عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: الفعلُ المضارع بين الاشتقاق والدلالة

في تسميةٍ أرهقها القياسُ وأغفلها الحسّ

من عجيب ما استقرّ في النحو العربي أن أكثر مصطلحاته بداهةً في الاستعمال، وأشدّها حضوراُ في الكلام، هو أقلّها مباشرةً في التسمية؛ فالفعل الذي يعبّر عن الامتداد والحضور والتجدّد لا يُسمّى “الحاضر”، بل يُدعى “المضارع”. وهذه المفارقة اللفظية تفتح باباً واسعاً للتأمّل: ما الذي ضارَعَ ماذا؟ وأيّ وجهٍ من وجوه المشابهة استحقّ أن يُخلَّد في اسمٍ ظلّ اثني عشر قرناُ بلا مراجعة جذرية؟

أولًا: في الاشتقاق—ماذا يعني “ضارع”؟

“ضارع” في أصل العربية تفيد المشابهة والمقاربة؛ يقال: ضارَعَ الشيءَ إذا شاكله وقاربه. ومن هذا المعنى اشتُقّ “المضارع”، لا ليدلّ على الزمن ابتداءً، بل على علاقةٍ شكليةٍ ودلالية بينه وبين اسم الفاعل. هكذا قرّر أوائل النحاة، وفي طليعتهم سيبويه، ثم تتابع الشُرّاح على تثبيت هذا التعليل: الفعل المضارع يُشابه اسم الفاعل في البنية (عدد الحروف والحركات)، وفي الدلالة على الحدث المتجدّد غير المنقضي.

غير أنّ هذا التعليل—على دقّته القياسية—يشي بأن الاسم لم يُبنَ على جوهر الزمن، بل على قرابةٍ صرفية. فكأنّ النحاة، في لحظة تأسيس، انصرفوا إلى ما يُرى ويُقاس، وأرجأوا ما يُحَسّ ويُعاش.

ثانياً: مذهب البصريين - صرامة القياس واتساق النظام

انحاز مدرسة البصرة النحوية إلى تفسيرٍ يغلّب القياس، فجعلت “المضارعة” عِلّةً صريحةً في التسمية:

الفعل المضارع يُعرب كما يُعرب الاسم، بخلاف الماضي والأمر.

وهو يقبل العلامات (كالرفع والنصب والجزم) التي تُذكِّر بمرونة الأسماء.

ويدلّ - في كثير من استعمالاته—على استمرار الحدث، وهو ما يوازي دلالة اسم الفاعل.

بهذا، صار “المضارع” عند البصريين فعلاً-اسماً في آن: فعلٌ في دلالته الحدثية، واسمٌ في قابليته الإعرابية. ومن هنا بدت التسمية عندهم محكمة، لأنها تعكس موقعاُ وسطاُ في النظام، لا زمناً بعينه.

لكن هذه الدقّة نفسها هي موطن الإشكال: إذ تجعل التسمية تابعةً لبنيةٍ داخلية لا لخبرة المتكلّم بالزمن.

ثالثًا: مذهب الكوفيين - سعة الرواية ومرونة التأويل

أما مدرسة الكوفة النحوية، فقد اتّسمت بمرونةٍ أوسع في التعليل، واعتمادٍ أكبر على السماع. ولم تُعارض أصل التسمية، لكنها لم تُثقِلها بالتقعيد ذاته؛ إذ رأت في المضارع حقلًا دلالياً مفتوحاً يتراوح بين الحال والاستقبال، ويتلوّن بحسب القرائن.

وعند الكوفيين، يغدو المضارع أقلّ ارتهاناً للمشابهة الشكلية، وأكثر اتصالًا بوظائفه التداولية:

فهو يدلّ على الحال بقرينة السياق: “أكتبُ الآن”.

وعلى الاستقبال بدخول السين وسوف: “سأكتبُ”.

وعلى العادة: “أكتبُ كلَّ يوم”.

وهكذا، تتقدّم الوظيفة على الاشتقاق، دون أن تُلغيه.

رابعاً: بين “الماضي” و“الأمر” وغياب “الحاضر”

إذا نظرنا إلى شقيقَيْه في المنظومة—“الماضي” و“الأمر”—وجدنا تسميةً مباشرةً تكاد تُحاكي الإدراك الفطري:

“الماضي”: ما انقضى.

“الأمر”: طلب الفعل.

فأين “الحاضر”؟

لقد استُعيض عنه بصيغةٍ مركّبة: “المضارع”، ثم أُلحق بالاستقبال بأدوات (السين وسوف)، فكأنّ الزمن الحاضر لم يُمنَح اسمه الخاص، بل أُدرج في حقلٍ أوسع يتقاسمُه مع المستقبل.

وهنا يبرز السؤال الذي أثارته الأجيال اللاحقة:

ألم يكن أولى أن تُسمّى هذه الصيغة باسمٍ يلتصق بزمنها كما التصق “الماضي” بماضيه؟

خامساً: قراءة نقدية - التسمية بين التاريخ والحاجة

إنّ تسمية “المضارع” تكشف عن طبيعة التفكير النحويّ عند المؤسّسين:

تفكيرٌ بنيويّ يرى اللغة شبكة علاقات داخلية، لا مجرّد أدواتٍ للتعبير عن الزمن. ومن ثمّ، لم يكن همُّه أن يطابق المصطلحُ الإحساسَ اليوميّ، بل أن ينسجم مع نظامٍ كليّ.

غير أنّ تطوّر اللسانيات الحديثة، وما رافقه من عنايةٍ بالاستعمال والمعنى، يدعونا إلى إعادة النظر:

هل نحتاج اليوم إلى مصطلحٍ يعبّر عن الزمن الحاضر بوضوح؟

أم نُبقي على “المضارع” بوصفه إرثاُ علميّاُ، ونُثري شرحه بدل تغييره؟

الراجح أن المصطلح - مهما بدا بعيداً - قد ترسّخ حتى صار جزءًا من الهوية العلمية للغة، وأن تغييره لن يكون أيسر من إعادة بناء المنظومة كلّها.

خاتمة:

الفعل المضارع ليس مجرّد صيغةٍ زمنية، بل هو منطقة التقاء بين الحدث والزمن، بين الثبات والتحوّل، بين القياس والسماع. وقد اختار له الأوائل اسمًا يُحيل إلى بنيته، لا إلى زمنه؛ فغدا الاسم شاهداً على عقلٍ نحويٍّ يُفضّل النظام على البداهة.

وبين البصريين الذين أحكموا القياس، والكوفيين الذين وسّعوا الدلالة، ظلّ “المضارع” حيًّا، يتجدّد في الاستعمال، ويقاوم الاختزال. ولعلّ سرّه في ذلك أنّه—على خلاف اسمه—ليس مجرّد “مشابه”، بل هو الفعل الأكثر حياةً في العربية؛ لأنّه الفعل الذي لم ينتهِ بعد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين