عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

فاطمة عبد الله: تفكيك البنية الدلالية والرمزية في نص "صرير ناب"

للشاعر فائز الحداد

 ينطلق هذا النص من إشكالية مركزية تتمثل في إعادة تشكيل ثنائية العطش/الامتلاء بوصفها استعارة كبرى لأزمة وجودية ومعرفية تتجاوز بعدها الحسي إلى تمثيل اختلال العلاقة بين الذات والعالم. وتتجلى هذه الإشكالية عبر بنية رمزية كثيفة تفعل حقلين دلاليين متقاطعين: العطش/الماء والذاكرة/الخيانة، حيث يعاد إنتاجهما ضمن شبكة من الاستعارات المنزاحة التي تغلب الإيحاء على التقرير. ومن ثم يسعى النص إلى مساءلة تموضع الذات الشعرية بين ماض مثقل وحاضر متصدع، بما يعكس حساسية حداثية تفكك الثابت وتعيد تركيب المعنى....

وانطلاقاً من هذه الإشكالية، يتأسس النص على اشتغال رمزي يقتضي مقاربة تأويلية، إذ لا تفهم دلالاته عبر المعنى المباشر بل من خلال انفتاحها على تعدد القراءات. وهو ما ينسجم مع ما يذهب إليه بول ريكور من أن "الرمز يعطي للفكر ما يدعوه إلى التفكير". وعليه، يمكن تفكيك النص عبر مستويين متكاملين: دلالي وذاتي..

 تتبدّى البنية الدلالية للنص من خلال حضور العطش مفهوماً أنطولوجياً، لا مادياً يقوم على فقدان الامتلاء الوجودي.

 مفردات مثل (الندى، زمزم، الظامئ، راوية) تقابلها مفردات الانقطاع: (غادرك، هجرت، لم يرحمه) هذه الثنائية تنشئ توتراً دائماً بين الممكن والممتنع. اللافت أن "زمزم" بوصفها رمزاً للخلاص تهجر، ما يشير إلى رفض الخلاص التقليدي لصالح تجربة ذاتية معذبة...

وإذا كانت هذه البنية الدلالية تؤسس لأزمة العطش والامتلاء، فإن صداها يتجلى في الصوت الشعري بوصفه تعبيراً عن انشطار الذات. الخطاب يتأرجح بين المخاطب/الذات، ما ينتج انشطاراً داخلياً. هذا الانشطار حداثي بامتياز حيث الذات ليست مركزاً مستقراً بل ساحة صراع بين ماض قاتل وحاضر متشظ. سؤال: "أتحبُّ أم يخجلك الماضي؟" يكشف مركز الأزمة: الحب بوصفه إمكاناً معطلاً بفعل ذاكرة مثقلة....

كذلك هذه الثنائية تتجسد جمالياً في الصورة الشعرية بوصفها آلية لإنتاج المعنى. حيث تتخذ الصور طابعاً تركيبياً يقوم على خرق أفق التوقع. فعلى سبيل المثال في صورة : "يحتلم برواية قادمة" تمزج الإيروتيكي بالمائي/الروحي، في انزياح جريء يفتح دلالة الخصب المؤجل. كذلك "قارورة على الشفاه" تحيل إلى احتواء الحياة/المعنى داخل وسيط هش. بما يعكس توتراً بين الامتلاء الممكن والهشاشة البنيوية للمعنى...

في امتداد هذا الاشتغال الصوري المكثف، يتبدى البعد الزمني بوصفه مستوى موازياً يعمق البنية الدلالية ذاتها.

 فالزمن دائري/راكد. "سنوات تتلهف، ماضيك وحده قاتلك". لا حضور لمستقبل فعلي، بل توق مؤجل (راوية قادمة). هذا التعليق الزمني يعمق الإحساس بالحصار الوجودي...

وإذا كانت المقاربة السابقة قد ركزت على البنية الدلالية والصورية بوصفها آليات لتشكل المعنى، فإن القراءة في المقطع الثاني تنتقل هنا إلى بعد ميتا شعري يكشف تموضع الذات داخل خطابها وعلاقتها بالمتلقي والحقل الثقافي..

