عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: جدلية العطش والبحر في القصيدة الحديثة

قراءة نقدية في قصيدة "أنا ظمأ البحر" للشاعرة التونسية هادية السالمي دجبي

تنتمي قصيدة «أنا ظمأ البحر» إلى أفق القصيدة العربية الحديثة التي تجاوزت حدود التعبير الوجداني المباشر إلى بناء عالم رمزي تتشابك فيه الذات مع الوجود، واللغة مع الرؤية، والصورة مع الموقف الحضاري. فلا تقدم الشاعرة تجربة شخصية معزولة، وإنما تؤسس خطاباً شعرياً يجعل من الأنا الفردية مرآةً للأنا الجمعية، ومن الألم الشخصي استعارةً لانكسارات الأمة.

تقوم القصيدة على مفارقة مركزية لافتة تتمثل في العنوان: «أنا ظمأ البحر». فالبحر، وهو رمز الامتلاء والعطاء والفيض، يتحول إلى كائن عطشان، وهو انزياح دلالي يفتح أفق التأويل منذ العتبة النصية. بذلك تنتقل اللغة من وظيفتها الإخبارية إلى وظيفتها الإيحائية، حيث يغدو العطش رمزاً للحرمان الروحي والقيمي، ويصبح البحر استعارةً للذات المبدعة التي تمنح الآخرين، لكنها تبقى محرومة من الارتواء.

ولا تكتفي الشاعرة ببناء صور جمالية، بل تؤسس خطاباً تتجاور فيه الرؤية الوجودية مع الهم القومي، إذ تنتقل القصيدة من فضاء الذات إلى فضاء العروبة، ومن التأمل الداخلي إلى مساءلة الواقع الثقافي والإنساني، وهو ما يمنح النص بعداً درامياً يتجاوز الغنائية التقليدية.

مكانة هادية السالمي دجبي في الشعر العربي المعاصر:

تمثل هادية السالمي دجبي صوتاً شعرياً ينتمي إلى تيار القصيدة العربية الحديثة التي تراهن على كثافة الصورة، وعمق الرمز، وانفتاح الدلالة. وتتميز تجربتها بتوظيف معجم طبيعي واسع؛ كالبحر، والنهر، والصحراء، والنخيل، والسنديان، واليمام، بوصفها علامات سيميائية تتجاوز معناها الحسي إلى وظائف رمزية وثقافية.

ويبرز في خطابها ميل واضح إلى المزج بين الحس الصوفي والبعد الإنساني والهم القومي، فتغدو القصيدة مساحةً لتفاعل الذات مع التاريخ والذاكرة والجغرافيا، بعيداً عن المباشرة الخطابية. كما تعتمد بناءً تصويرياً متماسكاً يجعل الصورة محور إنتاج الدلالة، فتتولد المعاني من العلاقات بين الرموز أكثر مما تتولد من التصريح.

مناسبة القصيدة وعلاقتها بالبحر:

البحر في هذه القصيدة ليس عنصراً طبيعياً، بل هو البنية الرمزية الكبرى التي تنتظم حولها جميع الصور. فهو يمثل الامتداد والحرية والعطاء والعمق، لكنه يتحول إلى كائن يعاني العطش، فيبلغ التناقض ذروته في قولها:

««أنا ظمأ البحر».»

وهذا التركيب يختزل المأساة الوجودية للذات الشاعرة؛ فهي بحر في عطائها، لكنها عطشى إلى الاعتراف والوفاء والاحتواء.

ثم تفتتح النص بقولها:

««على ضفة النهر يرتقب الحجل السفن القادمة».»

وتقابل الشاعرة بين البحر والنهر، وبين الانتظار والقدوم، لتؤسس حركة شعرية قائمة على الترقب المؤجل، فيتحول الحجل إلى رمز للأمل، بينما تصبح السفن علامةً للخلاص الذي لا يصل.

وتتسع الدائرة الرمزية عندما تقول:

««وصحارى بصدري تنوء بها رئتاي وتشقى».»

فالانتقال من البحر إلى الصحراء يجسد تضاداً دلالياً بين الوفرة والجفاف، وهو تضاد يعكس انكسار الذات التي تحمل البحر في الخارج، بينما يسكنها القحط في الداخل.

وتتعمق هذه الرؤية في قولها:

««وفي القلب مجمرة ونهور من الحسرات».»

