عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

علاء حمد: هندسة الفوضى.. كيف يبني النصّ السريالي انسجامه

من أوائل مبادرات الانسجام في المنظور السريالي إعطاءُ الذات حقيقتها الانطلاقيّة؛ أي إطلاقها وعدم الوقوف أمام تحوّلاتها من اليومي إلى الأحلام المتباعدة. ومن هنا تتجلّى حقيقة العمل الباطني والمكبوتات عبر تصوّراتٍ عديدة لا حصر لها. وقد يكون تكتّل هذه التصوّرات نتيجة تراكماتٍ حياتيّة بعيدة المدى، بدأت مع التحوّلات الأولى في الشعريّة. ومع نتائج متعدّدة أخذت بالظهور، بدأ الوعي الذاتي يتشكّل من خلال اللاوعي، لتنشأ حالاتٌ مفتوحة يتّجه همّها نحو السرياليّة وكيفيّة الاشتغال تحت مظلّة هذا المنظور.

غير أنّ الإعاقات التي تعترض مثل هذه الأعمال تتمثّل في سيطرة اليوميّ التقليدي على العقل الشعري؛ فتموت الذات في لحظة نشوتها، ثم تعود إلى حالةٍ من النشاط المتجدّد لأسبابٍ عدّة، من بينها حريّتها وعدم تكبيلها، وانفتاحها على العالم، وعدم حصرها في اليوميّ والمحليّ والتقليديّ المكرّر.

ولعلّ من أبرز الأسباب التي تجعل السرياليّة على تماسّ دائم مع الشاعر عفويّة الكتابة، والسخرية من المنظور المباشر الذي يقوم على عاداتٍ يوميّة تقليديّة غير قابلة للتجدّد. وقد تنشأ دعوات الشكّ من هذه الصيرورة المفروضة على كثيرين؛ لذلك تنحاز السرياليّة إلى عالمٍ غير مطروق، عالمٍ يعتمد العمل الخفيّ لإظهاره عبر الشعريّة. وهي، في هذا السياق، تؤمن بما وراء الواقع، وترى أنّ أمراض العصر تنبع من واقعٍ مهيمنٍ يفرض حضوره اليومي على الجميع.

وسنتطرّق إلى مفهوم التحرّر بأنواعه، لإقامة بعض العلاقات المهمّة بين المنظور الفلسفي وامتداداته اليوميّة، وبين تقنيّاته في ما يُعرف بالكتابة الآليّة:

التحرّر الذاتي:

تتمثّل العلّة الكامنة في الذات في تخلّيها عن السائد المتطابق مع الحياة اليوميّة؛ لذلك يُعدّ تحرّر الذات من أوائل المهامّ المتواصلة، عبر الابتعاد عن الرقيب الذي يقيّد الفعل الإبداعي، سواء أكان رقيباً ذاتيّاً مهيمناً أم رقيبَ سلطةٍ يفرض قناعاته على التحوّلات الجارية. وتُعدّ هذه من أخطر المواجهات التي تواجه السرياليّة، إذ تعمل على تحرير البيئة الذاتيّة.

تحطيم الذات:

لا يستطيع الشاعر السريالي بلوغ أفق السرياليّة قبل تحطيم ذاته وتحريرها من السيطرة والرقابة؛ فالذات تمتلك تأمّلاً كونيّاً، وتصوغ لنفسها عالماً خارج المنظور الواقعي، هو عالم التحرّر الذاتي من كلّ إعاقة قد تواجهها.

تحرّر الرقيب:

تغدو كتابة الشاعر السريالي قوّةً لنفي الرقيب السلطوي، ومبادرةً لتغيير الذات الاعتياديّة التي تشكّل حاجزاً أمام التحرّر؛ أي إخراج الجمرة من بين الرماد. وهنا يتجلّى العمل التلقائي، والآليّة الكتابيّة المطلقة، بوصفهما فعلين حرّين غير خاضعين لأيّ أيديولوجيا. ومن ثمّ يصبح التحرّر شاملاً لا جزئيّاً، ويغدو العمل السريالي الأبَ الروحيّ للشاعر. (مَثل الصور السريالية كمثل صور الأفيون التي لايعود الإنسان يستحضرها « يقول بودلير: بل تأتيه من ذاته، تلقائية طاغية. إنّه لايستطيع صرفها، إذ تغدو الإرادة لا قوة فيها ولا سيطرة لها على القوى. – أندريه بريتون - بيانات السريالية – ترجمة: صلاح برمدا – ص 55).

