تعطيل الفعل السردي وتضاعيف لغة المحكي
توطئة: تشهد رواية (أرواح من رمال) للكاتبة نادية الأبرو مجموعة ظواهر اسلوبية تطالها اللغة السردية التي تلتمس من قارئها التوقف والتأمل في جنبات النص. فالرواية موضع بحثنا تمتلك ثلاثية قطبية من المحاور السردية التي تتكفل بسرد ماضوية وحاضرية الحكاية الروائية التي تمتاز بمساحة مشروطة من موقعية السارد المشارك، ومن خلال نقل كل شخصية لأجزاء من دورها في الحكاية الروائية، نلاحظ بأن أغلب فقرات اللغة السردية تجاوزت حدود نقل التفاصيل والمواقف وحالات المروي له، لتتبين بعض الملفوظات وكأنها تداعيات ممزوجة بذاتية هذه الشخصية ومسارها الحكائي من الرؤية السردية.
ــ الناظم السردي والرؤية من الخلف
لعل الناظم (الخارجي ــ الداخلي) في المقاطع السردية يبئر عالم الحكاية من منظورات متعددة وفي أماكن مختلفة ومتوحدة، بصرف النظر عن المكان الأحادي الذي تنطلق منه التفاصيل الروائية ك(المعتقل ــ المشفى) انطلاقا من كون الوظيفة الموقعية للسارد الناظم تتوفر والمسرود الذاكراتي على مساحة تتخذ من صيغة السرد الجواني خلاصا لها بالمكوث في ملتزمات المكان الأحادي المنصوص عليه في فقرات السرد: (هي المرة الأولى منذ سنين.. ها أنا أجلس قبالتها أمعن النظر في زمن رسم خطواته بوضوح على قسمات وجهها الحنطي.. أرى خطوطا لم تكن موجودة من قبل فوق الفم وبجانب الذقن. / ص7 الرواية) ومن خلال ما طالعنا به السرد هنا وفي أماكن أخرى نلاحظ تتبع حركة تنامي الحكي تمر بثلاثة مستويات:
1ــ المستوى الأول:
مستوى السرد الذي يقدم أغلبه عن طريق (الفاعل الذاتي / المتكلم) أي إننا نلاحظ بطئا في حركة سيرهذا المستوى، راجعا إلى المساحات الاسترجاعية والوصفية الموغلة على طول وعرض النص.
2ــ المستوى الثاني:
و يتمثل في تعطيل الفعل السردي فيما وترك حاضر السرد كخروجا نحو مساحات استرجاعية مختلفة قربا وبعدا عن الفاصلة التي تمثل بداية الحكي (الطرق مكتظة بالوجوه الغرقة.. وجوه بلون الرعب والحجر) وذلك حسبما يقتضيه مقام السرد.
3ــ المستوى الثالث:
فهو تقنية الاستبطان ويتمثل في ترك واقع السرد والاحداث الخارجية وجعل دخيلة الشخصية الروائية هي (المبأر) كما أن المبئر سيكون هو الشخصية الروائية ذاتها، ويتم هذا المستوى في إطار الحكي الذاتي، أي أن هذه الشخصية الروائية تكون ذاتا للسرد وموضوعا لها في آن واحد. ومن خلال هذه الانماط السردية الثلاثة قدم الخطاب الروائي لرواية (أرواح من رمال) واستطاعت الكاتبة نادية الأبرو في إطار ذلك أن تسمح لذاتها بالتسلل إلى ذلك العالم المتخيل، ممارسة سلطتها كخالق لهذا الكيان المتخيل، طارحة أفكارها ورؤاها من خلال شخوصها، لاسيما (كاظم ــ وفية ــ عبد الجبار).