فالقلب يتحول إلى موقد دائم، وتصبح الحسرات أنهاراً من نار، وهو تركيب يجمع بين الماء والاحتراق في صورة واحدة، بما يكشف عن قدرة الشاعرة على إنتاج المفارقة البلاغية.

وتبلغ العلاقة بين البحر والذات ذروتها في المقطع الأخير حين تعلن:

««أنا ظمأ البحر تلهبه دمعة الارتياع».»

فالدمعة، وهي أقل عناصر الماء، تصبح سبباً في اشتعال البحر، وهو انقلاب دلالي يرسخ منطق القصيدة القائم على قلب العلاقات الطبيعية لإنتاج رؤية شعرية جديدة.

ومن ثم فإن البحر في النص ليس فضاءً جغرافياً، بل هو معادل موضوعي للذات الشاعرة، وللإنسان العربي الذي يمتلك إرثاً حضارياً واسعاً، لكنه يعيش حالة عطش روحي وقيمي في واقع مأزوم، ولذلك يتحول البحر إلى رمز للعطاء غير المكتمل، وإلى استعارة كبرى للوجود الإنساني الباحث عن معنى الارتواء.

ثانياً: الأسس اللغوية والبلاغية

١- سلامة اللغة:

تقوم لغة القصيدة على عربيةٍ فصيحة رفيعة، تستند إلى معجم تراثي وحديث في آنٍ واحد، دون أن تقع في التكلف أو الغموض المجاني. فقد حافظت الشاعرة على سلامة التراكيب النحوية، مع الإفادة من حرية قصيدة التفعيلة في توزيع الجمل والوقفات.

ويتجلى الثراء المعجمي في ألفاظ ذات طاقة إيحائية عالية، مثل: «مجمرة، نهور، الحسرات، عناقيد الليل، السراب، مرفأ العمر، عشب الحنين، شظايا المرايا، رماد العروبة، كمد الحبر، السنديان، الزنبقة، سنبلة، كهوف الردى». وهذه المفردات لا تؤدي وظيفة وصفية فحسب، بل تؤسس شبكة من الرموز المتداخلة.

٢ - بنية الأسلوب:

يتأسس البناء الأسلوبي على الجملة الفعلية التي تمنح النص حركةً متدفقة، كما في:

««يرتقب الحجل السفن القادمة»،

«تنوء بها رئتاي وتشقى»،

«تسري بعيني عناقيد ليل»،

«ينبت في مقلتي السراب»،

«أرتق عشب الحنين»،

«أنسج من عطشي صبر خيلي».»

وتؤكد هذه الأفعال أن الذات ليست ساكنة، وإنما تعيش صراعاً مستمراً مع الألم والانتظار.

وفي المقابل، تعتمد الشاعرة الجملة الاسمية حين تريد تثبيت الهوية والرؤية، فتكرر:

««أنا ظمأ البحر»،

«أنا كمد الحبر»،

«أنا هاهنا السنديان»،

«أنا للقداسة عنوانها».»

ويؤدي هذا الانتقال بين الفعل والاسم وظيفة بلاغية دقيقة؛ فالفعل يعبّر عن الحركة، بينما تؤكد الجملة الاسمية رسوخ الذات واستمرارها.

٣- الانزياح اللغوي والتركيبي:

يمثل الانزياح أبرز خصائص القصيدة، إذ تُعيد الشاعرة تشكيل العلاقات المألوفة بين الكلمات لتخلق دلالات جديدة.

فعنوان القصيدة نفسه:

««أنا ظمأ البحر»»

يقلب العلاقة المنطقية بين البحر والعطش؛ فالبحر مصدر الماء، لكنه يصبح رمزاً للعطش، فيتحول المستحيل الواقعي إلى حقيقة شعرية.

وفي قولها:

««وفي القلب مجمرة ونهور من الحسرات»»

يجتمع الاحتراق والجريان في صورة واحدة، فتتحول الحسرة إلى نهر من النار، وهو انزياح يضاعف الأثر النفسي.

كما تقول:

««ينبت في مقلتي السراب»،»

فالسراب لا ينبت، وإنما ينمو النبات، غير أن الشاعرة تنقل فعل الإنبات إلى الوهم، فتجعل الخيبة كائناً حياً يتكاثر داخل العين.

