قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: قراءة في قصيدة "للحلم أجنحةٌ ولي" للشاغر جمال المصري

دراسة نقدية موسَّعة، متعددة المناهج، بلغة تحليلية عالية

لا تُقرأ قصيدة «للحلم أجنحةٌ ولي» بوصفها بوحًا ذاتياً أو شكوى فردية فحسب، بل باعتبارها نصّاً مركزياً في تمثيل أزمة الذات العربية المعاصرة، حيث تتقاطع التجربة الشخصية مع الهمّ الجمعي، ويتحوّل الحلم من وعدٍ بالخلاص إلى كيانٍ مُعلّق، له أجنحة بلا فضاء، وصاحب بلا وطنٍ مستقر.

إنها قصيدة تكتب الخذلان بوصفه بنيةً وجودية، وتُعيد مساءلة مفاهيم الحب، الوطن، الأمومة، الذاكرة، والمصير، ضمن شبكة لغوية مشحونة بالدلالات الرمزية والنفسية والفلسفية.

أولًا: المنهج الأسلوبي:

١. اللغة والبنية التعبيرية:

تعتمد القصيدة لغةً فصيحةً مكثّفة، أقرب إلى اللغة التداولية المشحونة منها إلى البلاغة الزخرفية. الألفاظ مأخوذة من الحقول الدلالية التالية:

الفقد والانكسار: استقال الحب – تساقط الأحباب – عباءة النكد – فاقِد الرشد

الوطن/الأم: يا أمة – يا موطناً – الشام أمي

الطفولة والبراءة: العيد – الحذاء – الوسادة – الملابس الجديدة

هذا التوزيع الحِقلي يخلق توتراً دائماً بين البراءة الأولى والانكسار اللاحق.

٢- الإيقاع والتفعيلة:

القصيدة مكتوبة على نظام الشطرين بإيقاع خليلي واضح ما يمنحها:

نبرة خطابية عالية.

إيقاعاً مرناً يسمح بالتكرار والنداء والاستفهام

قدرة على التحوّل من النبرة الغنائية إلى النبرة الاحتجاجية

ويلاحظ اعتماد الشاعر على:

١- التوازي التركيبي

٢-؛الجمل الاعتراضية

٣- الأسئلة البلاغية المتلاحقة

3. الصور الفنية:

الصورة عند جمال المصري وظيفية لا تزيينية:

وجهي على المرآة مختلف → تشظّي الهوية

كالحبل نفسي في محبتكم → علاقة مشدودة، قابلة للانقطاع

تاج من الزبد → سلطة وهمية، مجد زائل

ثانيًا: المنهج الرمزي

1. رمزية الحلم:

العنوان نفسه مفتاح تأويلي:

للحلم أجنحةٌ ولي

الحلم يمتلك أجنحة (إمكانية الطيران)، لكن الذات لا تمتلك فضاءً. هنا يتجلى:

الحلم كقيمة مطلقة

الذات ككائن محاصر اجتماعياً وتاريخياً

2. رمزية الأم/الأمة

يا أمةً شاخت ضفائرها

الأنثى/الأم/الأمة تتحول إلى:

كيانٍ عقيم رمزياً

فقد القدرة على الإنجاب الحضاري

وهي صورة تتقاطع مع:

أصحاب فكرة (الأمة العقيمة)

وأصحاب فكرة (التاريخ المعطوب)

3. رمزية الطفل.

مشهد العيد:

يضع الحذاء على وسادته

استدعاء الطفولة هنا ليس حنينًا بريئًا، بل:

تعرية للخذلان اللاحق

مقارنة مأساوية بين البدايات والنهايات

ثالثًا: المنهج النفسي:

1. البنية النفسية للذات المتكلمة

الذات في القصيدة:

تعاني انقساماً داخلياً (القلب/العقل)

تمارس التبرير والدفاع النفسي

تعيش اغتراباً مزدوجاً: عن الذات وعن الجماعة

لكن قلبي لا يصدقني

صراع بين الأنا والضمير، يمكن قراءته في ضوء:

التحليل النفسي الفردي (الهو/الأنا/الأنا الأعلى)

والتحليل النفسي الجمعي (الظل والذات).

2. حضور الموت:

يا موت يا شخصاً بلا قدم

تشخيص الموت ككائن عاجز، لكنه فاعل، يعكس:

قلقاً وجودياً

إحساساً بانعدام العدالة الكونية

رابعاً: المنهج الاجتماعي/الفكري

1. القصيدة وسياقها العربي

النص يُكتب من داخل:

خيبات ما بعد الربيع العربي

تآكل مفهوم الوطن

انهيار الثقة بالمستقبل

هل ظل منك بقية لغدي

سؤال سياسي بامتياز، وإن جاء في صيغة شعرية.

