراضية في مرسم المؤلف. الكتاب هنا منتج ثقافي مندمج، ومن حق الناقد أن يسائل أثر ذلك في اقتصاد الخطاب نفسه.

وقد لاحظ بعض القراء أن في الكتاب نزوعا إلى وضع الناس في صناديق مرتبة، بينما البشر أشد تعقيدا وأجمل تنوعا في طرائق تفكيرهم وشعورهم. وأضيف إلى ذلك صمتا أعمق: صمت الكتاب عن الشرط البنيوي. فالانصهار يقتضي فائضا من الوقت ورأس المال والأمان، وهي شروط أتيحت للمؤلف بحكم مساره المهني، ولا تتاح لأغلب قرائه.

مقارنته بكتب في نفس المضمار

مع تشيكسنتميهاي في التدفق، يستعير الكتاب الحالة النفسية ويترك الجهاز التجريبي الذي أنتجها. ومع كين روبنسون في العنصر، يتقاسم الأطروحة ذاتها، لكن روبنسون يوجه سهامه إلى المدرسة والمؤسسة، بينما يكتفي كيربي بالفرد ولا يمس البنية. ومع ديفيد إبستاين في المدى، يظهر الفارق المنهجي جليا: إبستاين يدافع عن الموسوعي بالبيانات والدراسات، وكيربي يدافع عنه بالشهادة. ومع كتب الإيكيغاي اليابانية، نلحظ أن النموذج الياباني يشترط ما يحتاجه العالم وما يمكن أن يعيشك، أي يربط المعنى بالمنفعة الاجتماعية، بينما يظل نموذج كيربي أكثر إرادوية وأشد فردانية.

وأدق مقارنة في نظري ما يعقد مع مفهوم السلوك في تراثنا. فالطريق عند الصوفية مقامات وأحوال أيضا، ومسار تدرج لا يقف، لكنه محفوف بثلاثة أركان يفتقدها مسار كيربي: شيخ يربي، وجماعة تسند، وأفق متعال ينتهي إليه السير. وحين يغيب هذان الأولان يصير المسار وحيدا، وحين يغيب الثالث ترتد الغاية إلى الذات فتصبح الذات مبتدأ الرحلة ومنتهاها. وهنا يلتقي نقد ابن نبي حين ربط تغير الفرد بشروط ثقافية جامعة، لا بعزيمة معزولة.

خلاصات واستنتاجات

الكتاب شهادة محكمة الصنعة لا نظرية مؤسسة. قيمته استكشافية محفزة أكثر منها معرفية برهانية، وهو لا يدعي غير ذلك في الحقيقة.

فكرته المركزية صحيحة وقديمة معا: الإبداع يولد في التخوم بين الحقول لا في مراكزها. وجدته ليست في الفكرة بل في التسمية وفي التجسيد، إذ يمشي البرهان أمامنا في هيئة روبوت يرسم.

عماه الأساس مزدوج: إغفال الشرط الاجتماعي الذي يجعل الانصهار ترفا لا يتاح للجميع، وإغفال البعد الجماعي الذي يحول التحقق الفردي إلى معنى مشترك.

قيمته للقارئ العربي حقيقية إن قرئ نقديا: هو حجة عملية لصالح تجسير العلوم والفنون في تعليمنا، ودعوة إلى استرداد نموذج الموسوعية الذي كان لنا. لكنه يحتاج إلى إعادة تجذير في أفق قيمي يتجاوز الذات، وإلا صار المسار دورانا جميلا حول النفس.

وخلاصة القول: كتاب يقرأ بوصفه سيرة ملحقة بمنهج، لا منهجا مسنودا بسيرة. وفي هذا التمييز يكمن الفرق بين أن نلهم وأن نعرف.

Paul Kirby, The FUSE Pathway: How to Find and Lead a Fulfilling Life

دار غرينليف، الولايات المتحدة الأمريكية، 2025، 280 صفحة

***

د. محمد غاني – كاتب من المغرب

في المثقف اليوم