ومن أبدع صورها:

««أرتق عشب الحنين».»

فالرتق يكون للثوب، لا للعشب، لكن الحنين هنا أصبح جسداً ممزقاً يحتاج إلى ترميم، فيتجسد المعنى النفسي في صورة حسية.

وتبلغ الصورة ذروة كثافتها في قولها:

««تصهل في قدحي رجفة الجوع والكدمات».»

فالصهيل خاص بالخيل، لكنه ينتقل إلى الجوع، فيغدو الألم قوةً هائجة لا مجرد إحساس داخلي.

٤- فصاحة اللفظ:

تقوم فصاحة القصيدة على انتقاء ألفاظ جزلة ذات جذور عربية أصيلة، دون أن تفقد انسيابها الموسيقي. ومن ذلك:

««مرفأ العمر المترامي»،»

حيث يجتمع الامتداد الزمني بالبعد المكاني في تركيب واحد.

وقولها:

««رماد العروبة يهوي وجعًا وأنينًا»،»

يجعل من الرماد رمزاً لانطفاء الحضارة، بينما يمنحه الفعل «يهوي» حركة سقوط مأساوية.

وفي المقطع:

««أنا كمد الحبر ينهشه التوهان»»

تستبدل الشاعرة الحبر ــ رمز الكتابة والمعرفة ــ بكائن حي تنهشه الحيرة، فتتحول الثقافة نفسها إلى ضحية للتيه.

كما تتجلى الفصاحة في صور مثل:

««أنا هاهنا السنديان»،»

حيث تستدعي شجرة السنديان دلالات الرسوخ والقوة والصمود.

ثم تبلغ اللغة ذروة بعدها الإنساني في قولها:

««وإني كزنبقة يممت مسبحاً للطيور لتخبز نوراً لسنبلة في كهوف الردى».»

فهنا تتشابك الزنبقة والطير والنور والسنبلة والردى في لوحة سريالية متماسكة، تُحيل إلى قدرة الحياة على مقاومة الموت.

وتختتم الشاعرة بخطاب استنكاري شديد النبرة:

««ألست أنا الشهقة البكر للفجر؟»

«ألست أنا شفة الشمس تروي سنابلكم؟»»

فتصبح الذات مصدر النور والخصب، قبل أن تنقلب النبرة إلى احتجاج مرير:

««فتبًا لقوم هواهم ركاب ونرجيلة».»

وهنا تنتقل اللغة من الرمز إلى الإدانة الأخلاقية، دون أن تفقد شعريتها، إذ تظل الصورة قائمة على المفارقة بين رسالة الشاعرة السامية وواقع الانشغال باللهو واللامبالاة.

ويكشف هذا المستوى اللغوي والبلاغي أن القصيدة لا تعتمد الزخرفة البيانية، بل توظف البلاغة بوصفها أداة لإنتاج الدلالة، حيث تتضافر الاستعارة، والمفارقة، والانزياح، والتشخيص، والتكثيف الرمزي في بناء خطاب شعري تتجاوز وظيفته الإمتاع الجمالي إلى مساءلة الواقع والذات والهوية.

ثالثاً: الإيقاع والمعمار الصوتي:

لا ينبني الإيقاع في قصيدة «أنا ظمأ البحر» على الوزن وحده، وإنما يتولد من التفاعل بين التفعيلة، وتوزيع الجمل، وتكرار الأصوات، والوقفات، والتوازي التركيبي، حتى يصبح الإيقاع معادلاً للحركة النفسية التي تعيشها الذات الشاعرة.

١- البحر الشعري والتفعيلات:

تنتمي القصيدة إلى شعر التفعيلة، وتقترب في معظم بنيتها الإيقاعية من بحر المتدارك (الخبب) القائم على تكرار تفعيلة فاعلن وما يعتريها من الزحافات، مع شيء من المرونة التي تتيحها قصيدة التفعيلة الحديثة. وقد أفادت الشاعرة من هذه المرونة في تطويل الأسطر وتقليصها تبعاً لتصاعد الانفعال، دون أن تفقد وحدة الإيقاع.

ويظهر ذلك في مطالع مثل:

««على ضفة النهر

يرتقب الحجل السفن القادمة»»

ثم في:

««أنا ظمأ البحر

تلهبه دمعة الارتياع»»

إذ تتنامى الحركة الإيقاعية مع تنامي الشعور الداخلي، فتغدو التفعيلة وعاءً للانفعال لا قيداً عليه.

