عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: دراسة نقدية موسعة لقصيدة «اخلع وشاحك»

للشاعرة التونسية هادية السالمي دجبي

تندرج قصيدة «اخلع وشاحك» ضمن الشعر العربي الحديث الذي يتجاوز المباشرة، ويؤسس خطابه على الكثافة الدلالية والانزياح البلاغي، بحيث لا تُقرأ القصيدة بوصفها خطاباً وصفياً، بل باعتبارها بنيةً رمزيةً مفتوحة على احتمالات التأويل. فالنص لا يمنح قارئه معنى جاهزاً، وإنما يدفعه إلى إعادة إنتاج الدلالة من خلال شبكة من العلامات والصور والاستعارات المتداخلة.

وتكشف القراءة الأولى أن الشاعرة لا تبني عالمها الشعري على الحكاية، وإنما على التوتر بين المرئي والمضمر؛ فالليل، والغدران، والأخدود، وقميص يوسف، والوشاح، والأقراط، ليست عناصر وصفية، بل علامات سيميائية تتحول إلى مراكز إشعاع دلالي، يتولد منها المعنى عبر علاقاتها الداخلية.

ولذلك فإن النص يستدعي أكثر من منهج نقدي، فهو يقبل القراءة الأسلوبية والبلاغية، والسيميائية، والهرمينوطيقية، والذرائعية، كما يسمح بقراءة احتمالية تجعل كل صورة باباً إلى معنى جديد.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تمتاز لغة القصيدة بسلامة نحوية وصرفية واضحة، مع اعتماد الشاعرة على الجملة الاسمية أكثر من الفعلية، وهو اختيار أسلوبي يمنح النص طابع الثبات والاستمرار.

فهي تقول:

«للّيل في الغدران أجنحة»

ولم تقل:

«يبسط الليل أجنحته».

وهذا التحول من الفعل إلى الاسم يخرج الصورة من الزمن المحدد إلى الحقيقة الشعرية المطلقة، فيصبح الليل كائناً يمتلك أجنحة بطبيعته.

وتكرر البنية نفسها:

«في كفه بردٌ ومسغبة»

ثم:

«في مآقيه سعير وبلاءات وحنظلة»

فالتركيب الاسمي هنا لا يصف حدثاً، وإنما يبني ماهيةً جديدة لليل.

كما تكثر شبه الجملة:

للّيل...

في الغدران...

في كفه...

في مآقيه...

على الأخدود...

وهذا التراكم يخلق فضاءً مكانياً متدرجاً، يتحرك فيه القارئ من الخارج إلى الداخل، ومن الطبيعة إلى الجسد، ثم إلى الرمز.

الانزياح التركيبي:

أبرز سمات القصيدة هو العدول عن التراكيب العربية المألوفة.

فبدلاً من أن تقول الشاعرة:

«للليل أجنحة في الغدران»

قدّمت الجار والمجرور:

«للّيل في الغدران أجنحة»

فصار المكان جزءاً من هوية الليل، لا مجرد ظرف له.

وكذلك قولها:

«وللعواصف صهيل الحصوات في مدامعه»

فالمنطق اللغوي المعتاد لا يمنح الحصى صهيلاً، لأن الصهيل من خصائص الخيل، لكن الشاعرة تكسر هذا النظام الدلالي، وتعيد توزيع الصفات بين الموجودات، فتتحول الحجارة إلى كائنات تصهل.

وهذا من أجمل أشكال الانزياح الدلالي.

فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

تقوم القصيدة على ألفاظ عربية فصيحة ذات جذور معجمية عريقة:

الغدران

الأعمدة

المسغبة

البلاءات

الحنظلة

الأوابد

المقصلة

المطحنة

ولا نجد مفردة دخيلة أو عامية أو ضعيفة.

كما أن اختيار المفردات يخدم الجو النفسي العام؛ إذ تتجاور الكلمات ذات الحقول الدلالية القاسية:

المسغبة

الحنظلة

المقصلة

المطحنة

الأخدود

لتصنع معجماً قائماً على الألم والامتحان الوجودي.

وفي المقابل تظهر مفردات مضيئة:

يوسف

القميص

الابتسامة

الوشاح

فتنشأ جدلية بين الرجاء والعذاب.