تحرّر الرؤية:

قد تكون الرؤية الخياليّة مقيَّدةً نتيجة عوامل بيئيّة مُحاكة من قِبَل الآخر، وقد تكون شبه غائبة بسبب تراكمات الضيق الخارجي، إذ تؤثّر هذه العوامل في رؤية الشاعر وتقيّد حركتها، ولا سيّما في الأمكنة التي يرصدها أو البيئة التي ينتمي إليها. لذلك، فإنّ التحرّر الذي ندعو إليه يشبه تحرّر السجين من سجّانه؛ فعندما يطالب الشاعر بطموحاته، ويرفض الالتزام بأيديولوجيا معيّنة تقيّد رؤيته، تصبح الحرّيّة والهدوء النفسي من متطلّبات الكتابة اليوميّة، ومن ضرورات توجيهاته التقنيّة والنوعيّة.

وعندئذٍ تغيب الأحكام المفروضة على العقليّة الشعريّة التي تسعى إلى السباحة في فضاء التحرّر والتنفس الطبيعي؛ لذلك يستمدّ كلّ تصوّرٍ ذاتي رؤاه من فعل المتخيّل. وبما أنّنا نعيش في واقعٍ يتداخل فيه اللاعقلاني، فإنّ الشاعر يتجاوز المألوف ليحوّله إلى اللامألوف، وهذه هي حكمة العمل السريالي في المنظور القصائدي.

التحرّر النفسي:

تتمثّل مسألة التحرّر النفسي في إطلاق الذات المتحرّرة ومنح الأحلام التي تنتاب النفس قيمةً تصويريّة، ولا سيّما تلك الأحلام العالقة التي لا تتشابه فيما بينها؛ لذلك يُعدّ الخروج عن الأعراف والابتعاد عن المألوف خيرَ سبيلٍ لتحقيق التحرّر النفسي. (السريالي يمارس إرادته لتحرير نفسه من الأشياء المألوفة التي تحيط به، ولتحرير الإنسان من الأعراف الاجتماعيّة، ومن النزعة العقلانيّة، ومن جميع أشكال الروابط التي يفرضها عالمٌ نفعي. وهو يدعو إلى التمرّد ضدّ الواقع، وضدّ قيود العادة والامتثال، وإلى الإطاحة بكلّ القيود المسلَّم بها. – السرياليّة في عيون المرايا، ص 77، ترجمة وإعداد: أمين صالح).

ومن خلال هذه الدعوة إلى الحرّيّة، نلاحظ أنّ هيمنة العشيرة في بعض المجتمعات ما تزال سارية المفعول، إلى جانب التسلّط العائلي وهيمنة واقعٍ متخلّف يواجه الشاعر بشكلٍ يومي. ومن هنا تنشأ لدى السريالي دوافع عميقة لاستدعاء الحبّ والأمل والتأمّل، والعمل على إزالة كلّ ما يعيق حريّته النفسيّة، لكي يتمكّن – ولو جزئيّاً – من الكتابة برغبةٍ فاعلة، ومن ترجمة أحلامه إلى نصٍّ شعري.

النسق السائد:

إنّ النسق السائد في اللوائح السرياليّة يتمثّل في فعل المتخيَّل والتخييل والخيال، وكذلك اللاشعور؛ وتحتلّ التلقائيّة المساحة الأوفر في قرار الاقتراب من التقنيّة السرياليّة، وهو القرار الصائب للتغلغل في عماد النصّ والاندماج بين عناصره. فطالما أنّ التصوّرات التي تزرعها الذات الحقيقيّة تمتلك فضاءها الخاصّ ضمن المفهوم النصّي، فإنّ ما يتبدّى أمامنا هو الثقافة السرياليّة بمستلزماتها المنظورة؛ وأوّل هذه المستلزمات عنصر الرغبة، كما وصفها فرويد بأنّها العنصر الخارق الذي يحتفظ بتأثيره وقوّة جاذبيّته.

لقد بات من الضروري إزالة الأنساق التقليديّة التي تُعدّ من المسلّمات المتداولة، والتي يتجلّى فيها التكرار غير المنتج؛ علماً بأنّ الشعريّة تستوعب مختلف الخصائص المنسوبة إليها، غير أنّ هذه الخصائص لا تبلغ كلّها ذروتها في سلطة النصّ الجديد. ومن هنا يمكن مقاربة بعض الأنساق ضمن المنظور الفلسفي، مثل المجاورات والروابط الفاعلة التي تمتلك أثراً ديناميكيّاً في فعل الإثارة، بوصفه أحد الأنساق المثيرة للجدل، والقادر على إحداث تبادلات مع العناصر المنشِّطة للنصّ الحديث.