٢- الموسيقى الداخلية:

تكمن الموسيقى الداخلية في حسن توزيع الأصوات وتجاور المفردات ذات الإيقاع المتقارب، ومن أجمل أمثلتها:

««مجمرة ونهور من الحسرات»»

فالتجاور بين الميم والهاء والراء يمنح العبارة دفئًا صوتيًا يوازي احتراق المعنى.

وفي قولها:

««تسري بعيني عناقيد ليل»»

تتكرر الياءات واللامات، فينشأ إيقاع هادئ يناسب انسياب الليل داخل العين.

أما في:

««تصهل في قدحي رجفة الجوع والكدمات»»

فإن تتابع القاف والجيم والكاف والدال والتاء يخلق خشونة صوتية تجسد قسوة التجربة.

٣- التكرار:

يعد التكرار من أهم وسائل البناء الإيقاعي والدلالي في القصيدة.

ويتجلى أولًا في تكرار الضمير:

««أنا»»

في قولها:

««أنا ظمأ البحر»

«أنا كمد الحبر»

«أنا هاهنا السنديان»

«أنا للقداسة عنوانها»

«أنا صرخات المنافي»

«أنا همسات الضياء».»

وهذا التكرار لا يعبر عن تضخم الأنا، بل عن سعي الذات إلى تثبيت وجودها في عالم يهددها بالتهميش.

كما يتكرر الفعل:

««تشظت يدي»»

مرتين متتاليتين، ليجسد الإلحاح النفسي، ويجعل الانكسار يتردد في أذن القارئ كما يتردد في وجدان الشاعرة.

ويظهر التكرار أيضاً في الاستفهام:

««ألست أنا الشهقة البكر للفجر؟»

«ألست أنا شفة الشمس؟»»

ليتحول السؤال إلى احتجاج وجودي، لا ينتظر جواباً بقدر ما يفضح جحود المخاطب.

٤- الجناس والتقارب الصوتي:

لم تعتمد الشاعرة الجناس التقليدي، وإنما فضلت الجناس الاشتقاقي والتقارب الصوتي، مثل:

««ترغو وتقسو»»

فالتقارب بين الفعلين يحقق انسجامًا موسيقيًا مع تضاد الدلالة.

وكذلك:

««تئن... تخبو»»

إذ يجمع بين الألم والانطفاء ضمن إيقاع متقارب.

وفي:

««الوجع... الأنين»»

يتجاور اللفظان لتتضاعف الشحنة الانفعالية.

٥- التوازي:

يشكل التوازي أحد أهم أعمدة البناء الفني.

ففي المقطع:

««ولا قوس منكم...

ولا جسر منكم...»»

يتكرر البناء التركيبي مع اختلاف الكلمة المحورية، ليبرز انعدام وسائل النجاة.

وكذلك في:

««أنا ظمأ البحر...»

«أنا كمد الحبر...»»

حيث يمنح التوازي النص توازناً موسيقياً ويعمق دلالة الهوية.

ويبلغ التوازي ذروته في الخاتمة:

««ألست أنا الشهقة البكر...»

«ألست أنا شفة الشمس...»»

فيتوازى التركيب، ويتصاعد الاحتجاج.

٦- الحروف المهيمنة:

تهيمن على القصيدة أصوات ذات قيمة إيحائية واضحة.

فحرف الراء يتكرر في:

«البحر، النهر، رئتاي، مجمرة، الحسرات، السراب، المرايا، رماد، القداسة، الارتياع، الحبر، السنديان، الردى.»

وهو حرف مجهور مكرر، يمنح الإيقاع رجفةً داخلية تناسب التوتر النفسي.

كما يكثر حضور الحاء:

«الحجل، الحنين، الحسرات، الحبر، الارتياع.»

وهو من الأصوات المهموسة التي توحي بالأنين والتنهد.

أما الميم فتشيع في:

«مجمرة، مقلتي، مرايا، منافي، مدى، منابع، مرفأ، موجاعكم.»

فتمنح النص نعومة صوتية تخفف من حدة الاحتجاج.

٧- الوقفات والإيقاع النفسي:

من أبرز سمات القصيدة كثرة الوقفات التي تأتي غالبًا بعد صورة مكتملة، مثل:

««وفي القلب...»»