الرمزية المركبة:

لا تستعمل الشاعرة الرمز منفرداً، وإنما تبني رمزاً مركباً.

فالليل ليس زمناً.

بل هو:

صاحب أجنحة.

صاحب أعمدة.

صاحب كف.

صاحب مآق.

صاحب دموع.

أي أنه يتحول إلى كائن كامل.

ثم تمنحه:

«صهيل الحصوات»

فيصبح كائناً كونياً يحمل عناصر الإنسان والطبيعة والحيوان معاً.

وهذا ما يسميه النقد الحديث الرمزية العضوية؛ إذ لا تؤدي الصورة وظيفة زخرفية، وإنما تؤسس البنية الفكرية للنص.

المرجعية القرآنية

أجمل إحالة ثقافية في القصيدة قولها:

«لمقلتيها وعد يوسف وهمسة قميصه وبسمته»

فالشاعرة لا تستحضر قصة يوسف كاملة، وإنما تستدعي أكثر عناصرها إيحاءً.

يوسف هنا ليس شخصية تاريخية، بل رمز للجمال المختبر بالمحنة.

أما القميص فهو علامة متعددة الوظائف في السرد القرآني؛ فقد كان قميص البراءة، وقميص الفقد، ثم قميص الشفاء.

ولذلك فإن عبارة:

«همسة قميصه»

تتجاوز التناص المباشر، لتنتج استعارة جديدة، إذ يتحول القميص إلى كائن يهمس، وهو انزياح يمنح الجماد وظيفة إنسانية.

الصورة البلاغية

تكاد القصيدة كلها تقوم على الاستعارة.

فمن ذلك:

الليل له أجنحة.

الليل له كف.

الليل له مآق.

الحصى تصهل.

القميص يهمس.

الأقراط تقيم جسراً.

والملاحظ أن معظم الاستعارات ليست جزئية، وإنما كلية، إذ يتحول العالم كله إلى شبكة من الكائنات المتحاورة.

ولهذا فإن النص لا يكتفي بالتشخيص، بل يصل إلى أنسنة الكون كله.

جمال الصياغة

تميزت الصياغة الشعرية بعدة خصائص:

التكثيف، فلا يوجد حشو لفظي.

الاقتصاد في الأفعال.

الاعتماد على الإيقاع الداخلي.

التوازن بين الغموض والإيحاء.

توظيف التكرار البنائي دون ملل.

ويتجلى ذلك في افتتاح المقطعين بالعبارة نفسها:

«للّيل في الغدران أجنحة»

فالتكرار هنا ليس إعادة، وإنما تأسيس لدورة دلالية جديدة؛ إذ يتغير ما بعدها في كل مرة، بينما تبقى العبارة الافتتاحية ثابتة، وكأنها لازمة موسيقية تشد أجزاء النص بعضها إلى بعض.

خلاصة هذا المحور

قدمت الشاعرة هادية السالمي دجبي نصاً يقوم على لغة عربية رفيعة، استطاعت أن تحافظ على سلامة البناء النحوي، مع جرأة كبيرة في الانزياح البلاغي، وأن تؤسس شبكة من الرموز المركبة التي تجعل القصيدة مفتوحة على مستويات متعددة من القراءة. ولم يكن الغموض فيها غاية في ذاته، بل نتيجة طبيعية لتكثيف الدلالة، وهو غموض منتج يدعو القارئ إلى المشاركة في بناء المعنى، لا إلى تلقيه بصورة جاهزة.

تكشف قصيدة «اخلع وشاحك» للشاعرة هادية السالمي دجبي عن تجربة شعرية ناضجة استطاعت أن تؤسس فضاءً دلالياً رحباً تتعالق فيه اللغة بالرمز، والصورة بالفكرة، والإيقاع بالرؤية، حتى غدا النص بنيةً جماليةً مفتوحة على تعدد القراءات والتأويلات. فلا يقدّم النص معنىً نهائياً مغلقاً، بل يستدرج القارئ إلى المشاركة في إنتاج الدلالة عبر شبكة من العلامات والاستعارات والانزياحات التي تتجاوز ظاهر القول إلى أعماقه الفلسفية والوجودية.