 ينتقل النص إلى مساءلة موقع الشاعر داخل الحقل الثقافي. هناك نقد لاذع للمتلقين/التلاميذ الذين تحولوا إلى وعاظ: "يعلمونني الآن النصيحة". الصورة: "يقرأون الشعر من على كتفي" تشي بعلاقة استغلال/ تشييء. ينتهي المقطع بمفارقة جارحة: من يطلب الماء يرمي "زمزمك" حجراً، أي خيانة المصدر بعد الارتواء...

وفي امتداد هذا البعد الميتاشعري، يتبدى المستوى الأسلوبي بوصفه حاملاً للتوتر الدلالي ومكثفاً لإيقاعه الداخلي.

 فاللغة مشبعة بانزياحات نحوية ودلالية مع اعتماد الجملة المتقطعة والاستفهام الاستنكاري، ما يخلق إيقاعاً نفسياً متوتراً. الاشتغال على الجذر المائي يمنح النص وحدة عضوية رغم التشتت الظاهري....

يمكن إدراج هذا النص ضمن أفق حداثي يتقاطع على مستوى الاشتغال الرمزي مع تجربة أدونيس في نزوعها إلى تفكيك المرجعيات وكسر الثابت، كما يلامس من حيث تمثيل توتر الذاكرة وانشطار الذات، بعض ملامح الكتابة المتأخرة لدى محمود درويش. غير أن هذه التقاطعات تظل جزئية ووظيفية إذ يحتفظ النص بخصوصيته عبر تركيزه المكثف على استعارة العطش بوصفها محوراً أنطولوجياً ومجازاً منظماً لبنيته الدلالية...

 وعليه، فإن النص ينجح في تشييد ميتافيزيقا للعطش بوصفه تمثيلاً لأزمة وجودية معرفية، حيث تتقاطع البنية الرمزية مع انشطار الذات لإنتاج توتر دلالي مستمر. كما يكشف عن تفكيك واع لعلاقة الشاعر بالآخر ضمن أفق نقدي حداثي. وتتمثل أبرز مقوماته الجمالية في كثافة الصورة وتماسك الحقل الرمزي....

***

قراءة نقدية من إنجاز فاطمة عبدالله

....................

صريرُ ناب

لكَ الندى أيها الظامئ في عيون الجنان..

فما من ماطرة كظمياء راوية

وقد شفّك العطش.. وأبرحكَ شوب البياض

غادركَ الياسمين بللاً..!؟

وبلالاً.. شئته شهد حياة بفاغرة القبل

سنوات تتلهف لخصبكَ أيّها الممعن بالعطر

ولا من خيال امرأة يخضّر على شفاهكََ قارورة

هل تجرّبُ الجرح ثانية،..

وأنتَ طعينٌ كجرف.. لم يرحمه عنف الماء..؟؟!

فاخترت عيونكَ الظامية رؤى..

وهجرت زمزم والحجيج..

أتحبُّ أم يخجلك الماضي..؟

ماضيكَ وحده قاتلكَ في ظمأ الخريف

فعش ضمير الصحراء ماءً..

يحتلم براوية قادمة!!

(2)..

كلُّ السعاة منحتهم عين الضوء..

فاحترسوا..

واستفاقوا قبل سبات الحلم..

صاروا.. تعاويذ في منهجي

يعلمونني الآن النصحية.. يا لوحيكَ!!؟

كانوا يقرأون الشعر من على كتفي..

ولازالت أصابعي بجيوبهم

إن شئتُ أخردهم دراهم مثلومة

لا تدرج عين الصرف!!

أكنتُ سلما.. لنظارات لا تعي؟!!

ربما..!!

لكنَّ المعلم يبقى معلّما..

وتحته الشعراء والأنبياء

هي غصة..

البعضُ يمر عليكَ كالسائل عن الماء!

وحين يغادركَ..

يلقي بزمزمك الحجر.

***

الشاعر: فائز الحداد