ثم تستأنف:

««مجمرة ونهور من الحسرات».»

وكذلك:

««فتصحو بوجهي...»»

ثم:

««شظايا المرايا».»

وتؤدي هذه الوقفات وظيفة نفسية؛ إذ تجعل القارئ يتوقف لالتقاط أنفاس الصورة قبل الانتقال إلى أخرى، وكأن القصيدة نفسها تتنفس مع الذات المتعبة.

وتزداد قيمة الوقفات عند استخدام علامات الحذف:

««وأصبو...»»

إذ تترك مساحة للصمت، وهو صمت يوازي ما تعجز اللغة عن قوله.

أما الاستفهامات الأخيرة:

««ألست أنا الشهقة البكر للفجر؟»

«ألست أنا شفة الشمس؟»»

فتنتهي بثلاث علامات استفهام، فيتحول الإيقاع إلى صرخة مفتوحة، لا إلى سؤال مغلق، بما يعكس ذروة الاحتقان النفسي والوجودي.

خلاصة المحور:

يكشف المعمار الصوتي للقصيدة عن وعيٍ إيقاعي رفيع؛ فالتفعيلة، والتكرار، والتوازي، وتوزيع الحروف، والوقفات، ليست عناصر زخرفية، بل أدوات لبناء المعنى. وقد استطاعت هادية السالمي دجبي أن تجعل الموسيقى امتداداً للرؤية، وأن تحول الإيقاع إلى لغة ثانية، تعبّر عما تعجز عنه الكلمات، فتتحد البنية الصوتية بالبنية النفسية في نسيج شعري متماسك، يرسخ مكانة النص ضمن تجارب قصيدة التفعيلة العربية ذات البعد الرمزي والإنساني.

رابعاً: البنية الفنية والجمالية:

تنهض البنية الفنية في قصيدة «أنا ظمأ البحر» على وحدة عضوية متماسكة، تتضافر فيها الصورة الشعرية، والرمز، والإيقاع، والبعد النفسي، لتشكّل رؤية وجودية تتجاوز حدود التجربة الذاتية إلى أفق إنساني وقومي أرحب. فالقصيدة ليست سلسلة من الصور المتجاورة، وإنما بناء دلالي متنامٍ يبدأ بالعطش، ويمر بالاحتراق والخذلان، لينتهي بالاحتجاج والإدانة.

-الصورة الشعرية والرمز:

تعتمد الشاعرة على الصورة المركبة لا الوصف المباشر، فتغدو الاستعارة محور إنتاج المعنى. فمنذ العنوان:

««أنا ظمأ البحر»»

يتشكل الرمز المركزي الذي يحكم النص بأكمله؛ فالبحر ليس ماءً، بل ذاتٌ معطاءة حُرمت من الارتواء، ليغدو العطش رمزاً لغياب الاعتراف، وانكسار القيم، وخيبة الأمل.

ويتعزز هذا الرمز في صور أخرى، منها:

««صحارى بصدري»،»

حيث تتقابل الصحراء مع البحر، في ثنائية الجفاف والفيض، لتكشف المفارقة بين غنى الذات الروحي وقحط الواقع.

وفي قولها:

««شظايا المرايا»»

تتحول المرآة من أداة للرؤية إلى رمز لتشظي الهوية، بينما تشير:

««رماد العروبة»»

إلى احتراق الذاكرة الحضارية وانطفاء الحلم القومي، في واحدة من أكثر صور القصيدة كثافة وإيحاء.

-القراءة السيميائية:

تقوم القصيدة على منظومة من العلامات المتفاعلة، حيث تتجاوز الأشياء مدلولها المباشر لتصبح شفرات ثقافية ونفسية.

- البحر: رمز العطاء والعمق والهوية.

- النهر: رمز الأمل والحركة والانتظار.

- الصحراء: علامة الجدب الروحي.

- الخيل: دلالة القوة والإرادة.

- النخيل: رمز الأصالة والجذور.

- السنديان: علامة الصمود والثبات.

- الزنبقة: رمز الطهر والجمال.

- اليمام: علامة السلام والسكينة.

- الردى: رمز الفناء الذي تحاول الذات مقاومته بالنور.

وتتآزر هذه العلامات لتكوين نسق دلالي يجعل القصيدة رحلةً من العتمة إلى البحث عن الخلاص.

