قراءات نقدية

سمير اليوسف: خيانةُ البياض.. تفكيك الذاكرة وإعادة تشكّل الذات في قصيدة مجيدة محمدي

منذ العنوان، تنفتح القصيدة على أفق تأويلي متشظٍ، إذ لا يقدّم "خيانة بيضاء" عبارة مكتملة الدلالة بقدر ما يطرح إشكالًا دلاليًا مركّبًا. فالخيانة، بما تحمله من حمولة أخلاقية سلبية، تتجاور مع البياض بوصفه رمزًا للنقاء والبدء والاحتمال. هذا التنافر الظاهري لا يلبث أن يتحوّل إلى توتر منتج، يعيد تعريف الخيانة من كونها فعل سقوط إلى كونها فعل تحرّر. إننا إزاء خيانة لا تُرتكب ضد الآخر، بل ضد الذاكرة بوصفها مستودع الألم، وضد الذات القديمة بوصفها عبئًا يعوق الانبعاث. هكذا يغدو "البياض" ليس تبرئة للفعل، بل أفقًا لإعادة الكتابة، ومساحةً لمحوٍ خلاق، يُفضي إلى ولادة جديدة خارج إرث الجرح.

في متن القصيدة، تتخذ هذه الفكرة مسارها التصاعدي عبر بنية اعترافية تبدأ بالفعل الحاسم:

"أنا اليوم / قررتُ أن أخونَ ذاكرتي"

إنها جملة إعلان، تحمل في طياتها فعل القطيعة الواعية، حيث يُستبدل التذكر بالفعل الإرادي للنسيان. ولا تأتي هذه القطيعة اعتباطًا، بل تتأسس على تراكم من الألم والإنهاك، كما في قولها:

"أن أنسلَّ من جلدِ الحنينِ كأفعى عجوز، / تعبت من لسعِ نتوءات الأحراش"

الصورة هنا كثيفة الدلالة؛ فالحنين يتحوّل إلى جلد خانق، لا إلى دفء، والأفعى – رمز التجدد عبر الانسلاخ – تأتي عجوزًا، ما يوحي بأن فعل التجدد ذاته صار متعبًا، وأن الذاكرة لم تعد تمنح إمكان الحياة بل تستنزفها.

تتعمّق هذه الرؤية حين تتجسّد الذاكرة في صور مادية قابلة للإيداع والتخلّي:

"أودعتُ مفاتيحي القديمة / في صدرِ صندوقٍ خشبيٍّ"

المفاتيح هنا رمزية للولوج إلى الماضي، وإيداعها فعل إغلاق نهائي، وكأن الذات تقرر أن تحجب نفسها عن أرشيفها الخاص. غير أن اللافت هو وصف الصندوق بـ*"تفوحُ منه رائحةُ النسيان المُمَلَّح"*، حيث يتحوّل النسيان إلى كيان حسيّ له رائحة، لكنها "مملّحة"، بما تحمله من إيحاء بالحفظ من جهة، وبالمرارة من جهة أخرى. النسيان إذًا ليس خلاصًا نقيًا، بل خلاص ممزوج بأثر الألم.

وفي تحول لافت، تنتقل الذات من موقع الانسحاب إلى موقع الانخراط في فعل جديد:

"ألتحقُ بسِربِ الغزاة، / أولئك المتمترسين على حافّةِ الفعل"

الغزاة هنا ليسوا قوة خارجية، بل استعارة عن إرادة الفعل الجريء، عن أولئك الذين يقتحمون المعنى ولا يكتفون بالحنين إليه. إنها مفارقة أخرى: الذات التي كانت ضحية للذاكرة، تختار أن تنتمي إلى "الغزو"، أي إلى الفعل الذي يعيد تشكيل العالم. وهذا التحول يعمّق دلالة الخيانة بوصفها انتقالًا من السكون إلى الحركة، ومن الاستلاب إلى المبادرة.

غير أن هذا الانتقال لا يتم دون ثمن وجودي، يتجلّى في القطيعة مع الوظائف الحيوية للذاكرة:

"لم أعد أرغبُ / أن أُطعمَ ذاكرتي من جسدي، / أن أُرضعها من حليبِ الرؤى اليابسة"

الذاكرة هنا كائن طفيلي، يتغذى على الجسد والرؤى، لكنه لم يعد منتجًا، بل "يابس". إن رفض إطعامها هو إعلان عن استعادة الجسد لسيادته، وعن رفض استنزاف الحياة في خدمة ماضٍ عقيم.

وتبلغ القصيدة ذروتها الرمزية في صورة الغصن:

"كغصنِ زيتونٍ نبتَ في منفى، / لا يحنُّ للجذور، / ولا يطمئنُّ إلى الغصون"

إنها حالة وجودية معلّقة، لا انتماء فيها للماضي (الجذور)، ولا اندماج كامل في الحاضر (الغصون). الغصن هنا كيان بينيّ، يعبّر عن ذات خرجت من تاريخها، لكنها لم تستقر بعد في أفق جديد. وهذه الصورة تكثّف مأساة التحوّل: التحرر لا يعني الطمأنينة، بل غالبًا ما يفتح على قلق جديد.

وفي مشهد موازٍ، تتجلى "الغزاة" بوصفهم قوة احتفالية بالعنف الرمزي:

"يرقصونَ فوقَ جثثِ الحلم القديم"

هنا يتحوّل الحلم إلى جثة، أي إلى شيء فقد حياته، بينما يتحوّل الرقص إلى طقس انتصار على هذا الماضي. إن القصيدة لا تكتفي بإعلان القطيعة، بل تحتفي – بشكل ما – بموت الحلم القديم، باعتباره شرطًا لولادة أفق آخر.

وتنتهي القصيدة بحالة من التجرّد الكلي:

"وأنا، / بلا ذاكرةٍ، / بلا بكاءٍ، / بلا قصيدةٍ تذكرني"

إنها ذروة "الخيانة البيضاء": تخلٍّ حتى عن اللغة بوصفها حافظة للذات. غير أن هذا الفراغ لا يُقدَّم بوصفه عدمًا، بل بوصفه شرطًا للبحث:

"لأبحث عن نافذةٍ / لا تطلُّ على جرحٍ / ولا تُغلقُ على قيد"

النافذة هنا أفق بديل، رؤية بلا ألم، وحرية بلا حصار. إنها استعارة لمستقبل لا يُبنى على أنقاض الذاكرة، بل على تجاوزها.

في المحصلة، لا تكتفي القصيدة بأن تقدّم تجربة ذاتية في التخفف من عبء الذاكرة، بل ترتقي إلى مستوى الرؤية الوجودية التي تعيد طرح سؤال العلاقة بين الإنسان وماضيه بوصفه سؤالًا مفتوحًا لا يحسمه الحنين ولا يلغيه النسيان. إن "الخيانة البيضاء" هنا ليست موقفًا عابرًا، بل فعل وعي يتأسس على إدراك عميق بأن الاستمرار في استهلاك الذاكرة قد يتحوّل إلى شكل من أشكال التآكل البطيء، وأن النجاة تقتضي أحيانًا شجاعة القطيعة، حتى وإن بدت هذه القطيعة خيانة في ظاهرها.

ولعل ما يمنح هذه الخيانة طابعها "الأبيض" هو أنها لا تنبع من رغبة في الإنكار أو المحو العدمي، بل من حاجة إلى إعادة ترتيب العلاقة مع الذات، إلى تحرير الحاضر من سطوة الماضي دون الوقوع في فراغ عبثي. فالقصيدة لا تدعو إلى نسيان ساذج، بل إلى نسيان واعٍ، انتقائي، يختار أن يطوي ما لم يعد قابلًا للحياة، ويترك المجال لولادة معنى جديد. ومن هنا، فإن البياض لا يُفهم بوصفه فراغًا، بل بوصفه إمكانية، فضاءً مفتوحًا للكتابة من جديد، خارج الإملاءات القديمة.

غير أن هذا الأفق لا يخلو من قلق؛ فالتخلّي عن الذاكرة يعني أيضًا التخلّي عن أحد أهم مكوّنات الهوية. لذلك تبدو الذات في نهاية النص معلّقة بين فقدٍ لم يعد يُستعاد، ومستقبل لم يتشكّل بعد، كأنها تعبر منطقة برزخية بين ما كان وما يمكن أن يكون. وهذه الحالة لا تُقدَّم بوصفها ضعفًا، بل بوصفها شرطًا ضروريًا لأي تحوّل حقيقي؛ إذ لا ولادة دون فقد، ولا تشكّل دون تفكك سابق.

بهذا المعنى، تكتب مجيدة محمدي قصيدة تنحاز إلى الإنسان في لحظة هشاشته القصوى، حين يضطر إلى خيانة ما أحبّ كي ينقذ ما تبقى من ذاته.

***

بقلم: سمير اليوسف

............................

"خيانة بيضاء"

مجيدة محمدي

أنا اليوم

قررتُ أن أخونَ ذاكرتي،

أن أنسلَّ من جلدِ الحنينِ كأفعى عجوز،

تعبت من لسعِ نتوءات الأحراش،

ومن نُدوبِ الوقتِ على جسدِ الغيمة، الهاربة .

*

أنا اليوم،

أودعتُ مفاتيحي القديمة

في صدرِ صندوقٍ خشبيٍّ

تفوحُ منه رائحةُ النسيان المُمَلَّح،

وقلتُ، كفى!

*

ألتحقُ بسِربِ الغزاة،

أولئك المتمترسين على حافّةِ الفعل،

يَسِنّونَ رغبتهم كالسيوف،

يُطلّون من شقوقِ المعنى

ويزرعون في العواصفِ نشيد الماء،

*

لم أعد أرغبُ

أن أُطعمَ ذاكرتي من جسدي،

أن أُرضعها من حليبِ الرؤى اليابسة،

أن أُربّتَ على كتفِ الأمس

كلّما انطفأ الحاضرُ من حولي.

*

أنا اليوم،

كغصنِ زيتونٍ نبتَ في منفى،

لا يحنُّ للجذور،

ولا يطمئنُّ إلى الغصون.

*

تركتُ حكاياتي تمشي حافيةً

فوقَ شوكِ التأويل،

وانحنيتُ للريح،

كي أُخفي ملامحي عن القصائد

التي ما عادت تعرفني.

*

الغزاةُ،

هنا،

عند تخومِ الإرادة،

يرفعونَ الراياتٍ

ينشدونَ صوتا له شفاهُ البرق،

ويرقصونَ فوقَ جثثِ الحلم القديم.

*

وأنا،

بلا ذاكرةٍ،

بلا بكاءٍ،

بلا قصيدةٍ تذكرني،

خنتُ ذاكرتي...

لأبحث عن نافذةٍ

لا تطلُّ على جرحٍ

ولا تُغلقُ على قيد.

 

في المثقف اليوم