ــ الرؤية السردية في الرواية
و في إطار الحديث عن (الرؤية السردية) في هذه الرواية، ورصد تمظهراتها لابد أساسا من الحديث والتفريق بين صوتين سرديين تناوبا في تشكيل البناء الحكائي لهذه الرواية. إذا استثنينا من ذلك صوت الناظم الخارجي باعتبار أن دوره مقتصر على بناء الأفضية المكانية ورصد الأحداث الخارجية ــ هذان الصوتان هما (صوت المتكلم) الذي يطرح أسمه على طول صفحات الرواية. فيما تبقى أصوات الشخوص الأخرى التي تنكشف بين الفينة والأخرى، ملأ للمساحة السردية التي يتركها المتكلم وراءه عند تراجعه عن مهمة السرد، مما يفسح المجال أمام مسرحة الأحداث، واختلاف الرؤى وتعالي الأصوات وتعددها، الأمر الذي يتم من خلال إدراك الحدث وفق منظورات متعددة التي يطلق عليها تودوروف (جهات الحكي)و الملحوظ في الرواية (أوراح من رمال) أن الغلبة في خطابها الروائي كان للصوت الأوحد (المتكلم) الذي هو حينا يسرد ويبئر وحينا آخر يقوم بتنظيم عملية الحوار بين باقي الشخوص، غير أن هذا التمازج بين السرد والمبئر (أي بين الذي يتكلم والذي يرى) قد ينفصل فيقوم (الناظم) بسرد الأحداث من منظور شخوص الرواية، كما هو الحال في مقاطع عديدة من زمن الرواية. وفي الكثير من الأحيان يقدم لنا (الفاعل الذاتي) ومن ورائه الكاتب رؤيته التأملية للثيمة الأساسية في هذه الرواية وهي (الموت ــ الزنازن ــ القيود المعنوية) وبهذه الصورة المحفوفة بالتوجس والخوف والقلق تارة وبالتطلع إلى الخلاص النسبي تارة أخرى: (أستطيع أن أدعي النوم.. التقلص.. الأنكماش كجنين.. الخوف الهلع.. الارتعاش لا من البرد الذي كنت تحرصين علي منه، بل من خيالات وصور وحشية. / ص100 الرواية) وتتجلى عبر هذه النماذج الوحداتية من النص، الكثير من الاسترجاعات والمنولوجات والمسرودات التي تصل في أحيان كثيرة إلى درجة التداعيات والانشاءات، تمارسها الشخصية الحاكية في حالات مؤثرة من الرؤية السردية الممزوجة بين مقام التبئير ومقام لغة الحكي.
ــ الأحداث المدركة في إطار لغة السارد
لعلنا لاحظنا في أغلب الوحدات السردية بأن ضمير المتكلم يتراجع عن صيغة خطابه المسرود مفسحا المجال أمام إحدى الشخوص لتتولى الحكي من خلال صيغة الخطاب المتكلم، كما الحال عرضا مع الدكتورة إيمان واللسن التراب تبتلع نصف جسدها في مكان صحراوي مقفر: (كانت إصابتها في أعلى الكتف.. لم تكن خطرة.. وكم توسلتها على الخروج معنا من تلك الحفرة لكنها رفضت بشدة، وكأنها كانت على موعد مع حبيب انتظرته طويلا ــ ابتسمت كمن بلغ منتهاه وقالت بأقتضاب: ــ دعك مني ياوفية.. لا تنظري إلى الوراء.. وفية عيشي لأجلك واشعلي شمعة لأرواحنا. / ص213 الرواية).
ــ تعليق القراءة:
ففي إطار صيغة الخطاب المنقول يتم نقل هذه الأصوات عبر مصدرها المكاني والزمني. من اللافت للانتباه أن مقاطع الأحداث الروائية، تدور حكايتها عند حقبة نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، حيث تطال زمن الحرب ثمة اعتقالات تلامس أكثر الناس بعدا عن حقيقة الجرم المشبه بالخيانة أو الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو حركة ثورية سرانية. هكذا علمنا من خلال المحاور الثلاثية الأقطاب (كاظم ــ وفية ــ عبد الجبار) بأن تقنية الاسترجاع في لغة المحكي هي من كاد أن يعطل الأفعال السردية عن مكامن حراكها وجعل الرواية كما لو إنها تداعيات وهوامش من دفاتر الذاكرة والنسيان والحقيقة الدامية والقهرية.
***
حيدر عبد الرضا








