عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: الأدب الآرامي والأدب العربي

وشائج اللغة، وجسور الحضارة، ووحدة الذاكرة الثقافية

ليس الأدب تاريخًا للنصوص فحسب، بل هو تاريخٌ للإنسان وهو يبحث عن معنى وجوده، ويمنح اللغة القدرة على أن تصبح وعاءً للذاكرة والهوية والرؤية. وإذا كان لكل أمة أدبها الذي يعكس روحها، فإن الآداب الكبرى لا تعيش في عزلة، بل تتلاقح وتتجاور، وتتبادل الصور والأفكار والرموز، حتى تصبح الحضارة الإنسانية نسيجًا واحدًا من الأصوات المتعددة.

ومن هذا المنظور، فإن العلاقة بين الأدب الآرامي والأدب العربي ليست علاقة تأثير عابر، بل هي علاقة قرابة حضارية عميقة، نشأت من وحدة الجغرافيا، وتشابه البنية اللغوية، والتداخل التاريخي، وتواصل الإنسان المشرقي عبر آلاف السنين.

فالآرامية والعربية تنتميان إلى أسرة اللغات السامية، وتشتركان في نظام الجذور الثلاثية، وفي كثير من الأبنية الصرفية، وفي ثراء الاشتقاق، وفي اعتماد الإيقاع الداخلي للكلمة. ولذلك لم يكن غريبًا أن تتجاور اللغتان في بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية قرونًا طويلة، وأن تتبادلا التأثير والتفاعل.

لقد أصبحت الآرامية، منذ القرن الثامن قبل الميلاد، لغةً واسعة الانتشار في المشرق، حتى غدت لغة الإدارة والتجارة والثقافة في الإمبراطوريات الكبرى. ولم تكن لغة المراسلات الرسمية فحسب، بل كانت لغة الشعر، والحكمة، والصلوات، والقصص، والسير، واللاهوت، والفلسفة.

ومن رحم الآرامية نشأت السريانية، التي تمثل أزهى مراحل الأدب الآرامي، فبلغت في القرون الميلادية الأولى منزلةً رفيعة، وأنتجت تراثًا هائلًا في الشعر، والتفسير، والتاريخ، والفلسفة، والطب، والترجمة.

ومن أبرز أعلامها أفرام السرياني، الذي لُقِّب بـ«قيثارة الروح»، فجعل الشعر صلاةً، واللغة نورًا، والإنسان موضوعًا للتأمل. وفي ترانيمه تمتزج الموسيقى بالرمز، والصورة بالتجربة الروحية، حتى تبدو قصائده أقرب إلى لوحات من الضوء منها إلى نظم الكلمات.

ومن ذلك قوله في معنى النور:

««النور لا يحتاج إلى شاهد، لأنه يشهد لنفسه.»»

وهي عبارة تكثف رؤية فلسفية ترى أن الحقيقة تمتلك قوة حضورها الذاتي، وهي فكرة ستتردد أصداؤها لاحقًا في الأدب الصوفي العربي.

كما برز يعقوب السروجي، الذي جعل من القصيدة السريانية بناءً دراميًا، يمزج بين السرد والإيقاع والتأمل، حتى عُدَّ من أعظم شعراء الشرق المسيحي.

ولم يقتصر الأدب الآرامي على الشعر الديني، بل ضم الحكم والأمثال، والرسائل، والسير، والتاريخ، والجدل الفلسفي، والنصوص التعليمية، مما جعله واحدًا من أغنى الآداب السامية.

أما الأدب العربي، فقد جاء امتدادًا حضاريًا لهذه البيئة المشرقية، لكنه حمل مشروعه الجمالي الخاص، وبلغ ذروة بيانية غير مسبوقة مع نزول القرآن الكريم، الذي أحدث ثورة لغوية وأدبية ما تزال آثارها ممتدة إلى اليوم.

وقد لاحظ المستشرق الألماني تيودور نولدكه أن دراسة العربية لا تكتمل من دون معرفة الآرامية والسريانية، لأن اللغات السامية تتكامل في تفسير كثير من الظواهر اللغوية والتاريخية.

ولم يكن التأثير بين الأدبين قائمًا على المفردات وحدها، بل تعداه إلى أنماط التعبير والرؤية. فالصور الرمزية المتعلقة بالنور، والماء، والكرمة، والزيتون، والراعي، والمدينة، والرحلة، نجدها في الأدب الآرامي، ثم تتجلى بصيغ جديدة في الأدب العربي.