وقد أظهرت الدراسة أن الشاعرة تمتلك وعياً لغوياً رفيعاً تجلّى في سلامة التراكيب، ودقة اختيار الألفاظ، وقدرتها على بناء صور شعرية مركبة تقوم على التشخيص، واستعارة الامتزاج، والاندماج الحسي، والانزياح التركيبي والزمني، بما يفضي إلى تشكيل عالم شعري تتداخل فيه الذات بالطبيعة، والإنسان بالمكان، والذاكرة بالتاريخ. كما أسهم التناص مع قصة يوسف في إغناء البنية الرمزية للنص، ومنحه بعداً إنسانياً وثقافياً يتجاوز حدود التجربة الفردية إلى أفق كوني أرحب.

وعلى المستوى الإيقاعي، لم تعتمد القصيدة على الوزن التقليدي بقدر اعتمادها على الموسيقى الداخلية، وتكرار البنى التركيبية، وتناغم الأصوات، بما أوجد إيقاعاً نفسياً يواكب حركة المعنى ويعزز توتره. أما على المستوى السيميائي والهرمينوطيقي، فقد برهنت القصيدة أن الرمز فيها ليس زينةً أسلوبية، بل هو نواةٌ مولِّدة للدلالة، وأن كل علامة فيها قابلة لإنتاج تأويلات متعددة، وهو ما ينسجم مع منطق النقد الاحتمالي الذي يرى النص بنيةً مفتوحة لا تستنفدها قراءة واحدة.

كما كشفت المقاربة الذرائعية أن النص لا ينفصل عن غايته الجمالية والإنسانية، بل يحقق توازناً بين الإمتاع الفني والإيحاء الفكري، في حين أبرز التحليل النفسي حضور الذات المبدعة وهي تتأرجح بين القلق والرجاء، وبين الانكسار والمقاومة، من غير أن تقع في المباشرة أو الخطابية.

ومن ثمّ، فإن «اخلع وشاحك» ليست قصيدة تُقرأ مرة واحدة، بل نص يعيد تشكيل نفسه مع كل قراءة، وتتجدد دلالاته بتجدد أفق المتلقي وثقافته. وهذه السمة هي إحدى العلامات الفارقة للنصوص الشعرية الأصيلة؛ إذ تظل قادرة على استثارة الأسئلة، وإثارة الدهشة، واستدعاء التأويل، دون أن تفقد تماسكها الفني أو عمقها الإنساني.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن هادية السالمي دجبي تقدم في هذه القصيدة نموذجاً للشعر العربي الحديث الذي يجمع بين فصاحة اللغة، وجرأة المخيلة، وثراء الرمز، وعمق الرؤية، لتؤكد أن القصيدة الحقيقية ليست وعاءً للمعنى، بل كيانٌ حيٌّ تتوالد فيه المعاني باستمرار، وتظل أبوابه مفتوحة أمام كل قراءة نقدية جديدة، وكل أفق تأويلي ممكن.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..................

اِخلَعْ وشاحك

للّيْلِ في الْغُدرانِ أجنِحَهْ.

كما له في كلّ قاعٍ أعْمِدَهْ.

في كفّهِ بَرْدٌ و مَسْغَبَهْ.

و في مآقيهِ سعيرٌ و بلاءاتٌ

 و حَنْظَلَهْ.

و للعواصفِ صهيلُ الْحَصَوَاتِ

في مدامِعِهْ.

**

للّيْلِ في الْغُدرانِ أجنِحَهْ.

و لِتِلالِها على الْأُخْدُودِ أَشْرِعَهْ.

لمُقلَتَيْها وَعْدُ يوسُفَ

و هَمْسَةُ قَمِيصِهِ و بَسْمَتُهْ.

و لِلْأَوابِدِ إذا حَلَّتْ بها

مِقْصَلَةٌ و مِطْحَنَهْ.

**

فَيا الَّذِي أسْدَلَ فوق كتِفَيْها وجهَهُ ،

اِخلَعْ وشاحَكَ

فَإِنَّكَ بِحَضْرَةِ الّتي تَوَشَّحَتْ.

و ما على أقراطها

جِسْرٌ لِما تَصْبُو و تَبْتَغِي.

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي - تونس

في المثقف اليوم