عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

أمجد نجم الزيدي: صناعة الألفة السردية

صادفتني، وأنا أعيد قراءة رواية دوستويفسكي (الليالي البيضاء)، عبارة في صفحتها الأولى لم تلفت انتباهي من قبل، وهي مخاطبة مباشرة للقارئ المفترض (أيها القارئ العزيز). قد تبدو مجرد جملة عابرة، لكن إن توقفنا أمامها قليلاً فسنرى أنها دعوة إلى المشاركة؛ إذ يمد السرد يده خارج عزلته، نحو قارئ يجلس في الجهة الأخرى من الكتاب. لذلك قادتني إلى التفكير في فعل القراءة ومدى براءته، عندما يلتفت إلينا السارد ويدعونا إلى مشاركته. قد تبدو مجرد مجاملة سردية، لكنها أيضاً إعادة توزيع للأدوار؛ فلم يعد السارد وحده يتكلم، ولم نعد كقراء مجرد عين تتلقى، وإنما صار وجودنا جزءاً من المشهد.

لا يخاطب دوستويفسكي، بهذه العبارة، ربما قارئاً محايداً؛ فكلمة (العزيز) نفسها تخلق ألفة متخيلة. لا نعرف السارد، ولا يعرفنا، لكنه يفترض علاقة سابقة بيننا. كأن الرواية لا تبدأ بالحادثة وحدها، وإنما في اللحظة التي تنشأ فيها هذه الألفة الوهمية بين شخص يتكلم وآخر يصغي. وهذا الوهم الذي نعيشه، في ظني، إن كان في هذه التجربة القرائية أو في غيرها، هو أحد أسرار الأدب العظيمة؛ أن شخصاً لا نعرفه، ولم نلتقِ به من قبل، يستطيع بجملة واحدة أن يجعلنا نشعر بأنه يتحدث إلينا وحدنا.

يصبح القارئ، بهذه الطريقة، شخصية غير مرئية في الرواية؛ شخصية لا نسمع صوتها، لكنها حاضرة في الطريقة التي يتكلم بها السارد. فنجد أنفسنا نفكر في السؤال نفسه الذي يشغله، كأن تردده انتقل إلينا دون أن نشعر. حين يقول (وهذا أيضاً، سؤال ساذج، أيها القارئ العزيز، ساذج جداً، ولكنني أسأل الله أن يبعثه في نفسك كلما كان ذلك ممكناً!)، يتحول الخطاب المباشر إلى محاولة لصنع استجابة لدى القارئ؛ يريد السارد بها أن يجد صدى تجربته في تجربة من يقرأه. إنه يعرف، بصورة أو بأخرى، أن القارئ ليس خارج النص تماماً؛ هناك قارئ مفترض يتخيله، ويحادثه، ويستبق اعتراضاته، وربما أثر كلامه فيه.

الكتاب، كما نتصوره غالباً، مكان غريب تلتقي فيه وحدتان؛ وحدة الكاتب الذي كتب ذات يوم، ووحدة القارئ الذي يقرأ بعد سنوات، وتنشأ بينهما محادثة لا تحتاج إلى حضور جسدي. تبدو لي مخاطبة القارئ، أكثر من تقنية سردية؛ إنها استجابة إنسانية للوحدة. حين يعجز الإنسان عن العثور على الآخر. ولهذا السبب ربما لا تكون القراءة فعلاً فردياً تماماً كما تبدو. نحن نقرأ وحدنا، نعم، لكننا ندخل أثناء القراءة في علاقة مع صوت آخر.

يعيش النص بالقارئ الذي يستدعيه، وبما يتركه له من فراغات وأسئلة وانتظارات. فلم يعد مجرد مستقبل، كما لم يعد النص مغلقاً. تقوم عملية القراءة على علاقة تفاعلية بين النص وقارئه؛ ولذلك يمكنني أن أدعي أن استحضار ديستوفيسكي للقارئ داخل خطاب الرواية السردي يعد كشفاً مبكراً عن حقيقة ستصبح تالياً أكثر وضوحاً في نظرية ما وراء السرد (Metafiction)، بما يعرف بـ(القص الواعي لذاته self-conscious fiction).

وما يدهش حقا إنه لا يشرح العلاقة بين السارد والقارئ؛ إنه يمارسها. لا يأتي هذا الاكتشاف بمتن نظري. كما لا يقول لنا، وبصورة صريحة، أن القارئ شريك في إنتاج المعنى، وإنما يفعل ذلك ببساطة. ينادينا، يعترض على ما قد نقوله، يسخر من سذاجة سؤاله، ويخبرنا بأفكاره، ثم يلتفت إلى حياتنا وكأنه يعرف أنها يمكن أن تتقاطع مع حياته.

يخاطب السارد قارئاً مجهولاً، ويصغي القارئ إلى سارد لم يعرفه قط، وفي المسافة بينهما تنشأ تلك العلاقة الغريبة التي نسميها قراءة. تحمل الصفحة الأولى من الرواية، التي نشرت لأول مرة عام 1848، شيئاً مختلفا، فهي تستدعينا لنصغي، لا لنضع إعجاباً أو تعليقاً. وربما لهذا السبب أشعر أنها ليست قديمة على الإطلاق. نعيش عصر الشاشات ووسائل التواصل والخطاب الذي يلاحق المتلقي في كل لحظة، عصراً لم يعد فيه القارئ مجرد قارئ. صار له حضور وصوت وتعليق وموقف، وصارت الكتابة نفسها أكثر وعياً بمن تخاطب. قيمة هذه الصفحة، بالنسبة إليّ على أقل تقدير، أنها جعلتني أفكر في السرد كمحاولة للإصغاء.

تكمن قوة السرد في أنه يمنحنا، ولو مؤقتاً، إمكانية أن نصل إلى الآخر، وأن نصغي إلى شخص لم نلتقِ به، لذلك قد تكون (الليالي البيضاء)، منذ جملتها الأولى تقريباً، حكاية عن الحاجة إلى الآخر، حتى عندما لا يكون حاضراً واقعياً. صوتاً لا نعرفه فعلياً، لكنه يعرف كيف يخاطب شيئاً فينا. وربما لهذا السبب نعود دائماً إلى الروايات التي قرأناها؛ لا لأن الحكايات بقيت كما هي، وإنما لأننا نحن الذين تغيرنا، لتصبح عبارة (أيها القارئ العزيز) التي لم نعرها اهتماماً سابقاً، موجهة إلينا، لا إلى قارئ افتراضي بعيد. حين يقولها لا يكون قد وجد صديقاً بالمعنى الذي يبحث عنه، لكنه وجد شخصاً بعيداً يمكن أن يترك عنده شيئاً من نفسه. وربما لهذا تبدو لي تلك العبارة الآن مختلفة، كما أتصور، عما كانت عليه حين كتبها دوستويفسكي. يجد الرجل الحالم، وهو يتحدث إلى نفسه، شخصاً آخر يخاطبه من وراء الصفحة. المدينة من حوله ممتلئة بالناس، والسماء مرصعة بالنجوم، وكل شيء يبدو صالحاً لأن يكون مشهداً للطمأنينة، إلا إن الإنسان يظل وحيداً ما لم يجد من يصغي إليه.

***

أمجد نجم الزيدي

في المثقف اليوم