-القراءة الذرائعية:

وفق المنهج الذرائعي، تُقاس قيمة النص بقدرته على تحقيق غايته الجمالية والإنسانية. ومن هذه الزاوية تنجح القصيدة في الجمع بين الوظيفة الفنية والرسالة الفكرية دون الوقوع في المباشرة.

فالذات الشاعرة لا تنغلق على وجعها الخاص، وإنما تحوّل تجربتها إلى سؤال جمعي، كما في قولها:

««ويهـمي رماد العروبة يا عرباً وجعاً وأنيناً»،»

إذ يتسع الخطاب من ضمير الأنا إلى ضمير الجماعة، فيتحول الألم الفردي إلى قضية حضارية.

كما تنجح القصيدة في استنهاض المتلقي عبر سلسلة من الأسئلة والنداءات والاحتجاجات التي تمنحه دوراً تأويلياً فاعلًا، فلا يبقى قارئاً سلبياً، بل يصبح شريكاً في إنتاج المعنى.

-القراءة النفسية:

تكشف القراءة النفسية عن ذات قلقة تعيش صراعاً بين الرغبة في العطاء والإحساس بالخذلان.

فالقصيدة مليئة بمفردات الألم:

«العطش، الحسرات، الجوع، الكدمات، الارتياع، التوهان، المنافي، الضنى، الردى.»

إلا أن هذا الألم لا يقود إلى الانكسار، بل يتحول إلى طاقة مقاومة، كما في إعلانها:

««أنا هاهنا السنديان ولست أهاب اللظى.»»

وهنا تتجسد آلية التعويض النفسي؛ إذ تواجه الذات الخسارة بتضخيم قيم الصمود والثبات.

كما يكشف تكرار ضمير «أنا» عن محاولة لترميم الهوية في مواجهة الإقصاء، فهو ليس نرجسية بقدر ما هو فعل دفاعي يثبت الوجود أمام عالم يتجاهل المبدع.

أما الاستفهامان الأخيران:

««ألست أنا الشهقة البكر للفجر؟»

«ألست أنا شفة الشمس تروي سنابلكم؟»»

فيمثلان ذروة الحاجة إلى الاعتراف، إذ تتحول الأسئلة إلى صرخة وجودية تبحث عن الإنصاف أكثر مما تبحث عن جواب.

-الخاتمة:

تُعد قصيدة «أنا ظمأ البحر» تجربة شعرية ناضجة، استطاعت هادية السالمي دجبي أن تمزج فيها بين حرارة الانفعال وصرامة البناء الفني. وقد شيدت نصها على مفارقة رمزية كبرى، جعلت من البحر ــ رمز الامتلاء ــ كائناً يئن من العطش، لتغدو هذه المفارقة مفتاحاً لقراءة التجربة كلها.

وعلى المستوى البلاغي، كشفت القصيدة عن قدرة لافتة على توظيف الاستعارة، والانزياح، والتشخيص، والمفارقة، في خدمة رؤية شعرية متماسكة. أما أسلوبياً، فقد حققت توازنًا بين الجملة الفعلية والجملة الاسمية، وبين الإيقاع الخارجي والموسيقى الداخلية، مما منح النص حيويةً وانسياباً.

وسيميائياً، نسجت الشاعرة شبكة من الرموز الطبيعية والثقافية أسهمت في تعميق الدلالة، بينما أبرزت القراءة الذرائعية نجاح النص في الجمع بين الجمال الفني والرسالة الإنسانية. أما القراءة النفسية، فقد كشفت عن ذات مبدعة تقاوم الخذلان بالتشبث بالهوية والإيمان برسالة الشعر.

إن هذه القصيدة تؤكد أن هادية السالمي دجبي تمتلك صوتاً شعرياً قادرًا على تحويل التجربة الفردية إلى رؤية إنسانية شاملة، وأنها تكتب قصيدة حديثة تستند إلى كثافة الصورة، ورهافة الإيقاع، وثراء الرمز، واتساع الأفق التأويلي، وهو ما يجعل «أنا ظمأ البحر» نصاً جديراً بالوقوف عنده في سياق الشعر العربي المعاصر، بوصفه نموذجاً يجمع بين جماليات اللغة وعمق الرؤية وصدق التجربة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

أنا ظمَأُ الْبحرِ

على ضَفَّةِ النَّهْرِ

يَرْتَقِبُ الْحَجَلُ السُّفُنَ الْقَادِمَهْ،

و صَحَارَى بصدري

تَنُوءُ بها رِئَتَايَ وتَشْقَى.