2. البعد القومي:

الشام أمي والخليل أبي

القصيدة تُعيد:

توحيد الجغرافيا الممزقة

تثبيت هوية قومية وجدانية

خامساً: المنهج الهيرمينوطيقي

القصيدة نص مفتوح، يقبل:

١- قراءة ذاتية

٢- قراءة قومية

٣- قراءة وجودية

والعنوان يعمل بوصفه:

١- أفق انتظار

مفتاح تأويلي يعاد إنتاجه مع كل مقطع.

سادسًا: المنهج الفلسفي

1. سؤال الوجود والمعنى

القصيدة تطرح:

١- ما جدوى الحلم بلا وطن؟

٢- ما معنى الحب في زمن الخيانة؟

٣- هل الذاكرة خلاص أم عبء؟

2. القيم الأخلاقية:

١- نقد الوعد الكاذب

٢-إدانة التواطؤ الجماعي

٣- الدفاع عن الصدق الوجودي

وهنا تلتقي القصيدة مع:

مفهوم (القلق)

ومفهوم (العبث)

ومفهوم (الخوف من الحرية)

خاتمة:

قصيدة «للحلم أجنحةٌ ولي» للشاعر جمال المصري ليست نصاً عاطفياً عابراً، بل وثيقة شعرية لمرحلة تاريخية مأزومة، تُجيد تحويل الألم الفردي إلى خطاب جمعي، والحلم المجروح إلى سؤال مفتوح.

إنها قصيدة تكتب الخسارة بوعيٍ عالٍ، دون خطابية زائفة أو رومانسية مهادِنة، وتُثبت جمال المصري شاعراً يمتلك حسّاً تركيبياً يجمع بين الغنائية والفكر، بين الذاكرة والاحتجاج.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..........................

للحلم أجنحةٌ ولي

جمال المصري

للحلم أجنحةٌ ولي

لمَّا استقالَ الحبُّ في بلدي

وتساقطَ الأحبابُ عن جسدي

لفَّقتُ لي عذراً أردِّدُهُ

إنِّي اكتفيتُ بقِلَّةِ العددِ

لكنَّ قلبي لا يصدِّقني

ويقولُ إنِّي فاقِدُ الرَّشَدِ

يا أمَّةً شاختْ ضفائرها

أحتاجُ معجزةً لكي تلدي

لا تتركي المحبوبَ مُنتظِراً

إنْ كنتِ عاجزةً فلا تعِدي

وجهي على المرآةِ مُختلِفٌ

منذ ارتديتُ عباءَةَ النكدِ

كالحبلِ نفسي في محبَّتكمْ

والحبلُ لا يخلو من العقدِ

من كانَ أعمى هلْ يحقُّ لهُ

يا عينُ أنْ يشكو من الرَّمدِ

هذي الحكايةُ منذُ أوَّلها

مكرورةٌ من سالفِ الأمَدِ

رجلٌ تأبَّطَ بحرَهُ ومضى

سعياً إلى تاجٍ من الزَّبدِ

والآن يجلسُ تحت جُبَّتِهِ

كالنسرِ بينَ مخالبِ الأسدِ

كمْ كان يلعبُ في طفولتهِ

بالوحْلِ والأمطارِ والبَرَدِ

إنِّي أراهُ مِلءَ ذاكرتي

في العيدِ لا يلوي إلى أحَدِ

يضعُ الحذاءَ على وسادتهِ

من فرحةٍ بثيابهِ الجُدُدِ

يا موتُ يا شخصاً بلا قَدَمٍ

يا شانقاً قلبي بلا عُمُدِ

من أينَ لي في الكونِ أجمعهِ

أمٌّ تبرِّرُ غلطةَ الولدِ

هل ظلَّ مِنكَ بقيَّةٌ لغدي

يا موطناً ضيَّعتُهُ بيدي

مهما اعتزلتُ وعشتُ مُنفرداً

فالذكرياتُ تظلُّ في خَلَدي

كجميلةٍ لا عينَ تحسدها

وقبيحةٍ تشكو من الحسدِ

يا شجرةً في الريحِ مَسكنُها

وتنامُ واقفةً بلا سَنَدِ

الشَّامُ أمِّي والخليلُ أبي

وأنا أنا يا نارُ فاتقدي

إن كنتِ خائفةً على غدِنا

فخُذِي يدي يا أرضُ واستندي

***

جمال المصري

في المثقف اليوم