وينفصل النسق، في هذا السياق، عن العالم الخارجي؛ إذ تتحوّل المعيشة إلى تجربة داخليّة – بيتية – إلّا في حدود بعض العلاقات التي تُطلّ على الشاعر عبر نافذةٍ تنفّسية. وهكذا تغدو تجربة الدواخل تجربةً نفيسة، تحمل في طيّاتها مبدأ الـ«أنا» أيضاً؛ وقد تكون هذه الـ«أنا» داخليّة، وقد تكون خارجيّة، غير أنّ حضورها الخارجي يظلّ محدوداً. ومن هنا يمكن القول إنّ القوّة الداخليّة للعمل النصّي، ضمن المنظور السريالي، هي القوّة الأكثر فاعليّة، إذ تتفاعل مع العناصر الذاتيّة والعقليّة، وتنعكس آثارها في قوّة النصّ الشعري. وما العلاقات المُعلنة إلا علاقات تفرضها الذات الحقيقيّة الساعية إلى التحوّل.

إعادة التشكيل:

من الظواهر التي تواجهنا التقنيّة السائدة والتقنيّة التقليديّة، وهما أداتان في حالة صراعٍ دائم. غير أنّنا، ما دمنا نؤمن بالهدم والبناء، فإنّ السعي إلى ابتكار تقنيّات وتشكيلاتٍ جديدة للنصّ الحديث يُعدّ من القدرات الفاعلة التي يمارسها الشاعر. ويُعدّ تجاوز العقل المنظَّم وتحويله إلى عقليّةٍ شعريّة من المهام التي تستوعب كلّ ما تراه العين وما تسمعه الأذن. ومن خلال هذا المنطق، نلاحظ أنّ هناك خزائن متعدّدة تتجمّع فيها الخبرات والتجارب لتُنتج نصّاً من طرازٍ مختلف.

ويبقى مبدأ الاختلاف، وإن بدا بسيطاً، حاضراً ضمن السياق المتواصل للغة؛ إذ تغدو اللغة، في حالتها المتشكّلة والمؤهّلة، قادرةً على اكتساب طبيعتها الشعريّة. (تذهب اللسانيّات الإدراكيّة إلى أنّ اللغة ليست نتاج بنى خاصّة في الدماغ، وإنّما هي نتاج كفاية إدراكيّة عامّة يستعملها البشر في تفكيرهم، من أجل صياغة تصوّراتٍ لمختلف جوانب الواقع وتجاربهم فيه. وقد أسفر ذلك عن لفت الانتباه إلى ضرورة فحص العلاقة بين اللغة في الاستعمال الأدبي واللغة في الاستعمال التواصلي المعتاد، وكذلك إلى دراسة ظواهر لغويّة معيّنة، مثل اللغة التخيّليّة، التي لم تعد تُفهم بوصفها نتاج آليّات خاصّة أو موهبة إدراكيّة حِكراً على مبدعي الأدب. – مجلة فصول، ملفّ الإدراكيّات، العدد 100، ص 142، لارزيا بيليخوفا، ترجمة وتقديم: محي الدين محسب).

ومن خلال ذلك، يمكن القول إنّ للنصّ ثقله الشعري، وهو يقودنا إلى اتجاهاتٍ متعدّدة، من بينها الاتجاه السريالي، الذي لا يُقدَّم بوصفه رسالةً مباشرة، بل بوصفه تجلّياً لقلقٍ متجدّد يسعى الشاعر من خلاله إلى الذوبان خارج المألوف. ومن رغبات الباث الحقيقية ترسيم الأحلام، بوصفها الوسيلة القادرة على تخفيف هذا القلق، وفتح أفقٍ فلسفي داخلي ما إن يتجلّى حتى يعلن استقلاله.

فالاستقلال النصّي يُعدّ مطلباً أساسياً في العمل الأدبي، لكي يحقق أسلوبيّة غير مكرّرة؛ ومن هنا تبرز اللغة التخيّليّة بوصفها عنصراً فاعلاً في البنية النصّية. وفي الوقت نفسه، نلاحظ أنّ الانحدار التصويري الذي يواجهنا يصدر عن لغةٍ عليا، بحيث تتشكّل الوحدات اللغويّة المطلقة في صيغٍ جديدة تمتلك خصوصيّتها وعلاقاتها داخل النصّ الشعري.

وفي بعض الأحيان، يُعاد النظر في مفهوم القصديّة في المنظور النصّي الجديد؛ فالعلاقات التي نعنيها هي تلك التي تتشكّل خارج الوعي المباشر، حيث ينهض العقل الباطني ليتفاعل مع العقليّة الشعريّة، مُنشئاً مساحةً مشتركة بينهما. ومن هنا، تغدو السرياليّة دافعاً للشاعر نحو الاندماج في هذه المساحة، بوصفها أحد متطلّبات اللامحدود في العمل السريالي.

***

كتابة: علاء حمد

في المثقف اليوم