و في الْقلْبِ

مِجْمَرَةٌ ونُهُورٌ مِنَ الْحَسَراتِ.

و فيه عواصِفُ تَرْغُو وتَقْسُو،

فتَسْرِي بعيْنِي

عناقيد ليْلٍ

و يَنْبُتُ في مُقْلَتَيَّ السَّرَابُ ويَلْظَى.

و فيها تَئنُّ قُطُوفُ السَّمَاءِ وتَخْبُو.

أَعُدُّ جُسُورَ الرِّمالِ

على مَرْفَإِ الْعُمُرِ الْمُتَرامي،

و فيها تَضِجُّ الْخُيولُ

بِرَاياتِ هَمْسٍ تَأَسَّى.

وأَرْتُقُ عشبَ الْحنينِ بِسُهدي وأَصْبُو …

فَتَصْحُو بِوَجْهِي

شظايا الْمَرَايا،

و تَصْهَلُ في قَدَحِي

رَجْفَةُ الْجُوعِ والْكَدَمَاتِ.

فأَنْسِجُ مِنْ عَطَشِي

صَبْرَ خَيْلي ودمعي

و لا قَوْسَ منكمْ

عليه أَشُدُّ وأسْرِي

و لاجِسْرَ منكم

إليه أَفِرُّ فَأَرْضَى.

*

و يَهْمِي رَمَادُ الْعُرُوبَةِ، يا عَرَبًا،

وَجَعًا وأَنِينًا.

ويَسْأَلُني عن شُجُونِ الْمَرَايا

ويَحْرِقُنِي.

*

تَفِرُّونَ مِنْ قَدَحِي

وتَهِيمُونَ بالْبُعْدِ عنْ خيْمَتِي.

تَفِيئُونَ - أَنْتُمْ - على الشَّوْكِ

بالْوُدِّ والْقَهَواتِ،

وكأسي يُوَشِّي دُجَاها مَناضِدَكُم

بسُهادي.

يُها الْقَوْمُ طابَتْ دَفَاتِرُكُمْ

وتَشَظَّتْ يَديَّ.

تَشَظَّتْ يَديَّ،

ولكنْ، رَمادِي هَوَاهُ الْمَدَى.

أنا للقَدَاسَةِ عُنْوانُها وعبير مَنَابِعها.

أنا ظمَأُ الْبَحْرِ

تُلْهِبُهُ دَمْعَةُ الْارْتِياعِ.

أنا كَمَدُ الْحِبْرِ

يَنْهَشُهُ التَّوَهَانُ.

عِطَافُ النَّخِيلِ، أنا،

والْجَريدُ أُدَثِّرُهُ.

أنا هاهنا السِّنْدَيانُ

ولستُ أَهابُ اللَّظى،

مِثْلَ يَقْطِينَةٍ

فَيْؤُها لِمَواجِعِكُمْ بَلْسَمٌ.

أنا يادثاري رُضابُ السَّماءِ

على صَفَحَاتِ الضَّنَى،

صَرَخاتُ الْمنافي، أنا، وخُدوشُ الْعُرَى،

هَمَساتُ الضِّياءِ، أنا،

والظِّلالُ لِسِرْبِ الْيَمام.

وإنّي كَزَنْبَقَةٍ يَمَّمَتْ مَسْبَحًا لِلطُّيُورِ

لِتَخْبِزَ نُورًا لِسُنْبُلَةٍ في كُهُوفِ الرَّدَى.

*

أَلَسْتُ أنا الشَّهْقةَ الْبِكْرَ لِلْفجْرِ

في أَرْضِكُمْ؟؟؟

أَلَسْتُ أنا شَفَةَ الشَّمْسِ

تَرْوِي سنابِلَكُمْ؟؟؟

فَتَبًّا لِقَوْمٍ هَوَاهُمْ رِكابٌ ونَرْجِيلَةٌ،

وخِدْري أراه مَرَاتِعَ ريحٍ سَمُومٍ ومِقْصَلَةٍ.

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي - تونس

 

في المثقف اليوم