فالزيتون، مثلًا، لم يكن مجرد شجرة، بل رمزًا للسلام والبركة والخلود. وهذا الرمز نجده في الترانيم السريانية، كما نجده في القرآن الكريم:

«﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾.»

وكذلك الماء، الذي يمثل في الأدب الآرامي سر الحياة والتطهر، سيغدو في الشعر العربي رمزًا للخصب والوجود، كما عند أبي تمام والمتنبي، ثم يبلغ ذروة رمزيته في الأدب الصوفي عند ابن الفارض وجلال الدين الرومي.

ومن أجمل ما يجمع الأدبين حضور الحكمة بوصفها خلاصة التجربة الإنسانية.

ففي الأدب السرياني نجد:

««لا تطلب أن يكون العالم على صورتك، بل اجعل قلبك يتسع للعالم.»»

ويقابله في التراث العربي قول الإمام علي بن أبي طالب:

««الناس صنفان: إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق.»»

إنهما يلتقيان في الإيمان بكرامة الإنسان، وإن اختلف السياق التاريخي.

كما أن النزعة التأملية في شعر أفرام السرياني تجد صداها في أبي العلاء المعري، الذي رأى أن الإنسان لا يبلغ الحكمة إلا إذا تحرر من أوهام التعصب، فقال:

«خفِّف الوطءَ ما أظنُّ أديمَ الأرضِ إلا من هذه الأجسادِ.»

وهنا تتحول اللغة في الأدبين إلى سؤال وجودي، لا إلى وسيلة تعبير فحسب.

وقد لعب العلماء السريان دورًا مفصليًا في بناء الحضارة العربية الإسلامية. فحين ازدهرت حركة الترجمة في العصر العباسي، كان علماء السريان هم الوسطاء الأمناء الذين نقلوا الفلسفة والطب والرياضيات من اليونانية إلى السريانية، ثم إلى العربية، فأسهموا في تكوين العقل العلمي العربي.

ولولا جهود أعلام مثل حنين بن إسحاق، وقسطا بن لوقا، ويحيى بن عدي، لما وصل كثير من التراث اليوناني إلى الحضارة الإسلامية بذلك الإتقان. وهؤلاء لم يكونوا مترجمين فحسب، بل كانوا مبدعين أعادوا صياغة المعرفة بلغة عربية دقيقة، وأسهموا في إثراء مصطلحاتها العلمية والفلسفية.

ولهذا فإن العلاقة بين الأدب الآرامي والأدب العربي ليست علاقة تنافس، بل علاقة تكامل. فكلاهما خرج من رحم حضارة المشرق، وكلاهما أسهم في بناء الذاكرة الثقافية للإنسان.

وقد أدرك الفيلسوف الألماني هانس-غيورغ غادامير أن التراث ليس بقايا الماضي، بل هو حوار مستمر بين الأزمنة، بينما رأى بول ريكور أن الهوية الثقافية لا تنشأ من الانغلاق، وإنما من قدرة الثقافة على استيعاب الآخر دون أن تفقد ذاتها.

وهذا ما حدث بين الآرامية والعربية؛ إذ لم تلغِ إحداهما الأخرى، بل أسهم التفاعل بينهما في إنتاج فضاء ثقافي أغنى وأوسع.

إن الدفاع عن العربية لا يكون بإنكار ما سبقها من تراث، كما أن الاحتفاء بالآرامية لا يكون بعزلها عن محيطها العربي. فالثقافات الكبرى لا تتنافى، بل تتحاور، واللغات العظيمة لا تُبنى على القطيعة، بل على التراكم والتفاعل.

واليوم، ونحن نعيش زمنًا تتعرض فيه اللغات الصغيرة لخطر الاندثار، يصبح الحفاظ على التراث الآرامي، إلى جانب العربية، مسؤولية ثقافية وأخلاقية. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل هي ذاكرة أمة، ومستودع حكمتها، ومرآة رؤيتها للعالم.

ومن هنا فإن الأدب الآرامي والأدب العربي يبدوان كغصنين خرجا من جذع حضاري واحد، تشابكت جذوره في تربة الهلال الخصيب، وسقتهما ينابيع التاريخ نفسها. وقد اختلفت الأغصان، وتنوعت الثمار، لكن الشجرة بقيت واحدة: شجرة الإنسان المشرقي، الذي جعل من الكلمة بيتًا للروح، ومن الأدب سجلًا خالدًا لذاكرة الحضارة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

في المثقف اليوم